تسريبات

الجيش السوداني والأسلحة الكيميائية.. أدلة جديدة تعيد فتح أخطر ملفات الحرب


لم يعد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد اتهامات متبادلة بين أطراف الحرب، أو قضية أثارتها واشنطن في سياق عقوباتها على الخرطوم، إذ دخل الملف خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة جديدة مع ظهور مجموعة واسعة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل التي تقول تحقيقات صحفية دولية إنها تقدم مؤشرات إضافية على وجود برنامج سري لإنتاج ذخائر محملة بالكلور داخل المنظومة العسكرية السودانية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023، بينما لا تزال البلاد تواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وفي قلب هذا المشهد، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تحول استخدام الكلور في بعض العمليات العسكرية من حادثة محدودة ومتنازع عليها إلى جزء من برنامج عسكري منظم؟

الولايات المتحدة كانت قد خلصت في أبريل/نيسان 2025 إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، وأعلنت لاحقاً عقوبات مرتبطة بهذا الاستنتاج. وفي يونيو/حزيران 2026 قررت واشنطن فرض إجراءات إضافية بعد اعتبارها أن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لرفع العقوبات، ودخلت الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ في يوليو/تموز.

لكن الجديد الذي أعاد القضية إلى الواجهة بقوة جاء في سبتمبر/أيلول 2026، عندما نشرت «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» تقارير استندت إلى ملف كبير من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل، قالت إنها حصلت عليها من مصادر أمنية في الشرق الأوسط.

وبحسب «واشنطن بوست»، تتضمن المواد وثائق عسكرية تتحدث عن ذخائر ذات تأثير مزدوج، ومقاطع لاختبارات لقنابل تنتج سحباً صفراء مخضرة، ورسائل تشير إلى تخزين أعداد كبيرة من الذخائر الكيميائية. وذكرت الصحيفة أن بعض الخبراء والمسؤولين السابقين في مجال الأسلحة الكيميائية اعتبروا المواد متسقة مع مؤشرات برنامج للأسلحة الكيميائية، مع التشديد على أن الحسم النهائي يتطلب الوصول إلى المواقع والشهود وإجراء فحوص ميدانية مستقلة.

وتكمن أهمية هذه المعطيات في أنها لا تتحدث فقط عن استخدام مادة كيميائية في ميدان القتال، بل عن سلسلة تبدأ بالحصول على الكلور، ثم تطوير ذخائر قادرة على حمله، واختبارها، وتخزينها، ثم استخدامها أو الاستعداد لاستخدامها.

ووفق التحقيقات المنشورة، تشير الوثائق إلى نشاط استمر خلال جزء كبير من عام 2024، في وقت كانت فيه القوات المسلحة السودانية تخوض معارك لاستعادة مواقع استراتيجية من قوات الدعم السريع. ومن بين المواقع التي ورد اسمها في التحقيقات منشآت عسكرية وقواعد جوية، إضافة إلى منطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، حيث سبق أن خلص تحقيق صحفي إلى وجود أدلة قوية على استخدام الكلور كسلاح خلال سبتمبر/أيلول 2024.

من الجيلي إلى كردفان

وتضيف المعلومات المتداولة في الأوساط السودانية خلال الفترة الأخيرة مواقع أخرى إلى دائرة الاتهامات، بينها مناطق في كردفان، مع حديث عن قرية تنّة في محلية سودري شمال كردفان، وأم فكرون جنوب الإقليم، إضافة إلى الفولة ومناطق أخرى في غرب كردفان.

هذه الادعاءات تحتاج، بطبيعة الحال، إلى التحقق الميداني المستقل، خصوصاً أن الحرب جعلت الوصول إلى كثير من مناطق النزاع شديد الصعوبة. لكن أهميتها السياسية والقانونية تكمن في أنها، إذا ثبتت، قد تعني أن القضية لا ترتبط بحادثة واحدة أو موقع واحد، وإنما بسلسلة من الوقائع المتفرقة جغرافياً.

وتقول المصادر السودانية التي تحدثت في هذا السياق إن هناك عمليات توثيق لآثار يشتبه في ارتباطها باستخدام الكلور، وإن بعض الأدلة تتعلق بمواقع جغرافية ومائية داخل مناطق تعرضت للعمليات العسكرية.

غير أن التحقيق الصحفي المهني يقتضي الفصل بين «التوثيق» و«الإثبات». فوجود أعراض صحية أو رائحة غريبة أو لون غير معتاد للانفجار يمكن أن يثير شبهة استخدام مادة كيميائية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات نوع المادة أو الجهة التي استخدمتها. ويحتاج الأمر إلى عينات بيئية، وفحوص طبية، وتحليل بقايا الذخائر، وشهادات مستقلة، وربط زمني ومكاني بين الهجوم والجهة المنفذة.

وهذا تحديداً ما يفسر الدعوات المتزايدة إلى إشراك منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في التحقيق.

ماذا تقول الوثائق الجديدة؟

تقول «واشنطن بوست» إن المواد التي فحصتها تضمنت ما وصفته بوثائق عسكرية ورسائل وصوراً لمواقع إنتاج واختبار، إضافة إلى رسائل تشير إلى كميات من الذخائر. كما أجرى خبراء في الأدلة الرقمية فحوصاً على بعض الصور ومقاطع الفيديو ولم يجدوا مؤشرات واضحة على التلاعب بها، مع التأكيد على أن سلامة الملف الرقمي لا تثبت وحدها صحة كل الادعاءات المرتبطة بمحتواه.

وهنا تكمن نقطة مهمة في التعامل مع الملف: هناك مستويان مختلفان من الإثبات.

الأول يتعلق بصحة الوثائق نفسها: هل الصور أصلية؟ هل الرسائل حقيقية؟ هل الأشخاص الذين نسبت إليهم الرسائل هم بالفعل مرسلوها؟ وهل التواريخ والمواقع قابلة للتحقق؟

أما المستوى الثاني فيتعلق بالنتيجة التي يمكن استخلاصها منها: هل تثبت هذه المواد فعلاً أن القوات المسلحة السودانية طورت برنامجاً للأسلحة الكيميائية واستخدمته ميدانياً؟

التحقيقات المنشورة تقول إن خبراء مستقلين رأوا في المواد مؤشرات قوية، لكنهم لم يعتبروا القضية محسومة من دون تحقيق ميداني. وهذا التفريق مهم، لأن الملف لا يتعلق فقط بسردية سياسية، وإنما باتهامات يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات جنائية ودولية.

الخرطوم تنفي

في المقابل، رفضت السلطات السودانية الاتهامات، ونفت تطوير أو استخدام أسلحة كيميائية. وبحسب الرد الذي نقلته «واشنطن بوست»، أكدت الحكومة السودانية التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وقالت إن مخزونات الكلور الموجودة في البلاد مخصصة لمعالجة المياه والاستخدامات المدنية والصناعية والطاقة.

كما أشارت الحكومة إلى استعدادها لإثبات موقفها أمام أي جهة دولية مختصة، وقالت إنها سبق أن دعت إلى التحقق من الادعاءات على الأرض.

هذا الرد يفتح بدوره باباً أساسياً في القضية: إذا كانت الخرطوم واثقة من عدم وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، فإن السماح بتحقيق دولي فني مستقل يمكن أن يمثل الاختبار الأهم لكل هذه الادعاءات.

فالتحقيق الميداني لا يخدم بالضرورة طرفاً ضد آخر. وقد يؤدي إلى إثبات الاتهامات أو نفيها أو تحديد نطاقها بدقة.

لماذا الكلور؟

الكلور ليس مادة عسكرية في الأصل. فهو يستخدم على نطاق واسع في معالجة مياه الشرب والتطهير والصناعة. لكن استخدامه بتركيزات معينة كعامل سام في القتال يحوله إلى سلاح كيميائي محظور.

وتحظر اتفاقية الأسلحة الكيميائية تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، كما تلزم الدول الأطراف بالتعاون مع آليات التحقق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وتزداد حساسية القضية لأن السودان وقع على الاتفاقية عام 1999، ما يجعل أي إثبات لاستخدام مادة كيميائية كسلاح ذا تبعات قانونية ودولية مباشرة.

ملف يتجاوز ساحة المعركة

إذا أثبتت التحقيقات المستقلة وجود برنامج لتصنيع ذخائر محملة بالكلور، فإن القضية ستتجاوز بكثير حدود الاستخدام الميداني.

سيكون السؤال عندها: من أنشأ البرنامج؟ من موّله؟ من وفر المواد؟ من صمم الذخائر؟ من أصدر الأوامر؟ ومن نفذ العمليات؟

وإذا ثبت أن البرنامج كان منظماً، فإن المسؤولية لن تتوقف بالضرورة عند العسكري الذي أسقط قنبلة أو نفذ هجوماً، بل قد تمتد إلى مستويات أعلى بحسب الأدلة المتوافرة وقواعد المسؤولية الجنائية الفردية.

ولهذا تحاول الأطراف السياسية والمدنية السودانية الدفع باتجاه تحقيق مستقل، مع التشديد على أن المحاسبة يجب أن تطال الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات، لا المجتمع السوداني أو مؤسسات الدولة بصورة جماعية.

وفي الوقت نفسه، يظل من الضروري عدم تجاهل الانتهاكات المنسوبة إلى الطرف الآخر في الحرب. فقوات الدعم السريع تواجه بدورها اتهامات واسعة بارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة، خصوصاً في دارفور، وهو ما يجعل التحقيق في الأسلحة الكيميائية جزءاً من ملف أوسع يتعلق بانتهاكات الحرب.

واشنطن تصعّد الضغط

الموقف الأميركي لم يعد مقتصراً على التصريحات. ففي يونيو/حزيران 2026 أعلنت واشنطن جولة إضافية من العقوبات، شملت إجراءات بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ودخلت حيز التنفيذ في يوليو/تموز. وتشمل الإجراءات قيوداً على المساعدات المالية والتقنية وبعض الصادرات، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بشركات الطيران الحكومية السودانية.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعادت الولايات المتحدة التأكيد داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على اتهاماتها المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان خلال 2024، وفق ما أوردته Arms Control Association.

وهكذا تحول الملف إلى ورقة ضغط دبلوماسية مستمرة، في وقت تحاول فيه واشنطن أيضاً دفع الأطراف السودانية نحو وقف إطلاق النار.

وبينما تنفي السلطات السودانية الاتهامات، يتزايد عدد التقارير والتحقيقات التي تطالب بالوصول إلى الحقيقة عبر آلية دولية مستقلة.

في النهاية، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت هناك اتهامات باستخدام الكلور؛ فهذا أصبح أمراً موثقاً في تصريحات رسمية وتحقيقات دولية متعددة. السؤال الأهم هو ما الذي يمكن إثباته أمام جهة تحقيق مستقلة، وما حجم البرنامج الذي تشير إليه الوثائق، ومن يتحمل المسؤولية عنه.

وفي حرب أنهكت السودان، قد يكون ملف الأسلحة الكيميائية أحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لأنه يتعلق بسلاح محظور دولياً، وإنما لأنه يضع أمام المجتمع الدولي اختباراً آخر: هل يمكن تحويل الأدلة المتناثرة والاتهامات المتبادلة إلى تحقيق قانوني مستقل يحدد الحقيقة والمسؤولية بعيداً عن الحسابات السياسية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى