الغلاء يخنق السودانيين.. وسياسات البرهان تعمّق معاناة المواطنين
لم تعد الأزمة السودانية تُقاس فقط بما خلّفته الحرب من دمار وخراب ونزوح، بل أصبحت تُقاس أيضًا بما يواجهه المواطن كل يوم داخل الأسواق، وبما تبقى في جيبه بعد شراء الاحتياجات الأساسية، وبقدرته على توفير وجبة لعائلته أو دواء لمريض أو مصاريف تعليم لأطفاله. فبينما تتحدث الحكومات والمؤسسات الدولية عن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة واضطراب التجارة العالمية، يعيش السودانيون أزمة أكثر قسوة، لأن ارتفاع الأسعار يأتي في بلد أنهكته الحرب، وتضررت فيه مصادر الإنتاج، وتراجعت فيه فرص العمل، وأصبحت فيه القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة تحديًا يوميًا لملايين الأسر.
-
اقتصاد تحت النار.. الحرب توسّع دائرة الغلاء في السودان
-
شمال دارفور تحت وطأة الغلاء.. كم بلغ سعر جوال السكر؟
في السودان، لا يمثل الغلاء مجرد ارتفاع عابر في أسعار السلع، بل يعكس أزمة أوسع تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع القرارات السياسية والعسكرية، وتتراكم فيها آثار تراجع الإنتاج واضطراب الأسواق وضعف الخدمات وانعدام الاستقرار. فحين يفقد المواطن دخله أو تتوقف تجارته أو تتعطل المؤسسة التي يعمل فيها، يصبح ارتفاع سعر الخبز أو الزيت أو الدواء ضربة مباشرة لقدرته على البقاء. وحين تتراجع قيمة ما يحصل عليه من أموال أمام تكاليف الحياة، يجد نفسه مضطرًا إلى التخلي عن احتياجات أساسية، حتى وإن كان يعمل لساعات طويلة أو يعتمد على مساعدة الأقارب.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن إدارة الأزمة الاقتصادية، وفي مقدمتها مسؤولية عبد الفتاح البرهان، الذي يقود المؤسسة العسكرية ويتولى رئاسة مجلس السيادة الانتقالي. فالحرب قد تفسر جانبًا كبيرًا من الانهيار، لكنها لا تلغي ضرورة مساءلة السياسات المتبعة، ولا تعفي القيادة من واجب حماية المواطنين وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالمواطن السوداني لا يحتاج إلى تبريرات متكررة بقدر ما يحتاج إلى إجراءات ملموسة تحد من الغلاء، وتحمي مصادر رزقه، وتعيد الخدمات، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي الظروف التي جعلت الاقتصاد عاجزًا عن تلبية احتياجات المجتمع.
-
من الحقول إلى الهجرة.. العطش والديون والغلاء يضربون مزارعي السودان
-
الغلاء وتفشي الأوبئة.. فساد البرهان يحاصر السودان
الأسعار ترتفع.. والدخل لا يكفي
أخطر ما في التضخم أنه لا يؤثر على الجميع بالطريقة نفسها. فصاحب الدخل المرتفع قد يستطيع تعديل نفقاته أو الاعتماد على مدخراته، بينما يجد العامل البسيط والموظف محدود الدخل والأسرة التي فقدت مصدر رزقها أنفسهم أمام خيارات قاسية. وعندما ترتفع أسعار الغذاء والنقل والدواء والسكن، يصبح الراتب الذي كان يكفي بالكاد لتغطية الاحتياجات الأساسية أقل قدرة على تلبية الضروريات. وقد تضطر الأسرة إلى تقليل عدد الوجبات، أو تأجيل شراء الأدوية، أو إخراج طفل من المدرسة، أو الاستدانة من الأقارب والجيران لتجاوز نهاية الشهر.
وتزداد هذه المأساة حدة في السودان بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها الاقتصاد. فتعطل الأنشطة التجارية والإنتاجية في مناطق متضررة من القتال، واضطراب حركة النقل والإمداد، وصعوبة وصول بعض السلع إلى الأسواق، كلها عوامل يمكن أن تزيد التكاليف وتؤدي إلى تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى. كما أن النزوح يضع الأسر أمام مصاريف جديدة لم تكن تتحملها من قبل، مثل استئجار مكان للإقامة وشراء مستلزمات أساسية من أسواق لا تعرفها، في الوقت الذي تكون فيه مدخراتها قد استُنزفت أو فقدت مصدر دخلها.
-
هجمات المسيّرات تضرب الكهرباء والأسواق والمساكن في السودان.. والمدنيون يدفعون الثمن
-
السودان يكشف عجز المجتمع الدولي.. والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان
ولا ينبغي النظر إلى هذه المعاناة باعتبارها مسألة حسابية تتعلق بمؤشرات التضخم وحدها. فخلف كل زيادة في الأسعار توجد أسرة تعيد ترتيب حياتها، وطفل قد لا يحصل على غذاء كافٍ، ومريض يؤجل علاجه، وشاب يتخلى عن حلم مواصلة دراسته لأن أسرته لم تعد قادرة على دفع التكاليف. وعندما تتكرر هذه الحالات على نطاق واسع، يتحول الغلاء من مشكلة اقتصادية إلى أزمة اجتماعية تهدد التماسك المجتمعي وتضعف قدرة الناس على الصمود.
ومن هنا، فإن أي حديث عن إدارة الاقتصاد السوداني يجب أن يبدأ من سؤال بسيط: كيف يمكن حماية قدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم الأساسية؟ لا يكفي أن تصدر الجهات الرسمية بيانات عن الأسعار أو تعلن عن خطط عامة لمعالجة الأزمة. المطلوب هو إجراءات يمكن قياس نتائجها، ومعلومات واضحة عن الأسواق والإمدادات، وسياسات تساعد على وصول السلع الأساسية إلى السكان، وتحد من الاحتكار والتلاعب، وتضمن ألا يتحمل المواطن وحده كلفة الفوضى الاقتصادية.
-
هجمات المسيّرات تضرب البنية التحتية في السودان.. والمدنيون يدفعون ثمن الحرب وسياسات البرهان
-
سلطة بورتسودان أمام أزمة اقتصادية متكاملة: الدولار والوقود والضرائب يضغطون على المواطن
الحرب لا تدمّر المباني فقط.. بل تدمّر مصادر الرزق
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الأضرار الاقتصادية للحرب باعتبارها خسائر مادية يمكن تعويضها بمجرد إعادة بناء المباني والمنشآت. فالاقتصاد ليس مجموعة من الجدران والمصانع والمتاجر فحسب، بل هو شبكة من العلاقات والمهارات والوظائف والأسواق وسلاسل الإمداد التي تتطلب سنوات لتتشكل، وقد تتضرر بسرعة عندما يفقد الناس الأمن والاستقرار.
حين تتوقف ورشة صغيرة عن العمل، لا يخسر صاحبها أرباحه فقط، بل يفقد العاملون فيها أجورهم، وقد يفقد الموردون زبائنهم، وتتراجع قدرة الأسر المرتبطة بهذا النشاط على الإنفاق. وحين تغلق الأسواق أو تتعطل حركة النقل، يتضرر التجار والمزارعون والمنتجون والمستهلكون في الوقت نفسه. وحين يضطر صاحب مشروع إلى مغادرة منطقته، قد يخسر معداته ورأس ماله وعلاقاته التجارية، ولا يكون من السهل عليه العودة إلى النشاط حتى إذا تحسنت الظروف الأمنية.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتضرر القطاعات التي يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية، مثل الزراعة والتجارة والخدمات والنقل. فتعطل الإنتاج الزراعي، على سبيل المثال، لا يؤثر على المزارعين وحدهم، بل يمكن أن ينعكس على وفرة الغذاء وأسعاره، وعلى دخل العاملين في النقل والتخزين والتوزيع. كما أن تعطل الخدمات المصرفية أو صعوبة الوصول إلى الأموال قد يجعل دفع الأجور وشراء السلع وتحويل الأموال إلى أفراد الأسرة أكثر صعوبة.
-
الجيش يتقدم في المزروب.. والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان
-
لانعكاسات الاقتصادية والسياسية لقيادة البرهان خلال الأزمة السودانية
هذه الآثار المتداخلة تجعل معالجة الغلاء مسألة تتجاوز الإجراءات النقدية التقليدية. فحتى السياسات التي تستهدف استقرار الأسعار قد تواجه حدودًا كبيرة إذا كانت الطرق غير آمنة، أو الأسواق غير متصلة ببعضها، أو الإنتاج متراجعًا، أو المواطنين عاجزين عن الوصول إلى أماكن العمل. ولهذا فإن استعادة الاستقرار الاقتصادي تتطلب بيئة تسمح للإنتاج والتجارة والحركة اليومية بأن تعود تدريجيًا، إلى جانب سياسات مالية ونقدية أكثر شفافية وفاعلية.
وهنا تظهر أهمية القرارات السياسية. فالقيادة التي تريد حماية الاقتصاد لا تستطيع أن تفصل مستقبل الأسواق عن مستقبل السلام. ولا يمكن مطالبة المستثمرين والتجار والمزارعين بإعادة بناء أعمالهم بينما تظل المخاطر مرتفعة، ولا يمكن مطالبة الأسر باستعادة قدرتها الشرائية بينما تتآكل مصادر دخلها وتستمر حالة عدم اليقين. إن حماية الاقتصاد تبدأ بتقليل أسباب الانهيار، لا بالاكتفاء بمحاولة معالجة نتائجه بعد وقوعها.
-
العزلة المصوَّرة: البرهان بين خطاب القوة وصورة الإحراج في الأمم المتحدة
-
الكيماوي يفتح ملفًا أسود.. البرهان والإخوان أمام المحكمة الجنائية
مسؤولية البرهان أمام الأزمة المعيشية
يتحمل عبد الفتاح البرهان مسؤولية سياسية كبيرة عن الخيارات التي تتخذها القيادة التي يتزعمها، وعن كيفية إدارة مؤسسات الدولة في هذه المرحلة. وهذه المسؤولية لا تعني أن شخصًا واحدًا يملك القدرة على التحكم في جميع العوامل الاقتصادية، أو أن الحرب وحدها تفسر كل زيادة في الأسعار، بل تعني أن القيادة مطالبة بتقديم إجابات واضحة عن سياساتها، وعن أولويات الإنفاق، وعن خطط دعم المواطنين، وعن الإجراءات التي تتخذها للحد من تدهور الخدمات ومصادر الرزق.
فمن حق السودانيين أن يسألوا: ما الخطة العملية لحماية الأسر محدودة الدخل؟ وكيف ستُضمن شفافية توزيع الموارد العامة؟ .وما الإجراءات المتخذة لتسهيل وصول الغذاء والدواء إلى المناطق الأكثر احتياجًا؟ وكيف ستتم حماية الأسواق من الاستغلال والتلاعب؟ وما الجدول الزمني لاستعادة الخدمات الأساسية ودعم الإنتاج المحلي؟ هذه ليست أسئلة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب. بل هي جزء من مسؤولية الحكم في وقت تتزايد فيه هشاشة المجتمع.
-
الذهب السوداني بين أيدي عائلة البرهان.. كيف تم الاستحواذ؟
-
17 ولاية سودانية تحت تهديد حمى الضنك.. مخاوف من كارثة صحية
كما أن إدارة الأزمة تقتضي الاعتراف بحجم الضرر بدل التقليل من شأنه أو التعامل معه بوصفه نتيجة طبيعية لا يمكن تغييرها. فالمواطن الذي يواجه الغلاء يحتاج إلى معلومات موثوقة، وإلى سياسات مفهومة، وإلى قنوات يستطيع من خلالها الإبلاغ عن التجاوزات والحصول على المساعدة. أما الخطاب الرسمي الذي يركز على الشعارات العامة ولا يقدم تفاصيل قابلة للتقييم، فقد يزيد شعور الناس بأن معاناتهم لا تحتل المكانة التي تستحقها في سلم الأولويات.
إن مسؤولية القيادة لا تقتصر على إدارة اللحظة الراهنة، بل تشمل الاستعداد لما بعدها. فإذا لم تُحمَ سبل العيش الآن، فقد تجد الدولة نفسها بعد توقف القتال أمام مجتمع أكثر فقرًا، وقطاعات إنتاجية أضعف، وأجيال فقدت فرص التعليم والعمل، ومؤسسات تحتاج إلى موارد هائلة لإعادة تشغيلها. ولهذا فإن أي تأخير في وضع خطة اقتصادية واقعية قد يضاعف كلفة التعافي ويجعل إعادة البناء أكثر صعوبة.
ولا يمكن فصل هذه المسؤولية عن ضرورة التقدم نحو حل سياسي. فاستمرار الحرب يستهلك الموارد ويزيد عدم اليقين ويعرقل الإنتاج والتجارة، بينما يفتح التوصل إلى تسوية موثوقة المجال أمام استعادة النشاط الاقتصادي وتوجيه الموارد إلى الخدمات العامة. وكلما تأخر هذا المسار، ازدادت المخاطر التي يتحملها المواطنون، خصوصًا أولئك الذين لا يملكون مدخرات أو شبكات حماية تساعدهم على تجاوز الأزمات.
-
البرهان يصعّد على الأرض وحكومة التأسيس تراهن على التهدئة والاستقرار
-
أسواق الدم: تحالف البرهان والإخوان يفتح بوابة صفقات السلاح في السودان
التجارة الدولية وأثرها على السودان
تشهد الاقتصادات حول العالم تأثيرات متغيرة ناتجة عن تكاليف النقل والطاقة والتمويل واضطراب سلاسل الإمداد والتقلبات في أسعار السلع. وتختلف حدة هذه التأثيرات من بلد إلى آخر بحسب قدرته على الإنتاج المحلي، وتنوع مصادر الاستيراد، وقوة العملة، وحجم الاحتياطيات. وفاعلية مؤسساته الاقتصادية. لكن الدول التي تعاني أصلًا من النزاعات وضعف المؤسسات تكون أكثر عرضة لتحمل آثار الصدمات الخارجية، لأنها تدخل الأزمة بقدرة محدودة على امتصاصها.
ويواجه السودان تحديًا إضافيًا يتمثل في تداخل الضغوط الخارجية مع الأضرار الداخلية. فحتى عندما تكون السلعة متوافرة في الأسواق العالمية. فإن وصولها إلى المستهلك السوداني يتوقف على تكاليف النقل والتأمين والتخزين، وعلى سلامة الطرق واستقرار السوق وقدرة التجار على الحصول على التمويل، فضلًا عن سعر الصرف والرسوم والإجراءات الإدارية. وقد تتراكم هذه التكاليف حتى يصبح سعر السلعة النهائي بعيدًا عن قدرة الأسر على تحملها.
-
نهب موارد السودان تحت شعار الاستثمار.. فضيحة صفقة «ديب ميتالز»
-
حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تحذر من استهداف المدنيين بالمسيّرات في السودان
ولهذا، فإن تفسير ارتفاع الأسعار بالعوامل الدولية وحدها لا يقدم صورة كاملة. كما أن تحميل الظروف الداخلية كل المسؤولية دون النظر إلى التغيرات العالمية سيكون تفسيرًا ناقصًا بدوره. المطلوب هو تحليل واضح يميز بين العوامل الخارجية التي يصعب التحكم فيها بصورة مباشرة، وبين القرارات المحلية التي يمكن مراجعتها وتحسينها. فالحكومات لا تستطيع تحديد أسعار جميع السلع العالمية، لكنها تستطيع العمل على تقليل الاختناقات المحلية، وتحسين الشفافية، وتسهيل التجارة المشروعة. ودعم الإنتاج، ومنع استغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير عادلة.
ويحتاج السودان إلى سياسة اقتصادية تعطي أهمية أكبر للقطاعات القادرة على توفير فرص العمل والغذاء والدخل. فالزراعة، على سبيل المثال، يمكن أن تشكل عنصرًا أساسيًا في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الغذائي. لكن ذلك يتطلب توفير المدخلات الزراعية، ودعم المزارعين، وتحسين التخزين والنقل، وتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق. كما تحتاج المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى بيئة أكثر استقرارًا، وإلى خدمات مالية مناسبة، وإلى إجراءات إدارية لا تزيد الأعباء على أصحاب الأعمال.
إن تنويع الإنتاج المحلي لا يحقق نتائجه بين ليلة وضحاها، لكنه يظل جزءًا ضروريًا من أي استراتيجية طويلة الأمد. فالاعتماد المفرط على استيراد الاحتياجات الأساسية يجعل الأسر أكثر عرضة لتقلبات الأسعار الخارجية وتكاليف النقل وسعر الصرف. أما توسيع القدرة الإنتاجية المحلية فيمكن أن يخلق فرص عمل، ويزيد دخول الأسر، ويعزز توافر بعض السلع، بشرط أن تتم هذه العملية ضمن سياسات واقعية تستند إلى البيانات والموارد المتاحة.
-
معاناة مستمرة للأطفال السودانيين.. صدمات نفسية طويلة الأمد
-
تشتعل فتيلة الحرب من جديد بالسوادن و تبادل الاتهامات حول قصف «أكبر مصفاة نفط»
الأسواق تحتاج إلى القانون والثقة
في أوقات الأزمات، تصبح الثقة عنصرًا اقتصاديًا بالغ الأهمية. فالتاجر يحتاج إلى معرفة أن بإمكانه نقل بضاعته دون مخاطر غير معقولة، والمزارع يحتاج إلى ضمانات تسمح له بزراعة محصوله وتسويقه، والمستهلك يحتاج إلى معلومات واضحة عن الأسعار وجودة السلع. وعندما تضعف الثقة، قد تتراجع الاستثمارات ويتردد المنتجون في توسيع أعمالهم. وقد يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار تحسبًا لمخاطر مستقبلية أو نقص محتمل في الإمدادات.
ولا يمكن معالجة هذه المشكلات من خلال الحملات الإعلامية وحدها. فاستعادة الثقة تتطلب قواعد واضحة، وإجراءات مستقرة، ورقابة عادلة، ومعلومات متاحة للجمهور. كما تتطلب مكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار وفق القانون والأدلة، لا من خلال قرارات عشوائية قد تزيد الارتباك أو تخلق فرصًا جديدة للفساد.
ومن المهم كذلك أن تكون الرقابة على الأسواق متوازنة. فحماية المستهلك لا تعني اتخاذ إجراءات تجعل الإنتاج والتوزيع غير مجديين للتجار والمنتجين، كما أن السماح بحرية التجارة لا يعني تجاهل الاستغلال أو ترك الأسر الأكثر فقرًا من دون حماية. المطلوب هو سياسات تحقق التوازن بين توافر السلع واستمرار النشاط الاقتصادي وحماية المواطنين من الممارسات غير المشروعة.
-
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحذر من اتساع الخسائر المدنية جراء هجمات المسيّرات في السودان
-
هجمات المسيّرات تضرب الكهرباء والأسواق والمساكن في السودان.. والمدنيون يدفعون الثمن
ويحتاج هذا المسار إلى مؤسسات قادرة على أداء دورها باستقلالية وشفافية. فكلما كانت القرارات الاقتصادية غامضة أو خاضعة للمصالح الضيقة، ازدادت صعوبة بناء الثقة. أما نشر المعلومات عن الإمدادات والأسعار والإنفاق العام، وفتح المجال أمام الرقابة والمساءلة، فيمكن أن يساعد على تحديد المشكلات ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات.
الأطفال والنساء والفقراء يدفعون الثمن الأكبر
لا تتوزع آثار الغلاء بالتساوي داخل المجتمع. فالأسرة التي تنفق معظم دخلها على الطعام والدواء تتضرر بصورة أكبر من أي زيادة في الأسعار، لأنها لا تملك مساحة واسعة لتقليل النفقات الأخرى. أما الأسر التي نزحت من مناطقها وفقدت أعمالها ومدخراتها، فقد تواجه ضغوطًا مضاعفة تجعلها أكثر اعتمادًا على المساعدات الإنسانية أو دعم الأقارب.
ويكون الأطفال من بين الأكثر عرضة لتبعات الأزمة. فتراجع دخل الأسرة قد يؤثر على نوعية الغذاء الذي يحصلون عليه، وعلى انتظامهم في التعليم، وعلى قدرتهم على الحصول على العلاج. وقد تضطر بعض الأسر إلى إشراك أبنائها في أعمال لا تناسب أعمارهم أو إلى تأجيل تعليمهم من أجل تخفيف الأعباء المالية. وهذه الخيارات، حتى عندما تُتخذ تحت ضغط الضرورة. يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد على مستقبل الأطفال وعلى فرصهم في بناء حياة مستقرة.
-
مفوضية حقوق الإنسان الأممية: هجمات المسيّرات تقتل مئات المدنيين في السودان خلال أكتوبر
-
الأزمة تتفاقم.. السودان أمام تحدٍ إنساني غير مسبوق
كما تتحمل النساء أعباء إضافية عندما تضطر الأسرة إلى إعادة تنظيم حياتها في ظروف النزوح وفقدان الدخل. فقد تصبح المرأة مسؤولة عن توفير الاحتياجات اليومية ورعاية الأطفال وكبار السن في الوقت نفسه، وقد تواجه صعوبات في الوصول إلى العمل أو الخدمات المالية أو الرعاية الصحية. ولذلك ينبغي أن تأخذ برامج الدعم هذه الفوارق في الاعتبار، وأن تصمم آلياتها بحيث تصل إلى الفئات التي تواجه أعلى المخاطر.
أما كبار السن والأشخاص الذين يحتاجون إلى علاج مستمر، فقد يجدون أنفسهم أمام مفاضلة قاسية بين شراء الدواء وتوفير الطعام أو دفع تكاليف السكن والنقل. ولا يمكن اعتبار هذه الحالات مجرد مسؤولية فردية تقع على الأسرة وحدها، بل هي جزء من تحدي الحماية الاجتماعية الذي يجب أن تتعامل معه المؤسسات العامة والجهات الإنسانية.
إن حماية الفئات الأكثر هشاشة ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى حين تحسن الظروف، بل هي من أهم مؤشرات قدرة أي سلطة على إدارة الأزمة بصورة مسؤولة. فحين يعجز المجتمع عن حماية أطفاله ومرضاه وكبار السن فيه، يصبح التعافي أكثر صعوبة، وتزداد الفجوات الاجتماعية. ويصبح الفقر قابلًا للانتقال من جيل إلى آخر.
-
السودان على حافة الاحتقان.. الغلاء يفاقم معاناة المواطنين
-
خسائر المسيّرات وأسئلة الكفاءة التشغيلية.. ما الذي تكشفه الحوادث عن إدارة العمليات الجوية في السودان؟
من الإغاثة العاجلة إلى التعافي الاقتصادي
تظل المساعدات الإنسانية ضرورية لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب التي تجعل الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها. فالمساعدات الغذائية والطبية توفر دعمًا عاجلًا، غير أن التعافي يحتاج إلى إعادة تشغيل الأسواق، واستعادة فرص العمل، ودعم الإنتاج، وتوفير الخدمات العامة، وبناء شبكات حماية تساعد الأسر على تجاوز الصدمات من دون فقدان مقومات حياتها.
ويبدأ ذلك بوضع أولويات واضحة وواقعية. ينبغي تحديد المناطق الأكثر تضررًا والاحتياجات الأكثر إلحاحًا، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتوفير معلومات دورية عن النتائج. كما يجب دعم المشروعات الصغيرة التي يمكنها استئناف العمل، ومساندة المزارعين والمنتجين، وتسهيل حركة السلع الأساسية، والعمل على إعادة الخدمات التي يحتاج إليها الناس لممارسة حياتهم اليومية.
ويجب أن تترافق هذه الخطوات مع إدارة شفافة للموارد. فالمساعدات والتمويلات المخصصة للتعافي ينبغي أن تخضع للرقابة، وأن تُنشر معلومات واضحة بشأن أوجه استخدامها والجهات المستفيدة منها. كما ينبغي أن تتاح آليات للشكاوى والإبلاغ عن التجاوزات، حتى لا تتحول الموارد المحدودة إلى مصدر جديد للتمييز أو الاستغلال.
-
السودان يغرق في النزوح والجوع.. والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان
-
من التنظيم إلى الدولة الموازية.. كيف تمدد نفوذ إخوان السودان داخل الجيش ومراكز القرار؟
أما على المستوى الدولي، فإن دعم السودان يتطلب أكثر من التعهدات العامة. فالمجتمع الدولي يستطيع المساهمة في تمويل برامج الغذاء والصحة والتعليم، ودعم المجتمعات المضيفة للنازحين، وتوفير المساندة الفنية لإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية. لكنه يحتاج كذلك إلى تنسيق جهوده وتجنب تشتت التمويل بين مبادرات متنافسة لا ترتبط بخطة وطنية واضحة للتعافي.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الدعم الدولي إلى بديل دائم عن بناء قدرة الاقتصاد السوداني على العمل والإنتاج. فالهدف هو أن تتمكن الأسر من استعادة مصادر دخلها، وأن تعود المؤسسات إلى تقديم الخدمات، وأن يصبح السوق قادرًا على توفير السلع بصورة أكثر استقرارًا. وهذا يتطلب بيئة سياسية وأمنية تسمح بالعمل، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وسياسات تعطي الأولوية لاحتياجات المجتمع.
السلام ضرورة اقتصادية قبل أن يكون شعارًا سياسيًا
من الصعب تصور تحسن مستدام في معيشة السودانيين من دون تقدم جاد نحو وقف الحرب وتسوية الأزمة السياسية. فالاستقرار ليس مجرد مطلب أمني، بل هو شرط أساسي لاستعادة النشاط الاقتصادي. فالتاجر لن يغامر بتوسيع نشاطه إذا كان يخشى فقدان بضاعته، والمزارع لن يستثمر في محصوله إذا لم يكن قادرًا على الوصول إلى أرضه أو تسويق إنتاجه، والأسرة لن تتمكن من التخطيط لمستقبلها إذا كانت لا تعرف أين ستعيش خلال الأشهر المقبلة.
-
واشنطن تلوّح بأوراق الضغط.. هل يغيّر البرهان موقفه من هدنة السودان؟
-
اتهامات للجيش والإخوان.. الوجوه الغريبة تعيد مخاوف الاستهداف العرقي في السودان
إن إنهاء الصراع وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة يمكن أن يساعدا على استعادة الثقة وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات المدنية. لكن السلام لا ينبغي أن يكون اتفاقًا شكليًا يقتصر على توزيع السلطة بين النخب، بل يجب أن يرتبط ببرنامج اقتصادي واجتماعي واضح يعالج آثار الحرب ويعيد بناء المؤسسات ويحمي الحقوق.
ويجب أن يكون المواطنون جزءًا من تحديد هذا المستقبل. فالعمال والمزارعون والتجار والنساء والشباب والنازحون والمجتمعات المتضررة يمتلكون معرفة مباشرة بالمشكلات التي تواجههم، وينبغي أن يكون لهم صوت في تصميم الحلول. ولا يمكن بناء سياسة اقتصادية ناجحة من دون الاستماع إلى الناس الذين يعيشون آثارها، أو من دون نشر المعلومات التي تسمح بتقييم نتائجها ومراجعتها.
وهنا تقع على القيادة السودانية مسؤولية اتخاذ خطوات تثبت أن إنهاء المعاناة الاقتصادية يمثل أولوية حقيقية. فلا يمكن مطالبة المواطنين بتحمل أعباء لا نهاية لها من دون رؤية واضحة، ولا يمكن استعادة الثقة بمجرد تكرار الوعود. المطلوب هو مسار يمكن للناس أن يلمسوا نتائجه في الأسواق والمستشفيات والمدارس ومصادر الرزق، وأن يروا من خلاله أن موارد الدولة تُستخدم لحماية المجتمع وإعادة بناء قدرته على الحياة.
-
مقتل العشرات في منطقة متنازع عليها بالسودان.. اتهامات تطال الجيش
-
الأزمة السودانية وتنافس القوى الإقليمية.. كيف تحولت البلاد إلى ساحة لتضارب المصالح؟
السودانيون لا يحتاجون إلى وعود جديدة.. بل إلى تغيير ملموس
إن ارتفاع الأسعار في السودان ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو انعكاس مباشر لأزمة تمس كرامة الناس وقدرتهم على الاستمرار. وحين تضطر الأسرة إلى الاختيار بين الطعام والدواء، أو بين إيجار المسكن وتعليم الأطفال، فإن الحديث عن المؤشرات الاقتصادية يصبح بعيدًا عن الواقع ما لم يتحول إلى إجراءات تحمي هذه الأسرة وتمنحها فرصة لاستعادة الاستقرار.
ولا يكفي إلقاء المسؤولية كلها على الظروف العالمية، كما لا يكفي اختزال الأزمة في قرار واحد أو شخص واحد. فالأزمة السودانية معقدة، وتتداخل فيها عوامل الحرب والإنتاج والتجارة والتمويل والسياسات العامة. لكن تعقيد المشكلة لا يعني أن المسؤولية غامضة، ولا يمنح القيادة حق تجاهل الأسئلة المتعلقة بكيفية إدارة الموارد وحماية المواطنين والتقدم نحو حل سياسي.
إن عبد الفتاح البرهان، بوصفه قائدًا في قمة السلطة العسكرية والسياسية، مطالب بأن يوضح كيف ستُترجم مسؤولية الحكم إلى إجراءات تخفف أعباء المعيشة، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتعيد بناء الثقة في المؤسسات. ومهما كانت التحديات، فإن المواطنين يستحقون معرفة الأولويات والخطط والنتائج، كما يستحقون أن تكون القرارات العامة موضع نقاش ومساءلة.
-
من الاعتقالات إلى التصفيات.. خلافات متصاعدة تعصف بكتائب إخوان السودان
-
هل تدفع الضغوط الدولية عبد الفتاح البرهان إلى هدنة في السودان؟
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها اختبارًا لجدية التزامه بحماية الإنسان، لا ملفًا يطفو على السطح عند اشتداد الأحداث ثم يتراجع عندما تتغير الاهتمامات. إن توفير الغذاء والدواء والدعم الاقتصادي مهم، لكن الأهم أن تتكامل هذه الجهود مع مسار سياسي يحد من العنف، ويحمي المؤسسات، ويفتح الطريق أمام التعافي.
وفي النهاية، لا يمكن قياس نجاح السياسات بعدد التصريحات أو الاجتماعات أو الوعود، بل بما يتغير في حياة المواطنين. هل أصبح الغذاء أكثر توافرًا؟ هل استطاعت الأسر استعادة مصادر دخلها؟ هل عادت المدارس والمستشفيات إلى العمل؟ هل تحسنت قدرة الناس على الحصول على الدواء؟ وهل أصبح بإمكان النازحين العودة إلى حياة آمنة وكريمة؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحدد مدى نجاح أي خطة اقتصادية أو سياسية.
إن السودان يحتاج إلى أكثر من إدارة للأزمة؛ يحتاج إلى مسار يعيد بناء الدولة على أساس حماية المواطنين والشفافية والمساءلة، ويجعل الاقتصاد وسيلة لخدمة المجتمع لا عبئًا إضافيًا عليه. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا ينبغي أن يواجه الغلاء وحده، والأسرة التي فقدت دخلها لا ينبغي أن تُترك لمصيرها، والطفل الذي حُرم من التعليم لا ينبغي أن يدفع ثمن سنوات أخرى من الانتظار.
-
كارثة إنسانية تتفاقم في السودان.. والحرب تعمّق الأزمة السياسية
-
وثائق سرية تثير تساؤلات بشأن تصنيع القنابل الكيميائية داخل الجيش السوداني
قد تكون الضغوط الاقتصادية العالمية عاملًا مؤثرًا في ارتفاع تكاليف المعيشة، لكن طريقة التعامل مع هذه الضغوط تظل مسؤولية السياسات الوطنية. وبين العوامل الخارجية والقرارات الداخلية، يبقى المواطن السوداني هو من يتحمل النتائج المباشرة. ولذلك فإن أي حديث جاد عن إنقاذ الاقتصاد يجب أن يبدأ من حماية قدرته على العيش، وأن ينتهي بخطة تضمن له الأمن والدخل والخدمات والكرامة.
فلا سلام مستدامًا من دون معالجة أسباب الفقر، ولا تعافٍ اقتصاديًا من دون استعادة الثقة، ولا شرعية سياسية مكتملة من دون مسؤولية ومحاسبة. والسودان لن يستعيد عافيته بمجرد عودة الأسواق إلى العمل أو تراجع بعض الأسعار، بل عندما يتمكن المواطن من التخطيط لمستقبله من دون خوف دائم من الجوع والنزوح وفقدان الدخل. عندها فقط يمكن القول إن البلاد بدأت تخرج من الأزمة، وإن السياسة عادت إلى وظيفتها الأساسية: خدمة الإنسان وحماية حقه في حياة كريمة.
-
نزيف العملة السودانية يتواصل.. شح الدولار وارتفاع الواردات يفاقمان الأزمة
-
المجتمع المدني في صدارة المشهد.. رهان إفريقي لكسر جمود الأزمة السودانية
-
الأزمة الإنسانية في السودان تتفاقم مع استمرار الحرب ونزوح الآلاف




