زوايا

السلاح غير المرئي.. من السودان إلى واشنطن


من المنطقة المعتمة في الحرب السودانية يأتي الفيلم الوثائقي الاستقصائي (السلاح غير المرئي)، الذي يُعرض في واشنطن اليوم 24 سبتمبر بنادي الصحافة الوطني.

يليه نقاش متخصص بمشاركة صحفيين وخبراء وباحثين ومهتمين بالشأن السوداني وحين تصبح آثار الحرب غير مرئية، لا تُقاس الأسلحة دائمًا بما تتركه من حفر في الأرض أو أنقاض في المباني.

فبعض الأسلحة تترك أثرًا مباشرًا يمكن رؤيته وتصويره، في حين تعمل أخرى في صمت، وقد تمر لحظة استخدامها دون أن يدرك من كانوا في المكان طبيعة الخطر الذي تعرضوا له. وبينما تنتهي أصوات الانفجارات، قد تبدأ آثار أخرى بالظهور على أجساد المدنيين، وفي البيئة المحيطة، وفي شهادات الناجين.

الفيلم، الذي مدته نحو 26 دقيقة، من تقديم الصحفي وصانع الأفلام الوثائقية يوسف جاجيلي، بمشاركة الكاتب والباحث الإعلامي عبدالمنعم سليمان (بيجو) ويقترب العمل من ملف بالغ الحساسية يتعلق بالتقارير والشهادات والأدلة المرتبطة بادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية وقانونية وسياسية.

يتعامل الفيلم مع القضية بوصفها رواية تحتاج إلى الفحص، فلا يضع نتيجة نهائية قبل اختبار المادة التي يعرضها، ويتحرك في المساحة الفاصلة بين الشهادة والدليل، وبين ما يرويه الأشخاص الذين عاشوا الأحداث وما يمكن للوثائق والمصادر المفتوحة والتحليل العلمي أن يثبته بصورة مستقلة.

فمن الميدان إلى الشاشة في واشنطن، تبدأ الحكاية من المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب الحرب، ومن شهادات تتحدث عن هجمات وظروف وأعراض غير معتادة، وعن لحظات يصعب على أصحابها تفسيرها وسط الفوضى التي ترافق العمليات العسكرية. وفي مثل هذه الحالات تصبح الشهادة الإنسانية نقطة بداية مهمة، لكنها لا تمثل وحدها نهاية التحقيق؛ فالشهادة تحتاج إلى سياق، والصورة تحتاج إلى تحديد زمان ومكان، ومقطع الفيديو يحتاج إلى التحقق من مصدره، والمعلومة المتعلقة بمادة كيميائية تحتاج إلى فهم طبيعتها وطريقة استخدامها والظروف المحيطة بها.

وهنا ينتقل العمل الوثائقي من رواية الإنسان إلى اختبار الأدلة. ووفق المواد التعريفية المقدمة عن الفيلم، يعتمد على شهادات مباشرة من مدنيين متضررين، وتحليلات خبراء، وأبحاث من المصادر المفتوحة، ومعلومات مرتبطة بسلاسل الإمداد والتوريد، بما يسمح للصحافة الاستقصائية بالانتقال من مجرد نقل الرواية إلى محاولة بناء صورة أكثر اكتمالًا للحدث.

عندما يصبح الهواء جزءًا من مسرح الجريمة تزداد صعوبة التحقيق عندما يتعلق الأمر بمواد كيميائية أو عوامل سامة، لأن آثارها قد تتداخل مع عوامل أخرى ناتجة عن الحرب أو البيئة أو الإصابات التقليدية. ولهذا يصبح التحقق العلمي عنصرًا أساسيًا.

وفي التحقيقات المتخصصة المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، يمكن أن تشمل عملية التحقق مقابلات مع الضحايا والشهود والأطباء والمسعفين، وجمع عينات طبية وبيئية، وفحص الوثائق، وتحليل بقايا الذخائر أو المواد المرتبطة بالحادث، ثم إخضاع العينات للتحليل في مختبرات مستقلة معتمدة. وهذه المنهجية هي من الأدوات التي تستخدمها بعثات تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وهذا يوضح الفارق بين رواية تُتداول في الفضاء العام وبين نتيجة يمكن أن تستند إلى منهج علمي وقانوني قابل للفحص، وفي الحالة السودانية، تزداد الصعوبة بسبب ظروف الحرب، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وتدهور البنية الصحية، ونزوح السكان، واحتمال تغير مسرح الأحداث قبل وصول أي جهة متخصصة إليه، فالمواد الكيميائية هي بالضرورة مواد عسكرية في أصلها وغير مشروعة.

يبدأ التحقيق الحقيقي عندما تتقاطع مجموعة من المعلومات المستقلة، وثائق الشحن، وسجلات الشركات، ومسارات النقل، والبيانات التجارية، والصور، والمعلومات الجغرافية، وغيرها من المصادر التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء سلسلة الأحداث. فالسلاح أو المادة لا يظهر فجأة في ساحة المعركة؛ غالبًا ما يسبقه مسار للوصول، وقد تترك كل مرحلة منه أثرًا وثائقيًا أو رقميًا يمكن تتبعه.

لهذا يعتمد التحقيق الاستقصائي الجاد على مقارنة المصادر وربط المعلومات ببعضها واختبارها أمام مصادر مستقلة. وتصبح الخرائط الرقمية وبيانات الأقمار الاصطناعية والصور الجغرافية وسجلات الشحن وغيرها أدوات مساعدة في بناء صورة زمنية ومكانية للحدث، دون أن تكون بديلًا عن القراءة الصحفية والمهنية للأدلة.

السودان بين الادعاء والتحقق الدولي تأتي قضية الأسلحة الكيميائية في السودان ضمن سياق أوسع من الادعاءات التي ظهرت خلال سنوات النزاع. ففي عام 2016، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنها درست أجزاء ذات صلة من تقرير بشأن ادعاءات استخدام أسلحة كيميائية في دارفور، وقالت إن المعلومات والأدلة المتاحة آنذاك لم تكن كافية للوصول إلى استنتاج.

أما في سياق الحرب الحالية، فقد أعلنت الولايات المتحدة في عام 2026 أنها خلصت إلى استخدام أسلحة كيميائية في السودان عام 2024، وطرحت الأمر باعتباره انتهاكًا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية. ويكشف اختلاف طبيعة هذه المواقف أهمية التمييز بين الادعاءات، والتقييمات الحكومية، والتحقيق الدولي المستقل.

الإنسان قبل السياسة وسط هذه التفاصيل الفنية والقانونية، يبقى المدني في مركز القضية. فالناجي الذي يروي تجربته يقدم جزءًا من الصورة، بينما يحتاج التحقيق إلى وضع تلك الرواية في سياقها الطبي والجغرافي والزمني ومقارنتها بالأدلة الأخرى.

ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين الصحافة الإنسانية والصحافة الاستقصائية؛ فالصحافة الإنسانية تنقل صوت الإنسان الذي تعرض للحدث، بينما تسعى الصحافة الاستقصائية إلى معرفة ما يمكن إثباته حول ما حدث وكيف حدث. وعندما يلتقي المساران، يصبح بالإمكان بناء رواية أكثر دقة، لا تعتمد على الانفعال وحده ولا على الوثيقة المجردة وحدها.

وفي واشنطن، سيكون عرض (السلاح غير المرئي) مناسبة لانتقال هذه القضية من مساحة التحقيق الوثائقي إلى مساحة النقاش العام المتخصص، بما يفتح المجال أمام الصحفيين والخبراء والباحثين للنظر في الأدلة والمعلومات من زوايا متعددة.

وفي قضية بهذا التعقيد، لا تكفي قوة الرواية، ولا حجم الاتهام، ولا انتشار المعلومة، ما يبقى هو الدليل القابل للفحص، والشهادة التي يمكن التحقق منها، والمعلومة التي تصمد أمام المقارنة، والتحقيق الذي يستطيع أن يميز بين ما حدث فعلًا وما قيل إنه حدث، ومن هذه المنطقة تحديدًا يأتي فيلم (السلاح غير المرئي) إلى واشنطن؛ فيلمًا وثائقيًا يفتح ملفًا شديد الحساسية، يضعه في سياقه، ونقاشًا عامًا يتيح للمتخصصين النظر في المادة من زوايا متعددة، وفي النهاية، تظل أهم خدمة تقدمها الصحافة في مثل هذه القضايا أن تمنح الحقيقة الوقت الكافي لتظهر، وأن تمنح الأدلة المساحة الكافية لتتكلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى