تسريبات

قنابل الكلور ومئات الذخائر.. ماذا تكشف وثائق سرية عن ترسانة الجيش السوداني؟


بين أسطوانات الكلور المستخدمة في تنقية مياه الشرب، ورسومات لذخائر تجمع الغاز السام بالمتفجرات، واختبارات في مناطق صحراوية، ومئات القنابل التي قيل إنها نقلت إلى قاعدة مروي، تفتح وثائق سرية كُشف عنها في الولايات المتحدة نافذة على واحد من أخطر الملفات المرتبطة بالحرب السودانية: الاتهامات بوجود برنامج منظم لتطوير وإنتاج واستخدام أسلحة كيميائية داخل المؤسسة العسكرية.

القضية لم تعد تستند فقط إلى تقييم أميركي صدر في 2025 واتهم الحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024، بل أصبحت أمام كم كبير من المواد التي تقول صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» إنهما حصلتا عليها وفحصتاها، وتشمل وثائق وصوراً ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية ورسائل نصية.

لكن كثرة المواد لا تعني تلقائياً اكتمال الدليل.

فالسؤال في هذا النوع من الملفات لا يتعلق فقط بما تقوله الوثيقة، وإنما بمصدرها، وطريقة الحصول عليها، وسلامة محتواها، وإمكانية مطابقتها مع أدلة ميدانية مستقلة.

ومع ذلك، فإن تسلسل المعلومات الواردة في هذه الوثائق يرسم، إذا ثبتت صحتها، صورة أكثر تعقيداً من مجرد استخدام عرضي لمادة كيميائية في ساحة القتال: بداية من التفكير في تصنيع ذخائر خاصة، مروراً بالنماذج الأولية والاختبارات، وصولاً إلى الحديث عن إنتاج مئات الذخائر وتخزينها واستخدام بعضها في مواقع عسكرية.

الجيش السوداني ينفي

السلطات العسكرية السودانية نفت الاتهامات المتعلقة بتطوير أو استخدام الأسلحة الكيميائية، ورفض مسؤولون عسكريون ما ورد في التقارير الصحفية، مؤكدين عدم وجود أساس مادي لهذه المزاعم.

ويكتسب الموقف السوداني أهمية إضافية بسبب عضوية البلاد في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تحظر تطوير وإنتاج وحيازة وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية.

لكن وجود الكلور داخل السودان لا يمثل في حد ذاته دليلاً على امتلاك أسلحة كيميائية.

فالكلور مادة واسعة الاستخدام في الحياة المدنية، ويدخل بصورة أساسية في معالجة مياه الشرب والتطهير. وتكمن المسألة القانونية في الغرض من استخدام المادة، وليس في مجرد وجودها أو تداولها.

الفارق إذن بين محطة لمعالجة المياه وقنبلة كيميائية ليس في المادة وحدها، وإنما في الطريقة التي تستخدم بها والهدف المقصود منها.

كيف بدأ مشروع قنابل الكلور؟

بحسب المواد التي استندت إليها «نيويورك تايمز»، بدأت المرحلة الرئيسية من المشروع المزعوم في منتصف عام 2024، في وقت كان الجيش السوداني يواجه ظروفاً عسكرية معقدة داخل الخرطوم، بينما كانت قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق واسعة وتتمركز في مواقع حضرية محصنة.

وفي هذه المرحلة يظهر اسم العميد طارق حسين محمد مدني باعتباره شخصية محورية في عملية تطوير الذخائر.

وتشير الوثائق، وفق الصحيفة، إلى أن مدني اقترح استخدام الكلور ضد مواقع قوات الدعم السريع المحصنة داخل العاصمة، باعتباره وسيلة يمكن أن تتجاوز بعض صعوبات القتال التقليدي داخل المناطق الحضرية.

وتتحدث الرسائل عن تصميم ذخيرة تجمع بين مادة متفجرة وكمية كبيرة من غاز الكلور.

أما «واشنطن بوست»، فتشير إلى رسومات لذخيرة ذات تصميم خاص، تحتوي على نحو 15 كيلوغراماً من الغاز إلى جانب كمية من المتفجرات، مع تعديلات لاحقة قيل إنها هدفت إلى زيادة تأثير الانفجار والشظايا.

إذا ثبتت صحة هذه المواد، فإنها تشير إلى انتقال الفكرة من مستوى النقاش إلى مستوى التصميم والتجربة.

من الورق إلى الصحراء

بحسب التسلسل الوارد في الوثائق، لم يتوقف الأمر عند الرسومات.

فقد بدأت، وفق «نيويورك تايمز»، عمليات تجميع نماذج أولية في يوليو 2024، ثم انتقلت التجارب إلى مرحلة الاختبار الميداني.

وفي 22 يوليو، تشير المواد إلى إقلاع طائرة شحن من طراز أنتونوف من مطار مروي، بهدف اختبار إحدى الذخائر.

وتتحدث الرسائل اللاحقة عن نجاح الاختبار وإصابة الهدف وإطلاق الغاز، فيما شدد أحد المسؤولين العسكريين، وفق الوثائق، على ضرورة الحفاظ على السرية.

وتقول «واشنطن بوست» إنها اطلعت على صور ومقاطع تظهر تجهيزات داخل طائرة أنتونوف، يمكن استخدامها لحمل الذخائر وإسقاطها من الجزء الخلفي للطائرة، إلى جانب مشاهد لاختبارات في مناطق صحراوية يظهر فيها بخار أو دخان أصفر.

لكن حتى هذه الصور لا تحسم وحدها طبيعة المادة المستخدمة.

فالخبراء الذين راجعوا المواد، بحسب الصحيفة، اعتبروا أن المشاهد يمكن أن تكون متوافقة مع استخدام الكلور، لكن تحديد المادة الكيميائية بصورة قاطعة يتطلب فحصاً ميدانياً وعينات وتحليلاً مختبرياً.

وهنا يظهر الفرق بين المؤشر والدليل.

الصورة يمكن أن تثير الشبهة، والوثيقة يمكن أن تعززها، لكن إثبات استخدام سلاح كيميائي يتطلب سلسلة أدلة متماسكة.

عندما يصبح السلاح خطراً على مستخدميه

تكشف الرسائل، وفق ما أوردته «نيويورك تايمز»، عن مشكلة أخرى واجهت المشروع: تسرب الغاز من بعض الذخائر.

وتتحدث مواد ضمن الملف عن حالات تسرب أدت إلى نفوق حشرات وعقارب داخل إحدى المنشآت، وهو ما يشير إلى أن عملية التصنيع والتخزين لم تكن خالية من المخاطر حتى بالنسبة إلى الأشخاص العاملين عليها.

وهذه النقطة تكشف جانباً مهماً من القضية.

فالأسلحة الكيميائية لا تمثل خطراً فقط على الطرف المستهدف، وإنما يمكن أن تتحول إلى تهديد للعاملين على تصنيعها ونقلها وتخزينها، خصوصاً عندما تتم العملية في ظروف غير مستقرة أو داخل منشآت لا تتوفر فيها إجراءات السلامة المناسبة.

وفي حالة السودان، تضيف الحرب نفسها طبقة أخرى من المخاطر، بسبب تعرض المنشآت العسكرية للقصف وتغير السيطرة على المناطق وصعوبة تأمين المخازن والمنشآت الحساسة.

من أين جاء الكلور؟

يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه في الواقع أحد أكثر أجزاء الملف تعقيداً.

فالكلور موجود بصورة طبيعية في منظومة الخدمات المدنية، وخصوصاً في محطات معالجة المياه.

وتشير الوثائق، بحسب «نيويورك تايمز»، إلى وصول شحنة من أسطوانات الكلور عبر الحدود المصرية في أغسطس 2024، مع تقديرات بأنها كانت تكفي لإنتاج عدد كبير من الذخائر.

لكن وجود شحنة كلور لا يعني وحده أنها كانت مخصصة للاستخدام العسكري.

وهنا تبرز نقطة أخرى أكثر حساسية: محطات معالجة المياه في أم درمان.

فالمحطات المدنية تحتاج بالفعل إلى كميات من الكلور للحفاظ على صلاحية مياه الشرب، خصوصاً خلال الحرب التي تسببت في انهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية.

وتشير منظمات إنسانية إلى استخدام الكلور في محطات مياه أم درمان ضمن عمليات تهدف إلى توفير مياه آمنة للسكان.

وهذا يجعل تحديد مصدر المادة والغرض الذي خصصت له مسألة أساسية في التحقيق.

فهل جرى تحويل مواد مخصصة للاستخدام المدني إلى برنامج عسكري؟

أم أن المواد العسكرية جاءت من مصادر منفصلة؟

أم أن بعض الوثائق خلطت بين مسارين مختلفين؟

الإجابة تحتاج إلى تتبع سلسلة التوريد، وفحص سجلات الاستيراد والنقل والتخزين، وليس الاكتفاء بالرسائل وحدها.

مروي.. من قاعدة جوية إلى مستودع محتمل

بين يوليو وأكتوبر 2024، تشير المواد التي راجعتها الصحيفتان إلى انتقال المشروع، بحسب الرواية الواردة فيها، من مرحلة التجارب إلى إنتاج أعداد أكبر من الذخائر.

وتتحدث «نيويورك تايمز» عن نحو 300 ذخيرة كيميائية، قالت إن معظمها خُزن في مطار مروي.

أما «واشنطن بوست» فتشير إلى وثائق ورسائل تتحدث عن تخزين ما يصل إلى 290 ذخيرة.

وتتضمن مواد أخرى، بحسب الصحيفة، معلومات عن استخدام أكثر من مئة ذخيرة.

وهنا تظهر قاعدة مروي باعتبارها واحدة من أهم النقاط التي تحتاج إلى تحقيق مستقل.

فإذا كانت مئات الذخائر قد خزنت فعلاً هناك، فإن الموقع يمثل مفتاحاً للتحقق من الرواية بأكملها: هل توجد بقايا ذخائر؟ هل توجد آثار كيميائية؟ هل هناك سجلات نقل أو تخزين؟ وهل يمكن تحديد الأشخاص الذين تعاملوا معها؟

هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال الوثائق المسربة وحدها.

مصفاة الجيلي.. هل خرج السلاح من مرحلة التجربة؟

أكثر أجزاء الملف حساسية يتعلق بالادعاءات حول استخدام الأسلحة الكيميائية فعلياً.

وتشير «نيويورك تايمز» إلى رسالة منسوبة إلى مسؤول في المشروع تتحدث عن هجوم على قوات الدعم السريع في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، مستخدمة تعبيراً يفهم منه إطلاق الغاز على القوات الموجودة هناك.

وكانت قوات الدعم السريع قد اتهمت الجيش في سبتمبر 2024 باستخدام مواد سامة خلال القتال حول المصفاة.

كما ظهرت صور لأشخاص داخل المنشأة وهم يستخدمون أقنعة وأجهزة أكسجين.

وتقول «واشنطن بوست» إن التقييمات الأميركية ربطت الاشتباه في استخدام الكلور بمواقع، من بينها مصفاة الجيلي وقاعدة قري العسكرية.

لكن وجود ادعاء من طرف في الحرب، أو ظهور أشخاص يستخدمون معدات تنفس، لا يكفي وحده لإثبات وقوع هجوم كيميائي.

فمثل هذه المعدات يمكن استخدامها لأسباب متعددة، كما أن أعراض الاختناق أو التعرض للغازات قد تنتج عن مصادر مختلفة.

ولهذا تبقى العينات الميدانية وشهادات الضحايا والسجلات الطبية وتحليل بقايا الذخائر والتربة والمواد الموجودة في موقع الهجوم عناصر حاسمة في الوصول إلى نتيجة نهائية.

من الاتهام إلى العقوبات الأميركية

قبل ظهور هذه المجموعة الجديدة من الوثائق، كانت الولايات المتحدة قد اتخذت بالفعل موقفاً رسمياً من القضية.

ففي أبريل 2025، خلصت الإدارة الأميركية إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، قبل أن تترتب على ذلك إجراءات وقيود وعقوبات مرتبطة بالتشريع الأميركي الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

وفي عام 2026، أعلنت واشنطن إجراءات إضافية، قائلة إن السودان لم يستوف الشروط اللازمة لإنهاء تلك التدابير.

لكن الأدلة التفصيلية التي استند إليها التقييم الأميركي لم تكن كلها متاحة للرأي العام، ما جعل الجزء الأكبر من القضية قائماً على تقييمات استخباراتية لا يستطيع الجمهور اختبارها بصورة مستقلة.

وهنا تأتي أهمية الوثائق الجديدة.

فهي لا تبدأ القضية من الصفر، لكنها تقدم، إذا ثبتت صحتها، مواد يمكن أن تسمح بإعادة فحص التسلسل الكامل: من الفكرة إلى التصميم، ومن التصميم إلى الاختبار، ومن الاختبار إلى الإنتاج، ثم التخزين، وربما الاستخدام.

ماذا كان يعرف البرهان؟

الجزء الأكثر حساسية سياسياً يتعلق بالقيادة العليا للجيش السوداني.

فبحسب «نيويورك تايمز»، تتضمن الوثائق رسائل وتسجيلات تشير إلى معرفة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالمشروع المزعوم.

وتورد «واشنطن بوست» أيضاً مواد قالت إنها تربط التواصل حول البرنامج بمسؤولين سودانيين كبار.

لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى أعلى درجات التدقيق.

فإثبات وجود تواصل لا يعني بالضرورة إثبات معرفة كاملة بطبيعة البرنامج أو إصدار أوامر باستخدام السلاح.

كما أن إثبات أن صوتاً في تسجيل يعود إلى مسؤول بعينه يحتاج إلى تحقق تقني موثوق، خصوصاً عندما تكون جودة التسجيل ضعيفة.

وبحسب ما أوردته الصحيفتان، فإن خبراء في الأدلة الرقمية لم يجدوا مؤشرات واضحة على التلاعب ببعض التسجيلات، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات هوية المتحدث بصورة قطعية.

أما ما يتعلق بتعليمات لاحقة لإزالة آثار البرنامج أو نقل الأسلحة، فهو بدوره يحتاج إلى مطابقة الوثائق مع وقائع ميدانية مستقلة قبل تحويله إلى دليل نهائي على المسؤولية.

التحقيق أهم من الرواية

في نهاية المطاف، فإن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط احتمال وجود أسلحة كيميائية في السودان، وإنما احتمال وجود سلسلة متكاملة من النشاط: تصميم، وتصنيع، واختبار، وتخزين، وربما استخدام.

لكن إثبات هذه السلسلة يحتاج إلى أكثر من وثائق مسربة.

يحتاج إلى الوصول إلى المواقع التي وردت أسماؤها في الملف، وفحص ما تبقى من الذخائر، وتحليل عينات التربة والمواد، ومراجعة سجلات النقل والتخزين، والاستماع إلى العاملين والشهود، ومقارنة الروايات مع صور الأقمار الصناعية وسجلات الرحلات والاتصالات.

ويحتاج قبل كل شيء إلى تحقيق مستقل لا يخضع لأي طرف من أطراف الحرب.

فإذا كانت الاتهامات صحيحة، فإن السودان سيكون أمام واحدة من أخطر مراحل الحرب منذ اندلاعها، لأن القضية لن تتعلق فقط بانتهاك قواعد الحرب، بل بوجود قدرات يمكن أن تترك آثاراً تتجاوز ساحة القتال.

وإذا كانت الاتهامات مبالغاً فيها أو خاطئة، فإن الطريق الوحيد لإسقاطها ليس البيانات السياسية، وإنما الدليل العلمي.

ففي قضايا الأسلحة الكيميائية، لا تكفي الوثيقة وحدها، ولا تكفي الصورة، ولا التسجيل، ولا رواية طرف في الحرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى