ملفات

الجيش يتقدم في المزروب.. والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان


أعلن الجيش السوداني سيطرته على منطقة المزروب بولاية شمال كردفان، في تطور ميداني يعكس أهمية هذه المنطقة في حسابات العمليات العسكرية الجارية في البلاد. وبينما تقدم القيادة العسكرية هذه التطورات باعتبارها مكاسب على الأرض. يظل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أكبر متعلقاً بمصير المدنيين، وبالأوضاع الإنسانية والأمنية التي يعيشها السودانيون في ظل الحرب، وبمسؤولية قيادة عبد الفتاح البرهان عن حماية المواطنين وضمان حقوقهم وحرياتهم. فالتقدم العسكري، مهما كانت أهميته الاستراتيجية، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الأمن الحقيقي، ولا يمكن أن يُقاس نجاح أي سلطة بعدد المناطق التي تسيطر عليها فقط. بينما يعيش السكان تحت ضغط الخوف والفقر والنزوح وانعدام الخدمات الأساسية.

إن الإعلان عن السيطرة على المزروب يفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة الأهداف التي تسعى القيادة العسكرية إلى تحقيقها، ومدى انعكاس التحركات الميدانية على حياة المواطنين. ففي الوقت الذي تنشغل فيه البيانات العسكرية بتحديد المواقع المستعادة وأهمية الطرق والمحاور، يبحث المواطن السوداني عن إجابات لأسئلة أكثر إلحاحاً: هل ستعود الخدمات إلى المناطق المتضررة؟ هل سيتمكن النازحون من الرجوع إلى منازلهم بأمان؟. هل ستتوفر المواد الغذائية والأدوية؟ وهل يستطيع المواطن التعبير عن رأيه وانتقاد أداء السلطات دون أن يخشى الاعتقال أو المضايقة؟. هذه الأسئلة ليست هامشية، بل تمثل جوهر الأزمة التي يعيشها السودان، لأن الدولة لا تُقاس بقوة أجهزتها العسكرية وحدها. وإنما بقدرتها على حماية الناس وصيانة كرامتهم وضمان حقوقهم الأساسية.

تقدم عسكري لا ينهي معاناة المدنيين

تكتسب منطقة المزروب أهمية في المشهد الميداني بشمال كردفان، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والجغرافية مع المصالح الاقتصادية وطرق الحركة والإمداد. ولذلك، فإن أي تغيير في السيطرة على المنطقة يمكن أن يؤثر في حسابات الأطراف المتحاربة وفي حركة السكان والتجارة والخدمات. لكن التجارب التي عاشها السودانيون منذ اندلاع الحرب أثبتت أن السيطرة العسكرية على منطقة ما لا تعني بالضرورة عودة الحياة الطبيعية إليها. كما أن انتهاء المعارك في موقع معين لا يضمن تلقائياً شعور السكان بالأمان.

فكثير من المناطق السودانية عاشت فترات من القتال والتدمير والنزوح. ثم واجهت بعد انحسار المواجهات تحديات لا تقل قسوة عن المعارك نفسها. فقد تضررت المنازل والأسواق، وتعطلت المؤسسات الصحية والتعليمية، وتراجعت فرص العمل، وازدادت صعوبة الحصول على الغذاء والمياه النظيفة. وفي بعض المناطق، أصبح الوصول إلى الخدمات الأساسية مرتبطاً بقدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والأسعار المرتفعة، في وقت فقد فيه كثيرون مصادر دخلهم ومدخراتهم.

ومن هنا، فإن الحديث عن المزروب يجب ألا يقتصر على نتائج العملية العسكرية. بل ينبغي أن يتناول أيضاً ما ينتظر السكان بعد تغير الوضع الميداني. فهل توجد خطة واضحة لتأمين المدنيين؟ وهل ستُتاح المساعدات الإنسانية لمن يحتاج إليها دون تمييز؟ وهل ستتم حماية الممتلكات الخاصة ومنع أعمال الانتقام والتجاوزات؟ وهل ستخضع أي انتهاكات، أياً كان مرتكبوها. لتحقيقات مستقلة وشفافة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان التقدم الميداني سيفتح نافذة للاستقرار. أم أنه سيظل مجرد تطور عسكري لا يغير كثيراً من واقع المواطنين.

البرهان ومسؤولية حماية الحقوق والحريات

في هذا السياق، تبرز مسؤولية عبد الفتاح البرهان بصفته قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عن السياسات التي تتبعها السلطات في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وهذه المسؤولية لا تتعلق بالقرارات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى طريقة إدارة المؤسسات الأمنية، وضمان احترام القانون. ومحاسبة المتجاوزين، وحماية المواطنين من الاعتقال التعسفي والتضييق على الحريات.

إن حماية الأمن الوطني لا تعني منح الأجهزة الأمنية سلطة غير محدودة. كما أن وجود الحرب لا يلغي حق المواطن في المحاكمة العادلة أو حرية التعبير أو الحماية من التعذيب وسوء المعاملة. بل إن الأوضاع الاستثنائية تفرض على السلطات مسؤولية أكبر في ضمان عدم استغلال الظروف الأمنية لتصفية الحسابات أو استهداف المعارضين أو معاقبة الأفراد بسبب آرائهم أو انتماءاتهم الاجتماعية والجغرافية.

وقد وثقت منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، انتهاكات منسوبة إلى قوات من الجيش وأجهزة أمنية مرتبطة به. شملت الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي في سياق الحرب. وتستدعي هذه التقارير التحقيق في كل حالة على حدة، وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة، وضمان محاسبة من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب انتهاكات. ولا يصح تعميم الاتهامات على جميع أفراد المؤسسة العسكرية، كما لا يصح تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها أمراً ثانوياً لا يستحق المساءلة.

إن المشكلة الأساسية تبدأ عندما يتحول الاشتباه الأمني إلى أساس للعقوبة، وعندما يُعامل المواطن باعتباره مذنباً حتى قبل التحقيق معه، أو يصبح التعبير عن الرأي سبباً للتخويف والملاحقة. ففي مثل هذه الظروف، لا تتضرر حرية الفرد وحده، بل تتراجع ثقة المجتمع في المؤسسات. ويخشى الناس الإبلاغ عن التجاوزات أو المطالبة بحقوقهم، وتتقلص المساحة المتاحة للعمل المدني والإنساني.

وإذا كانت القيادة العسكرية تؤكد أن هدفها حماية السودان، فإن حماية السودانيين يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذا الهدف. فلا يمكن بناء استقرار دائم على الخوف. ولا يمكن استعادة ثقة المجتمع عن طريق إسكات الأصوات المنتقدة، ولا يمكن تحقيق وحدة وطنية حقيقية إذا شعر المواطنون .بأن حقوقهم تختلف باختلاف مواقفهم السياسية أو المناطق التي ينحدرون منها.

القمع يزيد الأزمة تعقيداً

تتضاعف خطورة أي انتهاكات عندما تتزامن مع الحرب وانهيار الاقتصاد وتراجع الخدمات. فالمواطن الذي فقد منزله أو عمله أو أحد أفراد أسرته يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حمايته وتقديم المساعدة له، لا إلى أعباء إضافية تزيد شعوره بالعجز. والنازح الذي يعود إلى منطقته يحتاج إلى ضمانات قانونية وأمنية. حتى لا يجد نفسه أمام تهديدات جديدة أو قيود تحول دون استعادة حياته.

كما أن الصحفيين والنشطاء والمتطوعين والعاملين في المجال الإنساني يؤدون أدواراً ضرورية في توثيق الاحتياجات ونقل المعلومات وتقديم الدعم للمجتمعات المتضررة. وعندما يتعرض هؤلاء للترهيب أو الاحتجاز التعسفي، فإن الأضرار لا تتوقف عندهم، بل قد تمتد إلى الأشخاص الذين يعتمدون على جهودهم. فغياب المعلومات المستقلة يجعل من الصعب معرفة حجم الاحتياجات الإنسانية. ويضعف قدرة الجهات المعنية على توجيه المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً.

إن مواجهة الانتهاكات لا ينبغي أن تكون مجرد استجابة مؤقتة للضغوط الخارجية أو الإعلامية، بل يجب أن تتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة. ويشمل ذلك الإعلان عن أماكن الاحتجاز وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وضمان الرقابة القضائية على قرارات التوقيف. والتحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات عادلة وشفافة.

كما أن السلطات مطالبة بتهيئة بيئة تسمح للمنظمات الحقوقية والإنسانية بالعمل بصورة مستقلة. وتوفر للصحفيين القدرة على نقل الوقائع دون تهديد أو انتقام. فالدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى التحقيق في الشكاوى. ولا تعتبر كل انتقاد مؤامرة، بل تتعامل مع المعلومات الموثوقة باعتبارها وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها وحماية المواطنين.

المدنيون بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات

لا يمكن فهم الأزمة السودانية من خلال خريطة السيطرة العسكرية وحدها. فخلف خطوط المواجهة توجد أسر تكافح لتوفير وجبة يومية، وأطفال انقطعت عنهم الدراسة، ومرضى يعجزون عن الوصول إلى المستشفيات، وأشخاص فقدوا وثائقهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم. وتزداد هذه المعاناة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية ونقص فرص العمل.

ويمثل الأمن الغذائي أحد أخطر التحديات التي تواجه المدنيين. فالحرب تعطل الإنتاج الزراعي وحركة الأسواق والنقل، وتحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، كما تجعل نقل السلع إلى المناطق المتضررة أكثر صعوبة وتكلفة. وعندما تتزامن هذه العوامل مع الجفاف وضعف الأمطار ونقص التمويل الإنساني، تصبح الأسر الأكثر فقراً عرضة لمخاطر أكبر. خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.

أما القطاع الصحي، فيواجه تحديات تتمثل في نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتعطل بعض المرافق وصعوبة وصول العاملين الصحيين إلى مواقع الاحتياج. وفي مثل هذه الظروف. قد تتحول أمراض قابلة للعلاج إلى مخاطر تهدد الحياة، بسبب تأخر الوصول إلى المستشفى أو عدم توفر العلاج المناسب. ولا ينبغي أن يكون الحصول على الدواء أو الغذاء مرتبطاً بموقف سياسي أو منطقة جغرافية أو قدرة الشخص على دفع تكاليف باهظة.

ومن هنا، فإن أي خطة لإدارة المناطق التي يسيطر عليها الجيش يجب أن تضع المدنيين في مقدمة الأولويات، عبر تأمين الأسواق والطرق، وإعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية. وحماية العاملين في الخدمات الأساسية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. كما يجب ضمان ألا يتعرض السكان للتمييز أو الانتقام بسبب ظروف عاشوها خلال الحرب أو بسبب الاشتباه غير المثبت في علاقاتهم بأطراف النزاع.

ولا يمكن إلقاء مسؤولية الأزمة الإنسانية كلها على جهة واحدة دون فحص الوقائع والظروف المختلفة في كل منطقة. لكن هذا لا يعفي السلطات التي تدير المناطق الواقعة تحت سيطرتها من التزاماتها تجاه السكان، ولا يبرر التقاعس عن توفير الحماية .والخدمات أو التغاضي عن الانتهاكات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها.

ما الذي يعنيه الانتصار بالنسبة إلى المواطن؟

السؤال الذي ينبغي أن يرافق إعلان السيطرة على المزروب ليس فقط مدى أهمية المنطقة في الحسابات العسكرية، بل ما الذي سيحصل عليه سكانها من هذا التطور. فإذا عاد الأمن إلى الطرق والأسواق، واستطاع المزارعون الوصول إلى أراضيهم، وعادت المدارس إلى استقبال الأطفال. وتوفرت الأدوية والمياه والغذاء، فسيكون للتغيير الميداني أثر ملموس في حياة المجتمع.

أما إذا استمرت المخاوف الأمنية، وتعطلت الخدمات، وواجه السكان قيوداً على الحركة والعمل والتعبير عن الرأي، فإن المكسب العسكري سيظل محدود الأثر بالنسبة إلى حياتهم اليومية. فالسيطرة على الأرض تمنح السلطة مسؤولية مباشرة عن إدارة شؤون السكان. ولا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لتقييد حقوقهم أو فرض إجراءات استثنائية بلا رقابة.

إن استعادة ثقة المواطنين تتطلب خطوات عملية، تبدأ بإعلان الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون، وتوفير آليات مستقلة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، وضمان الوصول الإنساني دون تمييز، وإطلاق مراجعة جدية لملفات الاحتجاز والانتهاكات الموثقة. كما تتطلب إشراك الإدارات المحلية والهيئات المدنية والمجتمعات المتضررة في تحديد الأولويات، بدلاً من الاكتفاء بقرارات مركزية لا تعكس دائماً احتياجات السكان الفعلية.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي النظر إلى الرقابة المستقلة أو النقد الصحفي باعتبارهما تهديداً للأمن. بل باعتبارهما عنصرين ضروريين لكشف الخلل ومنع تكرار الأخطاء. فالمؤسسات التي تخضع للمساءلة تصبح أكثر قدرة على تصحيح ممارساتها. بينما يؤدي غياب الرقابة إلى اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويجعل الانتهاكات أكثر صعوبة في الكشف والمعالجة.

مستقبل السودان لا يُحسم بالسلاح وحده

تكشف التطورات العسكرية في شمال كردفان عن استمرار أهمية الميدان في تحديد مسار الحرب، لكنها تكشف أيضاً حدود المقاربة التي تجعل السيطرة الجغرافية المعيار الأساسي للنجاح. فالسودان يحتاج إلى أكثر من تحركات عسكرية. يحتاج إلى مسار يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضمن استقلال القضاء، ويحمي الحريات، ويضع حداً للإفلات من العقاب، ويهيئ الظروف لعودة النازحين وإعادة الإعمار.

وتتحمل قيادة البرهان مسؤولية مهمة في هذا المسار، خصوصاً فيما يتعلق بأداء المؤسسات الواقعة تحت سلطتها، وبضمان ألا تصبح الضرورات الأمنية مبرراً لتجاوز القانون. وهذه المسؤولية لا تنتقص من التضحيات التي يقدمها العسكريون، بل تؤكد أن قوة المؤسسة الوطنية لا تقاس بقدرتها على القتال وحدها. وإنما أيضاً بانضباطها واحترامها للقانون وحمايتها للمواطنين.

كما أن وقف الحرب ومعالجة آثارها يتطلبان جهوداً سياسية وإنسانية ومجتمعية واسعة. لأن استمرار المواجهات يفاقم النزوح ويستنزف الموارد ويقوض فرص التعافي الاقتصادي. ولا يمكن تحقيق سلام مستدام إذا بقيت أسباب الخوف والتمييز وانعدام الثقة قائمة، أو إذا شعر المدنيون بأنهم مجرد ضحايا لا صوت لهم في تحديد مستقبل بلادهم.

إن المزروب، مثل غيرها من المناطق السودانية التي شهدت تغيرات ميدانية، يجب أن تكون نقطة انطلاق لاختبار قدرة السلطات على تحويل السيطرة العسكرية إلى حماية فعلية للسكان. فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما يستطيع المواطن العودة إلى منزله دون خوف، وإرسال أطفاله إلى المدرسة، والحصول على العلاج، والعمل بحرية، وانتقاد المسؤولين دون أن يخشى الانتقام.

 تقدم الجيش في المزروب قد يمثل تطوراً عسكرياً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحسن الأوضاع في السودان. فالمعيار الأهم هو ما إذا كان هذا التطور سيؤدي إلى حماية المدنيين، وتوفير الخدمات. واحترام الحريات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. أما مسؤولية البرهان، فلا ينبغي أن تُقاس فقط بما تعلنه القيادة من مكاسب ميدانية. بل أيضاً بمدى قدرتها على ضمان أن يعيش السودانيون بأمان وكرامة وحقوق متساوية. فالدولة لا تنتصر عندما تتغير خطوط السيطرة فقط، بل عندما يتوقف المواطن عن الخوف، ويستعيد حقه في الحياة والحرية والمستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى