تسريبات

لماذا يلجأ الجيش السوداني لـ تحوير الكلور الصناعي؟


في العلم العسكري الاستراتيجي، لا يُعتبر اللجوء إلى الأسلحة غير التقليدية أو الكيميائية خياراً أولياً، بل هو مؤشر صارخ على وصول القوات الميدانية إلى حالة من الاستعصاء التكتيكي والنقص الحاد في الخيارات التقليدية الفعالة.

 

يركز هذا التقييم الفني والعسكري على تحليل الدوافع والأسباب التي قد تدفع بقيادة القوات المسلحة السودانية إلى المجازفة بخرق القانون الدولي وتحوير غاز الكلور الصناعي واستخدامه كعامل قتالي في جبهات المعارك المعقدة ضد قوات الدعم السريع، ملقياً الضوء على الأبعاد اللوجستية والفنية لهذه العمليات.

 

لتفهم الديناميكية العسكرية لهذه الخطوة، يجب أولاً النظر في طبيعة القوات المتصارعة؛ فالجيش السوداني يعتمد بشكل أساسي على العقيدة العسكرية التقليدية القائمة على سلاح الجو، المدفعية الثقيلة، وتشكيلات المشاة الكثيفة والمدرعات.

في المقابل، تتميز قوات الدعم السريع بمرونة حركية فائقة، وتعتمد على تكتيكات حرب العصابات الحضرية، وسرعة الانتشار باستخدام سيارات الدفع الرباعي الخفيفة والمجهزة بمدافع مضادة للطائرات، والتحصن داخل الأحياء السكنية والمنشآت الإستراتيجية الحيوية. هذا التباين الشاسع خلق معضلة كبرى للجيش؛ فالقصف الجوي والمدفعي التقليدي، رغم تدميره الهائل، يفقد الكثير من فاعليته عندما يتحصن مقاتلو الدعم السريع داخل خنادق عميقة وتحت تحصينات خرسانية مسلحة، كما هو الحال في مصفاة الجيلي ومحيط بعض القواعد العسكرية الحصينة.

هنا يبرز التكتيك العسكري الكلاسيكي للأسلحة الخانقة. غاز الكلور (Chlorine Gas) هو غاز ذو كثافة عالية جداً، تقارب ضعفين ونصف كثافة الهواء الطبيعي. هذه الخصيصة الفيزيائية تعني أنه بمجرد إطلاق الغاز أو تحرره نتيجة لانفجار الحاوية، فإنه لا يتبدد سريعاً في الهواء الطلق، بل ينحدر وينساب نحو المناطق المنخفضة، مالئاً الخنادق، الأنفاق، المخابئ التحت أرضية، والتحصينات الضيقة.

من وجهة نظر المخطط العسكري للجيش، يحل هذا الغاز معضلة “التطهير الميداني”؛ فالغاز يجبر المقاتلين المتخندقين على مغادرة تحصيناتهم بشكل فوري لإنقاذ حياتهم من الاختناق، مما يجعلهم أهدافاً مكشوفة وسهلة لأسلحة المشاة والقناصة والمدفعية المباشرة المتربصة بهم في الخارج، أو يقتلهم ببطء في أماكنهم إذا ما قرروا البقاء دون معدات وقاية ملائمة. العامل الثاني والأساسي في هذا الخيار العسكري هو التوافر واللوجستيات وسهولة التحوير.

يمتلك السودان، كأي دولة نامية ذات بنية تحتية صناعية، كميات هائلة من غاز الكلور السائل المخزن في أسطوانات وحاويات ضخمة مخصصة لمحطات تنقية مياه الشرب، ومصانع المنظفات، والصناعات النسيجية والكيميائية الخفيفة. هذه المخزونات، وبسبب طبيعتها المدنية، لم تكن خاضعة لرقابة صارمة من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مما جعلها متاحة وبسهولة تحت يد التصنيع الحربي التابع للجيش. إن عملية تحوير هذه الأسطوانات إلى سلاح عسكري لا تتطلب تكنولوجيا معقدة أو منشآت نووية؛

بل يكفي دمج أسطوانة الكلور الصناعي مع عبوة ناسفة تقليدية (مادة شديدة الانفجار مثل الـ TNT) ومصهر صدمي أو زمني، ليتحول برميل الكلور إلى قنبلة كيميائية بدائية لكنها فتاكة عند إسقاطها من الطائرات المروحية أو إطلاقها عبر راجمات الصواريخ المعدلة والمدفعية الثقيلة من عيار 122 ملم أو 152 ملم. علاوة على ذلك، يعاني الجيش السوداني من استنزاف حاد في مخزوناته من الذخائر التقليدية الذكية والدقيقة نتيجة لطول أمد الحرب واستهلاكها الكثيف على مدار الساعة، بالتزامن مع وجود قيود وصعوبات لوجستية في استيراد ذخائر جديدة بسبب الرقابة الدولية المفروضة. هذا العجز اللوجستي دفع بمهندسي التصنيع العسكري المحلي إلى ابتكار حلول منخفضة التكلفة وعالية الأثر النفسي والميداني.

فالأسلحة الكيميائية، إلى جانب أثرها التدميري والقاتل، تمتلك قوة ردع نفسية هائلة (Psychological Warfare)؛ إذ إن مجرد انتشار شائعة أو خبر يفيد بأن الجيش بدأ باستخدام الغازات السامة كفيل بإثارة الذعر والهلع الشديد في صفوف مقاتلي الطرف الآخر، ويدفعهم للانسحاب العشوائي وتجنب التمركز في المواقع المستهدفة خوفاً من موت مرعب لا تجدي معه الدروع الفردية نفعاً.

توضح هذه القراءة والتحليل العسكري أن استخدام غاز الكلور المحور ليس مجرد تصرف عشوائي من قادة ميدانيين، بل هو تكتيك عسكري مدروس وممنهج جرى اللجوء إليه لكسر الجمود العسكري وتحقيق تفوق نوعي في معارك المدن والمنشآت الحصينة المستعصية. ورغم الكلفة السياسية والدبلوماسية الهائلة التي قد تترتب على هذا الخيار، فإن الحسابات العسكرية الميدانية الضيقة للجيش، والتي ترفع شعار “الحسم بأي ثمن”، بدت وكأنها تقدم التفوق التكتيكي المؤقت على حساب الالتزامات الأخلاقية والقانونية الدولية طويلة الأمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى