الجيش السوداني والأسلحة الكيميائية.. قرائن تتسع ومطالب بتحقيق دولي مستقل
أعلنت واشنطن أنها خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات مرتبطة بهذا التقييم.
لم يعد ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية مجرد اتهام عابر تتبادله أطراف النزاع، بعدما بدأت تتراكم حوله وثائق وصور ومقاطع مصورة وشهادات وتقييمات من خبراء سبق لهم العمل في التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية. وفي سبتمبر/أيلول 2026، عاد الملف إلى الواجهة بقوة، مع دعوات من مسؤولين سابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى فتح تحقيق دولي مستقل، على خلفية ما وصفوه بوجود “قرائن ظرفية قوية جدا” على وقوع هجوم كيميائي واحد على الأقل في السودان.
وجاءت هذه الدعوات خلال ندوة نظمها نادي الصحافة السويسري في جنيف في 15 سبتمبر/أيلول، خصصت لمناقشة الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، وشارك فيها مارك ألبون، المسؤول السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والرئيس السابق لوحدة التحقيق التابعة للآلية المشتركة بين الأمم المتحدة والمنظمة بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، إلى جانب الدبلوماسي البريطاني السابق بوب فيرويذر، الذي شغل منصب رئيس مكتب المدير العام للمنظمة والمبعوث البريطاني الأسبق إلى السودان وجنوب السودان.
ويكتسب حضور هذين الخبيرين أهمية خاصة بالنظر إلى خبرتهما السابقة في ملفات الأسلحة الكيميائية والتحقيقات الدولية. فالحديث الصادر عنهما لا يمثل حكماً قضائياً نهائياً بشأن مسؤولية الجيش السوداني، لكنه يعكس انتقال الاتهامات إلى مستوى آخر من النقاش، بعدما أصبح السؤال المطروح في الأوساط المتخصصة لا يقتصر على ما إذا كانت هناك روايات عن استخدام مواد سامة، وإنما ما إذا كانت الأدلة المتاحة تستحق تحقيقاً ميدانياً دولياً قادراً على حسم طبيعة تلك الوقائع.
وقال ألبون خلال الندوة إن مراجعة المواد المتاحة، بما فيها المصادر المفتوحة والشهادات والصور ومقاطع الفيديو، توفر، بحسب تقييمه، أسباباً قوية للاعتقاد بأن هجوماً كيميائياً واحداً على الأقل وقع في السودان. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عدم القدرة على الوصول إلى المواقع المعنية، وجمع العينات وإجراء الفحوص المخبرية ومقابلة المصابين والشهود بصورة مباشرة، يظل عائقاً أمام الوصول إلى استنتاج نهائي بشأن نوع المادة المستخدمة وكيفية استخدامها.
وتبرز حادثة مصفاة الجيلي شمالي الخرطوم بوصفها الواقعة التي يرى ألبون أن المؤشرات المحيطة بها هي الأقوى. ووفق عرضه، فإن الحادثة التي تعود إلى سبتمبر/أيلول 2024 هي الحالة التي تمكن فريقه من تحديدها على نحو أكثر وضوحاً باعتبارها تحمل مؤشرات على استخدام أداة تنطبق عليها معايير السلاح الكيميائي. إلا أن غياب الوصول إلى الموقع يعني أن طبيعة المادة الكيميائية أو الخليط الذي ربما استخدم لم تُحسم عبر تحليل ميداني مستقل.
وتحمل هذه النقطة أهمية كبيرة في أي تحقيق من هذا النوع، لأن إثبات استخدام سلاح كيميائي لا يعتمد فقط على صور الضحايا أو شهادات شهود العيان، مهما كانت أهميتها. فالتحقيقات الجنائية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تحتاج إلى جمع عينات من موقع الحادث، وتحليل بقايا الذخائر والمواد الكيميائية، ودراسة الأعراض الطبية، ومقارنة شهادات الضحايا، وتحديد مسار الذخائر، وربط الأدلة الميدانية بالمعلومات الاستخباراتية والاتصالات والصور.
ومن هنا تأتي مطالبة ألبون بتحقيق دولي مستقل يجمع بين العمل الميداني والفحوص الجنائية والطبية وتحليل المواد المرئية والاستماع إلى الأشخاص الذين يعتقد أنهم تعرضوا لهجمات كيميائية. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس فقط إثبات وقوع هجوم، وإنما إعادة بناء سلسلة الأحداث كاملة: متى وقع الهجوم، وأين، وما المادة المستخدمة، وكيف وصلت إلى موقع القتال، ومن قام بإطلاقها، ومن أصدر الأمر باستخدامها.
وتزداد حساسية الملف بسبب ظهور معلومات جديدة خلال سبتمبر/أيلول حول ما تصفه تقارير إعلامية بأنه برنامج لتطوير ذخائر كيميائية داخل الجيش السوداني. فقد نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تحقيقاً استند إلى مجموعة كبيرة من الوثائق الداخلية ومقاطع الفيديو والرسائل النصية، وقالت إن المواد التي راجعتها تشير إلى تطوير مخزون سري من الأسلحة الكيميائية واستخدام ذخائر تعتمد على الكلور خلال الحرب. وذكرت الصحيفة أن المواد تضمنت معلومات عن تحويل شحنات من الكلور مخصصة لمعالجة مياه الشرب، وإخفاء مواقع لإنتاج الرؤوس الحربية داخل قواعد عسكرية، واختبار قنابل في مناطق صحراوية.
كما تحدثت تقارير صحفية أخرى عن نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسائل واتصالات مرتبطة بالبرنامج المزعوم، وعن تصنيع واختبار ذخائر محملة بالكلور خلال عام 2024. ووفق تقرير نشرته “دويتشه فيله”، فإن هذه المواد فتحت الباب أمام أسئلة جديدة بشأن ما إذا كانت هناك عملية منظمة لتطوير وإنتاج أسلحة كيميائية داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
وتؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن ملف السودان كان موضع نقاش داخل مجلسها التنفيذي، بعدما طلبت دول، بينها موريتانيا وتشاد وبنين، توضيحات من السودان بشأن الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، فيما ظل المجلس يتابع المسألة.
أما الولايات المتحدة، فقد اتخذت موقفاً أكثر حسماً. ففي أبريل/نيسان 2025 أعلنت واشنطن أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات مرتبطة بهذا التقييم. وفي يوليو/تموز 2026 دخلت عقوبات إضافية حيز التنفيذ بعد أن قالت الإدارة الأميركية إن السودان لم يستوف الشروط المطلوبة لتجنبها.
وفي بيان أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مارس/آذار 2026، قالت الولايات المتحدة إن تقييمها لاستخدام الأسلحة الكيميائية يعود إلى عام 2024، وطالبت السلطات السودانية بالإعلان عن أي منشآت إنتاج أو ذخائر كيميائية والسماح بالتحقق منها وتدميرها وفق التزامات السودان بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
لكن الخرطوم رفضت الاتهامات الأميركية، وقالت إن ما قدم من أدلة لا يرقى إلى إثبات مستقل لاستخدام الأسلحة الكيميائية. كما أن لجنة فنية وطنية شكلتها السلطات السودانية للتحقيق في الاتهامات قالت، وفق ما أوردته Arms Control Association نقلاً عن نتائج قدمت إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إنها لم تجد في المواقع التي فحصتها أدلة مادية أو تقنية أو وثائقية تثبت الاتهامات. وفي المقابل، شددت الولايات المتحدة على أن الآليات الوطنية لا يمكن أن تحل محل التحقق المستقل من جانب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وهنا تتضح واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية في القضية: هل تكفي التحقيقات التي أجرتها السلطات السودانية لنفي الاتهامات، أم أن طبيعة الملف تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً؟ بالنسبة إلى ألبون وفيرويذر، فإن حجم القرائن المتداولة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مناطق الحرب، يجعل التحقيق الخارجي أكثر إلحاحاً.
وقال فيرويذر خلال الندوة إن تجاهل الاتهامات قد يضعف نظام حظر الأسلحة الكيميائية، لأن عدم التحقيق في الاستخدام المزعوم يمكن أن يبعث برسالة إلى أطراف أخرى مفادها أن استخدام هذه الأسلحة قد يمر دون محاسبة. ودعا إلى تطبيق مستوى التدقيق الجنائي والفني نفسه الذي استخدم في التحقيقات السابقة بشأن سوريا، مع التركيز ليس فقط على إثبات استخدام السلاح، وإنما أيضاً على تحديد الأشخاص والمؤسسات التي اتخذت القرارات المرتبطة به.
ويحمل التشبيه بسوريا دلالة خاصة، ليس لأن الحالتين متطابقتان، وإنما لأن تجربة التحقيقات الدولية في سوريا أظهرت حجم التعقيد الذي يمكن أن يواجه المحققون عندما تقع هجمات كيميائية وسط حرب مفتوحة وتضارب في الروايات. وقد أظهرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مايو/أيار 2026 أن فريقاً تابعاً لها تمكن، بعد دخوله إلى مواقع في سوريا، من العثور على ذخائر ومواد كيميائية ومعدات ووثائق لم تكن معلنة سابقاً.
وفي السودان، تبدو المهمة أكثر تعقيداً بسبب استمرار الحرب وتغير السيطرة على المناطق ومرور فترة زمنية على الوقائع المزعومة. فكل يوم يمر يمكن أن يؤدي إلى فقدان أدلة مادية، أو تغير خصائص الموقع، أو صعوبة الوصول إلى شهود وناجين. ولهذا فإن التحقيق، إذا تقرر فتحه، لن يكون مجرد مهمة سياسية، وإنما عملية جنائية وفنية تحتاج إلى حماية مواقع الأدلة وتوثيقها وتحليلها وفق معايير دولية.
وتتجاوز أهمية الملف مسألة العقوبات الأميركية أو الخلاف السياسي بين واشنطن والخرطوم. فإذا أثبت تحقيق مستقل أن مواد كيميائية سامة استخدمت كسلاح في السودان، فإن القضية ستدخل في نطاق مختلف من المسؤولية الدولية. فاستخدام الأسلحة الكيميائية محظور بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، كما أن استخدام وسائل قتال محظورة قد يثير مسؤولية جنائية دولية بحسب طبيعة الوقائع والأشخاص المتورطين فيها.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع التقارير التي تتحدث عن رسائل واتصالات بين مسؤولين عسكريين بشأن تطوير الذخائر واستخدامها. فإذا ثبتت أصالة هذه الاتصالات وسياقها، فقد توفر للمحققين خيوطاً مهمة لفهم البرنامج المزعوم. لكنها، في المقابل، تحتاج إلى فحص جنائي رقمي مستقل للتأكد من مصدرها وعدم تعرضها للتلاعب أو الاجتزاء.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن ملف الأسلحة الكيميائية سينتهي بمجرد تبادل البيانات بين الولايات المتحدة والسلطات السودانية. فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لا تزال معنية بالمسألة، فيما تستمر الدعوات الحقوقية والدبلوماسية إلى منح المحققين الدوليين وصولاً مباشراً إلى المواقع والأشخاص والأدلة. كما برزت خلال سبتمبر/أيلول دعوات أخرى في جنيف لإجراء تحقيق دولي بمشاركة المنظمة، على خلفية الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية.
وبالنسبة إلى ملايين السودانيين الذين يعيشون الحرب منذ أبريل/نيسان 2023، فإن القضية لا تتعلق فقط بالأسلحة أو العقوبات، وإنما بحماية المدنيين ومنع تحول وسائل الحرب المحظورة إلى واقع جديد في النزاع. وإذا كانت هناك أدلة فعلية على استخدام أسلحة كيميائية، فإن الكشف عنها ومحاسبة المسؤولين عنها يصبحان جزءاً من حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات.
في المقابل، فإن أي تحقيق جاد يجب أن يتعامل مع الملف وفق معيار واحد، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والعسكرية. فالمطلوب ليس إثبات رواية طرف أو نفي رواية طرف آخر، وإنما تحديد ما إذا كان سلاح كيميائي قد استخدم فعلاً، وأين ومتى وكيف، ومن المسؤول عنه، وما الأدلة التي يمكن أن تثبت ذلك أمام جهة مستقلة.
وبذلك، يدخل ملف “كيماوي السودان” مرحلة أكثر حساسية. فالمعطيات المتاحة لم تعد تقتصر على اتهامات سياسية، إذ توجد قرائن ووثائق وشهادات وتقييمات خبراء وموقف أميركي رسمي، في مقابل نفي سوداني وتحقيق وطني لم يخلص إلى إثبات الاتهامات في المواقع التي فحصها. وبين هذه الروايات المتعارضة، تظل الحلقة المفقودة هي التحقيق الدولي المستقل القادر على الوصول إلى المواقع وفحص الأدلة والاستماع إلى الشهود.
ويبقى السؤال الأكبر: هل استخدم الجيش السوداني الأسلحة الكيميائية بالفعل خلال الحرب، أم أن بعض القرائن المتاحة تحتاج إلى إثبات ميداني قبل الوصول إلى هذه النتيجة؟ الإجابة النهائية عن هذا السؤال لن تأتي من التصريحات السياسية وحدها، ولا من التقارير الصحفية وحدها، وإنما من تحقيق قادر على تحويل القرائن إلى أدلة، والأدلة إلى وقائع موثقة، ثم تحديد المسؤولية على أساس قانوني مستقل.
وفي ملف بهذه الخطورة، قد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو بقاء الاتهام معلقاً بلا تحقيق حاسم؛ لأن غياب الإجابة لا يبدد الشبهات، كما أن الاتهام وحده لا يكفي لإصدار حكم. وبين الاثنين، يبقى التحقيق الدولي المستقل هو الاختبار الحقيقي الذي يمكن أن يحسم واحدة من أخطر القضايا التي أفرزتها الحرب السودانية.




