جنيف تبحث عن مخرج للحرب السودانية.. والبرهان أمام اختبار التسوية السياسية
تعرقل بورتسودان والقوى المرتبطة بتنظيم الإخوان في السودان مساعي إنهاء الحرب في البلاد، وتتحمل مسؤولية تعطيل وإجهاض مبادرات سابقة، بينها منبرا جدة واتفاقية المنامة ومبادرتا دول الجوار والرباعية، في ظل غياب الإرادة السياسية وتغليب خيار الحسم العسكري على التسوية، بحسب خبراء.
ويرى خبراء أن تعدد المبادرات الدولية والإقليمية وتضارب مصالح الوسطاء أسهما في تعقيد الأزمة، معتبرين أن توحيد جنيف لجهود الوساطة الدولية في مسار واحد، مع فرض ضغوط وضمانات فعّالة على بورتسودان وفريقه “الإخواني”، يمثل مدخلًا أكثر جدية لإنهاء الحرب، مشيرين إلى أن اجتماع جنيف يشكل فرصة لإعادة تنسيق الجهود بدلًا من إطلاق مبادرات جديدة.
في ظل هذه التطورات، يبقى المسار السياسي مرهونًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على إجبار بورتسودان على قبول التسوية والالتزام بتنفيذها بكل الوسائل الممكنة، بعيدًا عن حسابات منطق السلطة والسلاح.
بقاء البرهان
في هذا السياق، قال رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي والقيادي في التحالف المدني لقوى الثورة “صمود”، مصباح أحمد محمد، إن المبادرات الدولية لإنهاء الحرب في السودان تصطدم دائمًا بتعنت سلطة الأمر الواقع، التي تشترط بقاء عبد الفتاح البرهان شخصيًا في السلطة، في نهج قائم على المناورة والهروب من استحقاق السلام.
وأضاف محمد أن الجهود الدولية افتقرت إلى آليات ضغط كافية، فرغم العقوبات المفروضة، تواصل قوات بورتسودان السيطرة على موارد البلاد، مدعومة بنظام الحركة الإسلامية الذي يغذي استمرار الحرب لحماية مصالحه.
وأكد محمد أنه رغم تزايد جدية المجتمع الدولي إزاء الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، تظل المبادرات الحالية بحاجة ماسة إلى تفكيك بنية النظام البائد المغذي للحرب، ونزع الشرعية المتوهمة عن معرقلي النزاع، وممارسة ضغوط فاعلة وحرمانهم من الموارد وتدفق السلاح، لإجبارهم على العودة إلى طاولة التفاوض.
وأكد أن تصاعد دور القوى المدنية في توحيد الصف وبناء البديل الديمقراطي يبقى ذا أهمية بالغة، وقد جسدت لقاءاتها الدبلوماسية الأخيرة والجهود الحثيثة التي تضطلع بها، لا سيما نجاح الاجتماع التشاوري الأخير مع الآلية الخماسية وتقديمها رؤية واضحة لتصميم العملية السياسية، خطوة موفقة تحتاج إلى تنسيق مع بقية المكونات المدنية لتحقيق التوافق المنشود.
وأشار إلى أن فرصة إنهاء الحرب قائمة، لكنها تتطلب آليات رادعة ضد المستثمرين في الصراع، وتفكيك شبكات التطرف، وإفساح المجال كاملًا أمام رؤى السودانيين وقواهم الحيّة لتقرير مصير بلادهم، بعيدًا عن منطق سلطة السلاح.
تعدد المبادرات
من جانبه، قال المحلل السياسي عثمان عبدالرحمن سليمان إن تعدد المبادرات أضر كثيرًا بمسار التسوية السياسية في السودان، كما أسهم تضارب أجندات الوسطاء والميسرين وأهدافهم ومصالحهم في تعقيد جهود الوصول إلى حل، رغم إمكانية التوافق على مسودة سياسية مشتركة.
وأكد سليمان أن المعضلة الأساسية تتمثل في موقف سلطة بورتسودان، بما في ذلك القوى المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين، التي تتحمل مسؤولية مباشرة عن تعطيل وإجهاض منبري جدة 1 و2، واتفاقية المنامة، ومبادرة دول جوار السودان، ومبادرة الرباعية.
واعتبر أن المشكلة لم تكن بالضرورة في غياب المبادرات أو تقاعس الوسطاء، بقدر ما ارتبطت بغياب الإرادة السياسية لدى سلطة بورتسودان، فضلًا عن تضارب المصالح والتوجهات التي قد تدفع بعض الوسطاء إلى التقارب مع أحد أطراف النزاع بعيدًا عن الإطار الجماعي للعملية السياسية.
وأشار إلى أن اجتماع جنيف يمثل، من هذا المنطلق، فرصة لإعادة ترتيب جهود الوساطة، شريطة أن يتجه نحو توحيد المبادرات وتنسيق أدوار الوسطاء ضمن مسار سياسي واحد، لا إلى إطلاق مبادرة جديدة أو مجرد استبدال الوسطاء بآخرين، فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المنابر بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية جادة، وآلية موحدة، وضمانات فعّالة تُلزم الأطراف بتنفيذ ما يتم التوصل إليه من تفاهمات واتفاقات.




