الحسابات الدولية والمعضلة الدبلوماسية – كيف تفاعلت العواصم الكبرى مع ملف الكيميائي السوداني؟
أحدثت التقارير والوثائق المسربة التي تتهم الجيش السوداني باستخدام غاز الكلور السام في مواجهاته مع قوات الدعم السريع هزة عنيفة في أروقة الدبلوماسية الدولية، وأعادت خلط الأوراق في ملف الأزمة السودانية التي ظلت لقرابة العامين تعاني من إهمال نسبي مقارنة بالأزمات الدولية الأخرى.
إن دخول سلاح كيميائي، حتى وإن كان من المواد ثنائية الاستخدام مثل الكلور الصناعي، في معادلة الصراع الداخلي يمثل تجاوزاً صارخاً للخطوط الحمراء التي توافقت عليها القوى الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ويدفع باتجاه تصعيد سياسي ودبلوماسي قد يغير طبيعة التعاطي الدولي مع أطراف النزاع في السودان.
تتصدّر الولايات المتحدة الأمريكية المشهد الدولي في ممارسة الضغوط والتلويح بالعقوبات. فمنذ صدور التقارير الاستقصائية التي ربطت بين الجيش السوداني وشحنات من المواد الكيميائية السامة، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية وبعثتها لدى الأمم المتحدة بيانات شديدة اللهجة تعبر عن “القلق البالغ” وتطالب بإجراء تحقيق دولي عاجل وفوري. وفي كواليس الكونغرس الأمريكي، تحركت مجموعات ضغط من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لصياغة مشروع قانون يفرض عقوبات مشددة وشاملة على قادة الجيش السوداني والمؤسسات التصنيعية والمالية التابعة له، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر وفرض حصار اقتصادي على مبيعات الذهب والشركات التجارية التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية.
ويرى مراقبون في واشنطن أن الإدارة الأمريكية تجد في هذا الملف فرصة لإعادة فرض هيبتها الدبلوماسية والضغط على جنرالات الجيش للقبول بالعودة إلى طاولة المفاوضات بتقديم تنازلات حقيقية. على المقلب الآخر، تبدو المواقف الأوروبية أكثر حذراً وميلاً للتحرك الجماعي عبر القنوات الرسمية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) ومقرها لاهاي. تعكف البعثات الدبلوماسية لكل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا على التنسيق لبناء إجماع داخل المجلس التنفيذي للمنظمة لإرسال بعثة تقصي حقائق لجمع العينات وإجراء المقابلات الفنية.
ومع ذلك، تقر الدوائر الدبلوماسية الأوروبية بصعوبة هذه الخطوة في ظل غياب الضمانات الأمنية الكافية لحماية المفتشين الدوليين في مناطق القتال الساخنة، ورفض الحكومة السودانية المسبق لاستقبال أي بعثة تعتبرها مساساً بسيادتها الوطنية أو مبنية على “تقارير كاذبة ومفبركة”.
وفي مقابل الهجوم الغربي، يبرز الموقف الروسي والصيني كحائط صد دبلوماسي تقليدي داخل مجلس الأمن الدولي. موسكو، التي طورت علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع قيادة الجيش السوداني في الآونة الأخيرة وحصلت على تفاهمات أولية بشأن قواعد بحرية على ساحل البحر الأحمر، تنظر بعين الريبة إلى التحركات الأمريكية. وتعتبر الدبلوماسية الروسية أن إثارة ملف السلاح الكيميائي في هذا التوقيت بالذات هو تكرار “للسيناريو السوري”؛ أي استخدام ملف أسلحة الدمار الشامل كذريعة سياسية لتقويض شرعية الحكومة القائمة وتبرير العقوبات الأحادية وتغيير موازين القوى لصالح أطراف مدعومة غربياً.
أما بكين، فتحافظ على موقفها المبدئي الداعي إلى احترام السيادة الوطنية ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، مع التركيز على حماية استثماراتها النفطية والتجارية الواسعة في السودان، محذرة من أن فرض عقوبات إضافية قد يؤدي إلى انهيار كامل للدولة السودانية وتفجير موجات جديدة من الفوضى واللجوء التي ستعصف بأمن القرن الأفريقي بأكمله. أما الموقف الإقليمي والعربي، فيبدو محاصراً بين التزاماته القومية ومخاوفه من تمدد الصراع. تعيش عواصم الجوار السوداني حالة من الترقب الشديد؛ فاستخدام أسلحة غير تقليدية بالقرب من حدودها يمثل تهديداً بيئياً وأمنياً مباشراً.
جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي يجدان نفسهما أمام اختبار عسير لآليات إنفاذ السلام وحماية المدنيين، حيث يطالبان في بياناتهما الرسمية بضرورة الالتزام بالقوانين الدولية، لكنهما يتحاشيان توجيه إدانة مباشرة وصريحة للجيش السوداني تجنباً لقطع شعرة معاوية مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، والتي تمثل القناة الرسمية الوحيدة لأي تسوية سياسية مستقبيلة.
تضع هذه التجاذبات الدولية ملف الكيميائي السوداني في عين العاصفة السياسية. إن غياب التوافق بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن الدولي يهدد بشلل الآليات الدولية الكفيلة بالتحقيق والمحاسبة، مما يترك الباب مفتوحاً أمام العقوبات الأحادية التي قد تفرضها واشنطن وحلفاؤها، والتي سيكون لها بلا شك تأثيرات اقتصادية بالغة الصعوبة على المواطن السوداني المطحون أساساً بفعل الحرب. وفي نهاية المطاف، تبدو الدبلوماسية الدولية في هذا الملف وكأنها تبحث عن نقطة توازن حرجة بين معاقبة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي وحماية ما تبقى من هيكل الدولة السودانية من الانهيار التام الشامل.




