تسريبات

من الحرب الأهلية إلى الملف الكيميائي.. هل تدخل معركة السودان مرحلة جديدة؟


أكثر من ثلاث سنوات مرت على اندلاع الحرب السودانية، لكن الصراع لم يتوقف عن إنتاج ملفات جديدة تتجاوز حدود المعركة التقليدية.

من القتال داخل المدن، إلى النزوح الجماعي، إلى الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، وصولا إلى الدعم الخارجي وتدفق الأسلحة، تبدلت طبيعة الحرب السودانية أكثر من مرة.واليوم يبرز ملف الأسلحة الكيميائية باعتباره واحدا من أكثر الملفات حساسية.

فالولايات المتحدة تقول إن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في 2024، وأكدت إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد مراجعة جديدة للملف، النتيجة نفسها التي توصلت إليها الإدارة الأميركية السابقة.وفي سبتمبر 2026، جاءت تقارير وتحقيقات دولية جديدة لتضيف إلى الاتهامات مجموعة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والاتصالات التي قالت إنها تقدم أدلة على وجود برنامج لإنتاج ذخائر كيميائية تعتمد على الكلور.

لكن في المقابل، تنفي الحكومة السودانية هذه الاتهامات وتطالب بالتحقق المستقل.وبين الروايتين، تقف الحرب نفسها أمام سؤال جديد: ماذا يعني دخول الأسلحة الكيميائية إلى معادلة الصراع؟

حرب بدأت بصراع على السلطة

اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعد تصاعد الخلافات حول ترتيبات الانتقال السياسي ودمج القوات.ومنذ ذلك الوقت تحولت المواجهة إلى حرب واسعة النطاق.

المعارك انتقلت بين الخرطوم ودارفور ومناطق أخرى، وتعرض المدنيون لموجات متتالية من العنف والنزوح.وفي السنوات التالية، ظهرت اتهامات واسعة ضد الطرفين بشأن الانتهاكات.وفي سبتمبر 2026، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الدول التي تغذي الحرب بالسلاح إلى تحمل المسؤولية، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية واتساع نطاق النزوح.وفي هذه البيئة المعقدة ظهر ملف الأسلحة الكيميائية.

لماذا 2024؟

تشير الاتهامات الأميركية والتحقيقات المنشورة حديثا إلى أن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية يعود إلى عام 2024.وتقول واشنطن إنها توصلت إلى هذا الاستنتاج بعد تقييم استخباراتي.ثم ظهرت لاحقا تقارير صحفية تحدثت عن ذخائر تعتمد على الكلور واختبارات في مناطق صحراوية.وتقول «واشنطن بوست» إن مواد حصلت عليها الصحيفة تضمنت وثائق ورسائل وصورا تشير إلى إنتاج وتخزين ذخائر كيميائية، كما أشارت إلى ادعاءات باستخدامها في مواقع عسكرية.

أما «نيويورك تايمز»، فذكرت أن ملفا استخباراتيا قدمته جهة في الشرق الأوسط تضمن صورا وفيديوهات ووثائق واتصالات قالت إنها تصف برنامجا عسكريا لإنتاج ذخائر كيميائية خلال 2024.وهذه التقارير جعلت القضية تتجاوز مجرد الاتهام الأميركي.

هل يعني ذلك أن الحرب ستتغير؟

ليس بالضرورة على المستوى العسكري المباشر.فالأسلحة الكيميائية، حتى إذا ثبت استخدامها، لا تعني تلقائيا أن ميزان القوى سيتغير جذريا.لكنها قد تغير طبيعة الصراع سياسيا ودبلوماسيا.فالحرب السودانية تحظى أصلا باهتمام دولي واسع، وأي إثبات لاستخدام سلاح محظور يمكن أن يزيد الضغوط على الأطراف المعنية.

كما يمكن أن يؤثر في مواقف الدول التي تتعامل مع الحكومة السودانية أو الأطراف العسكرية.

ملف قد يعيد تشكيل الضغط الدولي

الولايات المتحدة قالت إن القضية ينبغي أن تعالج عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.وهذا مهم لأن المنظمة تمثل الإطار الدولي المتخصص في هذا النوع من الملفات.وفي يوليو 2026، أعادت واشنطن التأكيد على اتهام السودان باستخدام الأسلحة الكيميائية في 2024، ودعت إلى منح الأمانة الفنية للمنظمة وصولا شفافا ودون عوائق للتحقق.

في المقابل، قدم السودان لجنة وطنية قالت إنها لم تجد أدلة تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية في المواقع التي فحصتها.وهذا يعني أن الملف يحتاج إلى تجاوز مرحلة الروايات المتضادة.

التحقق هو نقطة الفصل

في مثل هذه القضايا، لا تكفي الصور وحدها.ولا تكفي الشهادات وحدها.ولا تكفي المعلومات الاستخباراتية وحدها.المطلوب هو تجميع الأدلة ضمن سلسلة تحقق تسمح بمعرفة مكان الحادث وتاريخه ونوع المادة المستخدمة وكيف وصلت إلى الموقع ومن استخدمها.ولهذا يطالب خبراء سابقون في مجال الأسلحة الكيميائية بتحقيق دولي.

وفي سبتمبر 2026، قال مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن الأدلة المتزايدة تستدعي فتح تحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام ذخائر تحتوي على الكلور في السودان.هذه الدعوات تعكس طبيعة المرحلة الجديدة.

ماذا لو ثبت الاستخدام؟

إذا أثبت تحقيق دولي مستقل أن أسلحة كيميائية استخدمت فعلا، فإن الملف سيدخل مرحلة أكثر تعقيدا.ستبرز حينها أسئلة المسؤولية الفردية والمؤسسية.من أنتج السلاح؟من أمر باستخدامه؟من نفذ الهجوم؟من كان يعلم بوجود البرنامج؟وهل استمر البرنامج بعد اكتشافه؟وكل سؤال من هذه الأسئلة يمكن أن يقود إلى مسار مختلف من المحاسبة.لكن إثبات الاستخدام لا يعني تلقائيا أن كل شخص في المؤسسة العسكرية مسؤول.المسؤولية تحتاج إلى تحديد الأدوار والأوامر والأفعال والأدلة التي تربط الأشخاص أو المؤسسات بالوقائع.

وماذا لو لم يثبت؟

الجانب الآخر من القضية لا يقل أهمية.إذا لم تتمكن التحقيقات الدولية من إثبات الاتهامات، فإن ذلك سيضع أيضا حدا للكثير من الروايات المتداولة.ولهذا فإن التحقيق المستقل ليس مهما فقط لمن يطالب بإدانة الجيش، وإنما أيضا لمن ينفي الاتهامات.فالتحقيق المهني يمكن أن يحدد ما هو ثابت وما هو غير ثابت، وما يحتاج إلى أدلة إضافية.وهذا هو السبيل الأكثر قدرة على منع تحول الملف إلى أداة في الحرب الإعلامية.

الخطر الإقليمي

هناك بعد آخر للقضية.الحرب السودانية ليست معزولة عن محيطها.البلاد تقع في منطقة استراتيجية، وتربط بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر.كما أن الصراع شهد تدخلا خارجيا ودعما مختلفا للأطراف، بحسب تقارير دولية.وفي ظل هذا الوضع، فإن ظهور أسلحة كيميائية يثير مخاوف إضافية تتعلق بانتشار المواد والتقنيات والخبرات.حتى لو بقي استخدامها محصورا داخل السودان، فإن وجود برنامج من هذا النوع يمثل قضية تتجاوز حدود ساحة المعركة.

الحرب والسلام

المفارقة أن ملف الأسلحة الكيميائية يظهر في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إنهاء الحرب.فالولايات المتحدة والأمم المتحدة وأطراف إقليمية مختلفة تضغط باتجاه وقف القتال والوصول إلى تسوية سياسية.لكن أي عملية سياسية سودانية مقبلة ستواجه ملفا ثقيلا من الاتهامات والانتهاكات.

وهنا يصبح التعامل مع قضية الأسلحة الكيميائية جزءا من السؤال الأكبر حول العدالة والمحاسبة.هل تكون الأولوية لوقف الحرب أولا؟هل تبدأ المحاسبة بالتوازي مع التفاوض؟كيف يتم التعامل مع المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة داخل أي عملية سياسية؟هذه أسئلة سياسية وقانونية معقدة، ولا توجد إجابة واحدة متفق عليها بشأنها.

المدنيون يدفعون الثمن

وسط هذه الحسابات، تبقى الحقيقة الأوضح أن استمرار الحرب يعني استمرار المعاناة الإنسانية.فحتى دون الأسلحة الكيميائية، يعيش ملايين السودانيين آثار الحرب والنزوح وانهيار الخدمات.وإذا أثبت استخدام مواد سامة، فإن ذلك يضيف طبقة جديدة من المخاطر على المدنيين.ولهذا فإن التحقيق في هذه الاتهامات لا ينبغي أن ينظر إليه فقط باعتباره مواجهة سياسية بين واشنطن والخرطوم.إنه أيضا مسألة تتعلق بمعرفة ما حدث للضحايا، وتحديد المسؤولية، ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.

مرحلة مفصلية

ملف الأسلحة الكيميائية قد يكون أحد أكثر الملفات تأثيرا في المرحلة المقبلة من الحرب السودانية.ليس لأنه سيحسم الحرب عسكريا، وإنما لأنه يضع الصراع أمام منظومة دولية مختلفة عن تلك المرتبطة بالسلاح التقليدي.واشنطن جددت موقفها.السودان يرفض الاتهامات.

التحقيقات الصحفية كشفت مواد جديدة.وخبراء سابقون يطالبون بتحقيق دولي.وبالتالي، فإن الكرة أصبحت في ملعب التحقيق المستقل.فالمرحلة المقبلة لن تحتاج إلى مزيد من التصريحات بقدر ما تحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق.وإذا ثبتت الاتهامات، فإن السودان سيواجه تداعيات سياسية وقانونية ودبلوماسية كبيرة.وإذا لم تثبت، فإن ذلك سيكون أيضا نتيجة مهمة تضع حدا للشكوك وتحدد حدود ما يمكن إثباته.في الحالتين،فإن الحقيقة هي الحلقة المفقودة التي يحتاج إليها هذا الملف.وبينما تستمر الحرب على الأرض، يتوسع الصراع في الملفات الدولية.

ومن الخرطوم إلى أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يبدو أن المعركة القادمة لن تكون فقط حول السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، وإنما أيضا حول الأدلة، والمسؤولية، ومن يملك القدرة على إثبات ما حدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى