وثائق سرية تعيد ملف الأسلحة الكيميائية إلى واجهة حرب السودان
فتحت معلومات جديدة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» الباب أمام واحدة من أخطر الفرضيات المرتبطة بالحرب السودانية، بعدما كشفت وثائق وصوراً ومقاطع مصورة ورسائل سرية قالت إنها تشير إلى امتلاك الجيش السوداني ذخائر كيميائية وتطوير قنابل تعتمد على غاز الكلور، في وقت تدخل فيه الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عامها الثالث، بينما لا تزال قيادة الجيش، بقيادة عبدالفتاح البرهان، متمسكة بخيار الحسم العسكري.
وبحسب التحقيق، فإن المواد التي حصلت عليها الصحيفة من مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط تتضمن مؤشرات على وجود برنامج سري لتطوير وإنتاج وتخزين ذخائر محملة بالكلور، إلى جانب محاولات لإخفاء بعض آثار هذا النشاط. وأوضحت الصحيفة أنها عرضت المواد على أكثر من عشرين مسؤولاً استخباراتياً غربياً وخبيراً في الأسلحة الكيميائية ومفتشين سابقين، حيث رأى معظم من اطلعوا عليها أنها تقدم مؤشرات ذات مصداقية على وجود برنامج من هذا النوع، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن إثبات الأمر بصورة نهائية يتطلب الوصول إلى مواقع الإنتاج، وفحص الذخائر، والاستماع إلى شهود مباشرين.
وتشير المواد التي تناولها التحقيق إلى أن الجزء الأساسي من هذا النشاط تركز خلال عام 2024، عندما بدأت محاولات لتصنيع ذخائر بدائية يمكن تحميلها بالكلور واستخدامها في العمليات العسكرية. ووفق الرواية الواردة في التحقيق، جرى اختبار بعض هذه الذخائر في مناطق صحراوية بعيدة عن التجمعات السكانية، في محاولة على ما يبدو لتقليل فرص اكتشاف النشاط أو توثيق آثاره.
وتكتسب المقاطع المصورة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تظهر، بحسب الصحيفة، انفجارات أعقبها تصاعد لأبخرة ذات لون أصفر. واعتبر خبراء في الأسلحة الكيميائية تحدثت إليهم الصحيفة أن المشاهد تتوافق مع بعض الخصائص المعروفة للكلور، غير أن الصور وحدها لا تكفي لإثبات طبيعة المادة المستخدمة بصورة قاطعة، وهو ما يجعل التحليل المخبري المستقل للعينات والآثار أمراً حاسماً في تحديد حقيقة ما جرى.
من سلاح تقليدي إلى أداة للترهيب
الأكثر إثارة للقلق في المعطيات المنشورة لا يتعلق فقط باحتمال تصنيع ذخائر كيميائية، وإنما بالهدف الذي كان يُنظر إليه من وراء استخدامها. فبعض الرسائل المنسوبة إلى عسكريين سودانيين، بحسب التحقيق، تشير إلى أن الغاز لم يكن يُبحث باعتباره مجرد وسيلة قتالية جديدة، بل كأداة يمكن استخدامها لإجبار مقاتلي الدعم السريع على إخلاء مواقع محصنة وإحداث حالة من الذعر والارتباك داخل صفوفهم.
وإذا ثبتت صحة هذه الرسائل، فإن ذلك يعني أن الحديث لا يدور فقط عن تجربة تقنية أو مشروع محدود لم يخرج من نطاق المختبرات، وإنما عن محاولة إدخال مادة سامة إلى حسابات المعركة نفسها.
وتشير المواد التي راجعتها الصحيفة أيضاً إلى وجود ذخائر جرى تجميعها وتخزينها داخل منشآت عسكرية، فيما تضمنت إحدى المراسلات تقديرات بشأن أعداد كبيرة من القنابل. كما تظهر الصور، وفق التحقيق، تصاميم لذخائر بدائية الصنع، جرى إعدادها باستخدام خزانات وأسطوانات معدنية وإضافة مكونات تسمح بتحويلها إلى ذخائر يمكن إسقاطها من الجو.
وتتضمن بعض المواد، بحسب الصحيفة، مشاهد لعمليات تعبئة للكلور من خزانات كبيرة داخل ذخائر معدة للاستخدام العسكري، بينما تكشف وثائق أخرى عن تصاميم تجمع بين التأثير السام للغاز والقوة الانفجارية للمواد التقليدية، بما قد يزيد من خطورة الذخيرة على الأفراد الموجودين في محيط الانفجار.
لكن طبيعة هذه الذخائر البدائية تطرح في المقابل أسئلة حول مدى فعاليتها العسكرية وقدرتها على تغيير مسار الحرب. فامتلاك ذخائر كيميائية لا يعني بالضرورة امتلاك سلاح قادر على حسم معركة أو اختراق خطوط دفاعية واسعة. وقد رأى خبراء ومسؤولون تحدثت إليهم الصحيفة أن ذخائر الكلور قد تكون قادرة على إحداث إصابات خطيرة وإجبار مجموعات صغيرة على الانسحاب من أماكن محددة، لكنها لن تكون بالضرورة عاملاً قادراً على تغيير ميزان القوى بين طرفي الحرب.
محاولة لإخفاء الآثار؟
جانب آخر من القضية يزيد من حساسيتها يتمثل في الإشارات الواردة في الوثائق إلى محاولات لإخفاء آثار البرنامج المزعوم.
وبحسب التحقيق، تتضمن بعض الرسائل مؤشرات على البحث عن وسائل لإزالة أو طمس آثار مرتبطة بالمنشآت والعمليات التي يُعتقد أنها كانت جزءاً من المشروع. كما تشير مواد أخرى إلى البحث عن مصادر للكلور من منشآت مرتبطة بمعالجة المياه.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة. فالكلور مادة تستخدم على نطاق واسع في معالجة مياه الشرب وتعقيمها، ولا يمثل وجودها في حد ذاته دليلاً على نشاط عسكري محظور. لكن تحويل المادة إلى وسيلة لنشر غاز سام بقصد إصابة الأشخاص يدخل القضية في إطار مختلف تماماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتطوير ذخائر ووسائل إطلاق مخصصة لهذا الغرض.
فالخطر لا يكمن في المادة الكيميائية وحدها، وإنما في الطريقة التي يتم بها استخدامها والهدف المقصود من استخدامها. وعندما تتحول مادة صناعية أو مدنية إلى عنصر في سلاح مصمم لإحداث تأثير سام على البشر، فإن طبيعة الاستخدام تصبح جزءاً أساسياً من التقييم القانوني والسياسي.
الخرطوم تنفي
هذه الرواية تتناقض بصورة مباشرة مع الموقف الرسمي السوداني. فقد نفت السلطات السودانية في مناسبات سابقة امتلاك أو استخدام أسلحة كيميائية، كما أعلنت تشكيل لجنة للتحقيق في اتهامات سابقة تتعلق بوجود تلوث كيميائي أو إشعاعي.
ووفق ما نقلته الصحيفة، خلص التحقيق الرسمي السوداني إلى عدم العثور على أدلة تثبت وجود تلوث من هذا النوع. كما نفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» وجود سجل لديها يشير إلى تحويل الكلور الذي قدمته لأغراض مرتبطة بمعالجة المياه في السودان إلى استخدام عسكري.
وتظل هذه النقطة مهمة، لأن جزءاً من الجدل يدور حول مصادر المواد الكيميائية التي يُعتقد أنها استخدمت في البرنامج المزعوم. فوجود الكلور في منشآت معالجة المياه أو وصول شحنات منه إلى السودان لا يمثل في حد ذاته دليلاً على تحويله إلى سلاح، ولا يمكن اعتبار أي اختفاء أو نقص في الإمدادات دليلاً تلقائياً على استخدام عسكري.
ولهذا فإن الفاصل بين الادعاء والإثبات يظل أساسياً في هذه القضية، خصوصاً أن اتهام دولة باستخدام الأسلحة الكيميائية يتطلب مستوى عالياً من الأدلة الفنية والميدانية.
من العقوبات الأميركية إلى وثائق جديدة
وتأتي هذه المعلومات في وقت سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على السودان على خلفية ما قالت إنه استخدام للأسلحة الكيميائية. لكن واشنطن لم تكشف آنذاك سوى قدر محدود من المعلومات التي استندت إليها في تقييمها.
أما نشر هذه المجموعة الجديدة من الوثائق والصور والرسائل فيعيد الملف إلى الواجهة، ويمنحه بعداً جديداً، ليس فقط بسبب طبيعة المعلومات المنشورة، وإنما بسبب محاولة إخضاعها للمراجعة من جانب خبراء ومسؤولين سابقين في مجال الأسلحة الكيميائية والاستخبارات.
وفي حال تأكدت صحة هذه المواد من خلال تحقيق مستقل، فإن القضية قد تتجاوز حدود الاتهامات المتبادلة بين طرفي الحرب لتتحول إلى ملف دولي له تبعات قانونية وسياسية واسعة. فالسودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، ما يعني أن إثبات وجود برنامج من هذا النوع سيكون ذا تبعات تتجاوز ساحة المعركة نفسها.
حرب تتجه إلى مزيد من الخطورة
المشكلة الأكبر أن الحديث عن الأسلحة الكيميائية يأتي في حرب أصبحت أصلاً واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. ملايين السودانيين اضطروا إلى النزوح، فيما دمرت المعارك مدناً وبنى تحتية ومنشآت حيوية، واتسعت دائرة الانتهاكات والاتهامات الموجهة إلى طرفي الصراع.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لاستخدام مادة سامة أن يفتح باباً جديداً للخطر. فالكلور، إذا أطلق بتركيزات عالية وفي ظروف معينة، يمكن أن يتسبب في أضرار خطيرة للجهاز التنفسي، بينما تصبح آثاره أكثر تعقيداً عندما يستخدم داخل مناطق مكتظة أو في منشآت مغلقة.
كما أن انتشار هذا النوع من الأسلحة، إذا ثبت وجوده، قد يدفع أطرافاً أخرى في النزاع إلى البحث عن وسائل مشابهة للرد، وهو ما قد يحول الاستخدام الكيميائي من استثناء محدود إلى عنصر إضافي في سباق التصعيد.
وهنا تتقاطع القضية مع مسألة أخرى أكثر اتساعاً: ماذا يحدث عندما تستمر حرب طويلة بلا أفق سياسي واضح، بينما يزداد اعتماد أطرافها على الوسائل العسكرية؟
رهان البرهان على الحسم
إصرار قيادة الجيش السوداني على مواصلة الحرب حتى تحقيق الحسم العسكري يجعل أي تطور في نوعية الأسلحة المستخدمة أكثر حساسية. فكلما طال أمد المعارك وتوسعت العمليات الهجومية، تزداد احتمالات اللجوء إلى وسائل أكثر تدميراً، خصوصاً في المناطق التي تحولت فيها المعارك إلى حرب استنزاف طويلة.
لكن حتى إذا ثبت استخدام ذخائر محملة بالكلور، فإن ذلك لا يعني أن الجيش السوداني يمتلك سلاحاً قادراً على إنهاء الحرب. فالأسلحة الكيميائية قد تسبب خسائر كبيرة وتخلق حالة من الرعب، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة التعقيدات العسكرية والجغرافية والسياسية التي جعلت الصراع السوداني مستعصياً على الحسم.
ولهذا فإن خطورة القضية لا تقاس فقط بقدرتها على تغيير ميزان القوى، وإنما بما يمكن أن تتركه من آثار على المدنيين وعلى مستقبل الحرب وعلى صورة السودان دولياً.
بين الوثيقة والدليل
ورغم خطورة ما نشرته «واشنطن بوست»، تبقى بعض تفاصيل البرنامج المزعوم بحاجة إلى تحقق ميداني مستقل. فالوثائق والصور والمقاطع يمكن أن تقدم خيوطاً مهمة، لكنها لا تعفي من ضرورة التحقق من مصدرها وسياقها وتاريخها، وإجراء فحوص علمية على أي مواد أو بقايا يمكن الوصول إليها.
والسؤال الحاسم الآن ليس فقط ما إذا كانت هناك وثائق تتحدث عن قنابل الكلور، وإنما ما إذا كانت هذه الوثائق تمثل برنامجاً عسكرياً حقيقياً، وهل وصلت الذخائر المزعومة إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، وأين ومتى جرى ذلك، ومن أصدر الأوامر، ومن شارك في عمليات التصنيع والتخزين؟
تلك الأسئلة لن تجيب عنها البيانات السياسية المتبادلة، بل يحتاج حسمها إلى تحقيق مستقل يجمع الأدلة الميدانية والمعلومات الاستخباراتية والفحوص العلمية وشهادات الأشخاص المرتبطين بالبرنامج المزعوم.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في القضية ليس فقط احتمال وجود ذخائر كيميائية داخل مستودعات عسكرية، وإنما احتمال أن تكون الحرب السودانية قد بدأت تفتح الباب أمام استخدام أسلحة كان المجتمع الدولي قد وضع خطوطاً حمراء واضحة حولها منذ عقود. وإذا تأكدت هذه المعطيات، فلن يكون «كيماوي السودان» مجرد فصل جديد في حرب طويلة، بل تحولاً نوعياً يفرض على المجتمع الدولي إعادة النظر في طبيعة الصراع نفسه، وفي المخاطر التي قد تنتظر المدنيين إذا استمر الرهان على الحسم العسكري بدلاً من التسوية السياسية.




