كيماوي الجيش السوداني يصل إلى داكار.. ضغط إفريقي يحاصر البرهان ومطالب بفتح المنشآت المشتبه بها
داكار تضع بورتسودان أمام اختبار دولي.. ومنظمات حقوقية تطالب بتحقيق مستقل لا يكفي لنفيه الخطاب السياسي
لم يعد ملف الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية محصوراً في دائرة السجال السياسي والإعلامي، بعدما انتقل إلى واجهة التحركات الحقوقية الإفريقية من العاصمة السنغالية داكار، حيث اختتم منتدى المنظمات غير الحكومية أعماله بتوصيات تدعو السلطات القائمة في بورتسودان إلى السماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإيفاد فرق فنية إلى السودان، وفحص المنشآت المشتبه بها، والكشف عن أي ذخائر أو مرافق قد تكون مرتبطة ببرنامج كيميائي محتمل. ويمنح هذا التطور القضية بعداً جديداً، إذ يضعها أمام مؤسسات حقوقية قارية تسعى إلى تحويل الاتهامات إلى مسار للتحقيق والمساءلة.
وجاءت التوصيات في ختام اجتماعات المنتدى التي انعقدت بين 8 و10 أكتوبر، بمشاركة نحو 400 ممثل عن منظمات ومؤسسات حقوقية من 37 دولة إفريقية، إلى جانب مشاركين دوليين. ورفع المنتدى مخرجاته إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالتزامن مع استعدادها لعقد الجزء العلني من دورتها العادية التاسعة والثمانين في داكار، وهي خطوة قد تفتح المجال أمام انتقال المطالب الحقوقية إلى مستوى أكثر رسمية داخل المنظومة الإفريقية.
وتكمن أهمية هذا التحرك في أنه لا يكتفي بتكرار الاتهامات أو المطالبة بإدانة سياسية للجيش السوداني، بل يركز على إجراءات عملية يمكن أن تساعد في تحديد الحقيقة. فالسماح للخبراء المختصين بالوصول إلى المواقع ذات الصلة، وفحص السجلات والذخائر، والتحقق من طبيعة المنشآت المشتبه بها، يمثل المسار الفني الذي يمكن من خلاله إثبات الاتهامات أو نفيها. ومن هنا، تتجاوز القضية حدود التصريحات المتبادلة، لتصبح اختباراً لمدى استعداد السلطات السودانية للتعاون مع آليات الرقابة الدولية.
من النفي السياسي إلى الاختبار الفني
طالب المنتدى السودان بالتعاون الكامل مع الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ومع آليات تقصي الحقائق الإقليمية والدولية، والسماح بإجراء تحقيق شامل ومستقل وشفاف وفي الوقت المناسب. كما دعا إلى الإعلان عن أي مرافق مرتبطة بإنتاج الأسلحة الكيميائية والكشف عن مواقع الذخائر ذات الصلة، وتمكين المنظمة المختصة من التحقق منها والإشراف على تدميرها إذا ثبت وجودها، وفقاً لأحكام الاتفاقية.
وتضع هذه المطالب قيادة الجيش، بقيادة عبد الفتاح البرهان، أمام معادلة سياسية وقانونية معقدة. فاستمرار النفي، في حال عدم اقترانه بتعاون فني يسمح بفحص الادعاءات، لن يكون كافياً لإغلاق الملف أو إنهاء الجدل المتصاعد بشأنه. وفي المقابل، فإن فتح المجال أمام تحقيق مستقل من شأنه أن يوفر أساساً أكثر موثوقية لتقييم الاتهامات، بعيداً عن الحسابات السياسية التي تحيط بالحرب السودانية.
ولا يعني صدور توصيات المنتدى أن استخدام الأسلحة الكيميائية قد ثبت بصورة نهائية، لكنه يشير إلى أن منظمات حقوقية إفريقية باتت تعتبر الملف جديراً بتحقيق جاد، وتطالب بتوفير الشروط اللازمة للوصول إلى الحقيقة. وهذه نقطة جوهرية في مسار القضية، لأن خطورة الاتهام تفرض التعامل معه بأدلة فنية موثقة، لا بالاكتفاء بالمواقف المؤيدة أو الرافضة.
ملف يتجاوز حدود السودان
لا ينفصل التحرك الإفريقي عن السياق الأوسع للحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي خلفت أزمة إنسانية واسعة، وفق المعطيات التي استند إليها المنتدى. فقد تناولت التوصيات النزوح الجماعي، واتساع رقعة الجوع، وتعطل التعليم، وتدمير المرافق الصحية، إلى جانب اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين، شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والعنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع الإثنية.
ومن خلال وضع ملف الأسلحة الكيميائية ضمن هذا السياق، يعكس المنتدى مخاوف من أن يؤدي غياب الرقابة المستقلة إلى تعميق أزمة المساءلة في السودان. كما أن المطالبة بوقف إطلاق النار تحت مراقبة دولية، وتأمين الممرات الإنسانية، ووقف التدخلات الخارجية الداعمة للأطراف المتحاربة، تكشف عن مقاربة تربط بين التحقيق في الانتهاكات والحد من العوامل التي تسمح باستمرار الحرب.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في ظل صعوبة بناء الثقة بين أطراف النزاع، وتكرار تعثر الهدن، واستمرار المخاوف بشأن سلامة المدنيين. فالمساءلة لا تتعلق فقط بتحديد المسؤولية عن انتهاك بعينه، بل أيضاً بمنع تكرار الانتهاكات وتوفير ضمانات تحول دون استخدام الأسلحة المحظورة أو استهداف المناطق المدنية.
داكار ترسم مسار المواجهة المقبلة
يبقى الاختبار الأهم مرتبطاً بمدى استجابة اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لتوصيات المنتدى، وما إذا كانت ستتبنى مطالب محددة بشأن التحقيق في الاتهامات الكيميائية، وفتح المنشآت المشتبه بها، وإنشاء آليات لمراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة الانتهاكات.
وإذا انتقلت هذه المطالب إلى قرار إفريقي رسمي، فقد يكتسب الملف زخماً إضافياً في المحافل الحقوقية والدبلوماسية، بما يزيد الضغط على السلطات السودانية للتعامل معه بشفافية. أما إذا بقيت التوصيات في إطار المناشدة، فستظل القضية رهينة تطورات التحقيقات ومواقف الأطراف المعنية.
في المحصلة، يمثل تحرك داكار محطة جديدة في مسار الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية في السودان. فالقضية لم تعد مجرد مواجهة بين روايات سياسية متعارضة، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة المؤسسات الإفريقية والدولية على فرض مسار مستقل للتحقق والمساءلة. وبين النفي والاتهام، تظل الأدلة الفنية وحرية الوصول إلى المواقع المشتبه بها العامل الحاسم في تحديد الحقيقة.




