تسريبات

السودان في قبضة الحسابات الإقليمية.. هل أصبح بقاء البرهان مرتبطا بتوازنات الخارج؟


لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين تتنازعان السيطرة على مؤسسات الدولة ومقدراتها، بل أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتتصارع ضمنها رؤى مختلفة لمستقبل السودان وموقعه في المنطقة. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تراجعت قدرة الدولة على حماية مواطنيها، واتسعت رقعة النزوح والدمار، وتعرضت المؤسسات الوطنية لضغوط غير مسبوقة، بينما ازدادت أهمية العلاقات الخارجية في حسابات الأطراف المتحاربة. وفي خضم هذا المشهد، تثير مواقف السلطة التي يقودها عبد الفتاح البرهان أسئلة متزايدة بشأن مدى استقلال القرار السوداني، وطبيعة العلاقة بين احتياجات القيادة العسكرية إلى الدعم الخارجي وبين مسؤوليتها عن حماية الأراضي والمواطنين. وقد أعادت الأنباء المتداولة بشأن مقتل معدّنين سودانيين في غارات نُسبت إلى الطيران المصري فتح هذا النقاش بصورة حادة، بعدما تحولت القضية من حادثة أمنية حدودية إلى اختبار سياسي يتعلق بقدرة السلطة على الدفاع عن السيادة الوطنية، ومواجهة الوقائع التي قد تترتب عليها مسؤوليات قانونية ودبلوماسية.

وتكمن أهمية هذه القضية في أنها جاءت في وقت يعاني فيه السودان من هشاشة مؤسسية عميقة، تجعل التعامل مع الملفات الخارجية أكثر تعقيداً من المعتاد. فالدولة التي تمتلك مؤسسات مستقرة وقنوات دبلوماسية فاعلة تستطيع التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، والتفاوض مع الأطراف المعنية، واللجوء إلى المسارات القانونية عند الضرورة. أما الدولة التي تتوزع سلطتها بين مراكز عسكرية وسياسية متنافسة، وتخوض حرباً طويلة تستنزف مواردها، فقد تجد نفسها أمام صعوبة حقيقية في بناء موقف موحد وتنفيذه. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال عن استقلال القرار الوطني مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على العمل بعيداً عن الضغوط، وبمدى استعداد القيادة لتحمل كلفة الدفاع عن المصالح السودانية حتى عندما تتعارض مع حسابات الحلفاء أو الأطراف التي ترتبط معها بعلاقات سياسية وأمنية.

وبحسب الرواية التي أثارت الجدل في الأوساط السودانية، شهدت منطقة تعدين في شمال البلاد غارات نُسبت إلى الطيران المصري يوم 10 أكتوبر، وأسفرت، وفق النص المتداول، عن مقتل وإصابة عدد من المعدّنين السودانيين. كما أشار النص إلى بيان منسوب إلى الجيش المصري تحدث عن استهداف أنشطة مرتبطة بالتنقيب غير المشروع، واستخدم تعبيرات تتعلق بمكافحة العناصر الإجرامية وفرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية. وتثير هذه الروايات، إذا ثبتت تفاصيلها، أسئلة جوهرية بشأن الموقع الجغرافي للعملية، والأساس القانوني لاستخدام القوة، ومدى احترام الحدود الدولية. لكن الحسم في هذه المسائل لا يمكن أن يقوم على التفسيرات السياسية وحدها؛ بل يتطلب التحقق من مضمون البيان الأصلي، ومراجعة الإحداثيات والخرائط، وجمع الأدلة الميدانية، والاستماع إلى الشهود، وتحديد ما إذا كانت العملية قد وقعت داخل الأراضي السودانية أم خارجها. فالسيادة الوطنية قضية قانونية وسياسية في آن واحد، والدفاع عنها يحتاج إلى أدلة ومؤسسات قادرة على تحويل الوقائع إلى خطوات عملية.

غير أن الجدل لا يقتصر على طبيعة الغارات، بل يمتد إلى أداء السلطة السودانية وطريقة تعاملها مع الحادثة. فقد أثار الحديث عن الاكتفاء بالتعزية والإعلان عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق انتقادات بشأن مدى جدية الاستجابة الرسمية، خصوصاً في ظل المطالب بكشف الجهة المسؤولة وتحديد مكان وقوع القصف وحماية حقوق الضحايا. ومن حيث المبدأ، لا يمثل تشكيل لجنة تحقيق موقفاً سلبياً في حد ذاته، بل يمكن أن يكون خطوة ضرورية للوصول إلى الحقيقة، شريطة أن تتمتع اللجنة بالاستقلال، وأن تكون صلاحياتها واضحة، وأن تعلن نتائجها ضمن جدول زمني معقول. أما إذا غابت الشفافية ولم تظهر نتائج قابلة للتحقق، فإن اللجان تفقد قدرتها على استعادة الثقة، وتتحول إلى مصدر إضافي للشكوك. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام البرهان وسلطته ليس في إصدار بيان أولي، وإنما في الاستعداد لكشف النتائج، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقاً لما تثبته الأدلة.

وتزداد التساؤلات حدة عندما توضع هذه القضية إلى جانب التحرك المصري الذي تحدثت عنه الرواية نفسها عقب مقتل مواطنين مصريين في الخرطوم يوم 12 أكتوبر. فقد ورد أن السائقين محمد لطفي وأكرم محمد قُتلا إثر إطلاق نار في السوق المحلي جنوب العاصمة، وأن مواطناً مصرياً آخر أُصيب، مع ورود معلومات عن إصابة سوداني والقبض على مشتبه به. كما أشارت الرواية إلى متابعة الخارجية المصرية للقضية، وتوجيهات وزير الخارجية بدر عبد العاطي للسفير بالتواصل مع السلطات المعنية ومتابعة حالة المصاب والعمل على نقل الجثمانين. وإذا تأكدت هذه التفاصيل، فإنها تبرز الفارق بين تحرك دولة لحماية حقوق مواطنيها وبين الانتقادات الموجهة إلى أداء السلطة السودانية في قضية المعدّنين. لكنها تطرح أيضاً سؤالاً أعمق: لماذا لا تصبح حماية المواطن السوداني أولوية ثابتة في سياسة الدولة، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي قد تثبت مسؤوليته عن الاعتداء؟

إن واجب الدولة لا يتوقف عند حدود المدن الكبرى أو المناطق التي تسيطر عليها المؤسسات الرسمية بصورة مستقرة، بل يمتد إلى المناطق الحدودية ومواقع التعدين والمجتمعات التي تعيش في ظروف أمنية واقتصادية صعبة. وحتى إذا كان بعض الضحايا يمارسون أنشطة غير قانونية، فإن ذلك لا يسقط حقهم في الحياة ولا يعفي السلطات من التحقيق في كيفية استخدام القوة. كما أن التعامل مع هذه الأنشطة ينبغي أن يتم ضمن إطار قانوني واضح، بالتعاون مع الدول المجاورة عندما تستدعي الحاجة، وبما يمنع تحول مكافحة التهريب إلى مبرر لانتهاك الحقوق. ومن هنا، فإن أي تقصير في حماية المواطنين أو في المطالبة بكشف الحقيقة يمثل مسألة تستحق المساءلة، لكنه لا يبرر وحده القفز إلى استنتاجات نهائية بشأن وجود اتفاقات سرية أو تبعية خارجية. فهذه الاتهامات، على خطورتها، تحتاج إلى أدلة مستقلة ومعلومات موثقة.

وتتصل هذه الأزمة بسؤال أوسع يتعلق بطبيعة العلاقات التي نسجتها القيادة العسكرية السودانية مع القوى الإقليمية منذ سقوط نظام عمر البشير، ثم انقلاب أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب الحالية. فقد ظل السودان بحكم موقعه الجغرافي وموارده وحدوده المشتركة مع عدد من الدول ساحة مهمة لتقاطعات المصالح الإقليمية، كما ظلت قضايا البحر الأحمر ومياه النيل والأمن الحدودي والهجرة والتجارة من الملفات التي تمنح تطورات الخرطوم أهمية تتجاوز الداخل السوداني. وفي مثل هذه البيئة، تسعى الدول المحيطة إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، وقد تتباين مواقفها بشأن شكل الحكم في السودان والقوى التي تراها قادرة على ضمان الاستقرار. لكن وجود المصالح الإقليمية لا يعني بالضرورة أن كل تحرك خارجي يستهدف تقويض السيادة السودانية، كما لا يعني أن السلطة القائمة محصنة من الضغوط. والمطلوب هو فهم طبيعة هذه المصالح من خلال الأدلة والوقائع، لا الاكتفاء بتفسير كل حدث باعتباره مؤامرة خارجية أو، في الاتجاه المقابل، إنكار أثر العامل الإقليمي في الأزمة.

وفي هذا الإطار، يكتسب تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» المنشور في 4 نوفمبر 2021 أهمية في النقاش حول العلاقات التي سبقت انقلاب أكتوبر. فقد نقل التقرير روايات عن زيارة مدير المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل إلى الخرطوم ولقائه البرهان، وتجنب لقاء رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، كما نقل عن مستشار في الحكومة السودانية أن كامل قال للبرهان إن حمدوك يجب أن يرحل. وأشار التقرير أيضاً إلى زيارة سرية للقاهرة قام بها البرهان عشية الانقلاب طلباً للدعم، وفق ما أوردته الصحيفة. وتظل هذه التفاصيل منسوبة إلى التقرير ومصادره، ولا يصح عرضها بوصفها حقائق قضائية نهائية من دون أدلة إضافية، لكنها تثير أسئلة سياسية مشروعة بشأن طبيعة العلاقات الإقليمية التي أحاطت بالتحول العسكري في السودان. فإذا كانت هذه الروايات تعكس جانباً من حجم التواصل بين القيادات العسكرية وبعض الأطراف الخارجية، فإنها تستدعي نقاشاً بشأن حدود هذا التواصل، ومدى تأثيره في القرارات الداخلية، وآليات ضمان ألا تتقدم مصالح أي جهة خارجية على إرادة السودانيين.

ومن الخطأ، في المقابل، اختزال العلاقة بين القاهرة والخرطوم في الاتهامات المتبادلة، أو افتراض أن كل تعاون أمني أو دبلوماسي يمثل تدخلاً في الشؤون الداخلية. فالدول تتواصل وتتفاوض وتنسق في ملفات عديدة، ولا يشكل ذلك في حد ذاته انتقاصاً من سيادتها. لكن الفارق الأساسي يكمن في شفافية هذه العلاقات وأهدافها والنتائج المترتبة عليها. فالتعاون الذي يحمي المدنيين ويعزز التجارة والاستقرار ويخضع للقانون يمكن أن يخدم مصالح البلدين، أما التفاهمات التي تتجاوز المؤسسات الشرعية أو تقيد قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة فتحتاج إلى مراجعة ومساءلة. ومن هنا، فإن حماية القرار الوطني السوداني تتطلب قواعد مؤسسية واضحة لإدارة العلاقات الخارجية، وإشرافاً مدنياً ورقابياً على الاتفاقات الأمنية والاستراتيجية، ونقاشاً عاماً يسمح للمواطنين بمعرفة ما يتعلق بمصالحهم وحقوقهم.

وتظهر قضية حلايب وشلاتين كيف يمكن للملفات التاريخية أن تتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على الحفاظ على استمرارية سياستها الخارجية. فالمنطقة ظلت موضع خلاف بين السودان ومصر، ولم تُحسم المطالب المتبادلة بشأنها بصورة نهائية. وقد دعا عبد الله حمدوك، خلال حديثه في القاهرة في مارس 2021، وفق التصريحات المنقولة عنه، إلى مناقشة الملفات المسكوت عنها في العلاقة بين البلدين، ومن بينها هذه القضية. وتقدم هذه المقاربة مثالاً على أن التعاون مع دولة مجاورة لا يقتضي تجاهل الخلافات الحدودية، كما أن الدفاع عن المطالب الوطنية لا يستلزم قطع العلاقات أو الدخول في مواجهة مفتوحة. إن السياسة الخارجية الفاعلة هي التي تجمع بين التفاوض الهادئ والتمسك بالحقوق، وتستند إلى الوثائق والقانون، وتمنع توظيف القضايا الوطنية في المنافسة السياسية الداخلية.

لكن قدرة السودان على اتباع سياسة خارجية متوازنة تتوقف أيضاً على إنهاء حالة الانقسام الداخلي. فالحرب أضعفت المؤسسات الحكومية، ووسعت رقعة النزوح، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية والاقتصاد، ورفعت حاجة الأطراف المتحاربة إلى المساندة الخارجية. وكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير مواردها الأساسية وحماية السكان، ازدادت احتمالات اعتماد القيادات على أطراف خارجية لتأمين احتياجاتها العسكرية والسياسية. وقد يؤدي ذلك إلى تضارب الأولويات بين متطلبات بقاء السلطة ومتطلبات بناء السلام، خصوصاً عندما تصبح الاعتبارات العسكرية هي المعيار الأول لاتخاذ القرارات. وفي هذه الحالة، لا يعود استقلال القرار الوطني مسألة مرتبطة بالشعارات، بل يصبح مرتبطاً بقدرة السودان على استعادة مؤسساته وإعادة بناء اقتصاده وتوفير شرعية سياسية تستند إلى إرادة المواطنين.

وهنا تبرز مسؤولية البرهان بوصفه قائداً للسلطة العسكرية القائمة، إذ لا يمكن فصل تقييم أدائه عن نتائج القرارات التي تتخذها مؤسساته، أو عن مدى التزامها بحماية المدنيين وإدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة العامة. وتتمثل الأسئلة الأساسية في مدى وضوح الموقف الرسمي من الحادثة الحدودية، وما إذا كانت هناك مطالبات دبلوماسية محددة للحصول على المعلومات، وما إذا كانت التحقيقات قد اتخذت مساراً مستقلاً، وكيف تُدار الملفات ذات الصلة بالحدود والموارد والأمن الإقليمي. ولا يكفي وصف السلطة بالتبعية أو العمالة للإجابة عن هذه الأسئلة؛ إذ يتطلب النقد السياسي المسؤول تحديد القرارات التي يُعترض عليها، والأدلة التي تستند إليها المساءلة، والبدائل التي يمكن أن تحمي مصالح السودان بصورة أفضل. فالهدف ليس استبدال خطاب تعبوي بآخر، وإنما بناء موقف وطني قادر على محاسبة السلطة وتقديم تصور عملي للمستقبل.

كما أن استخدام شعارات السيادة والوطنية لتخوين المعارضين أو دعاة وقف الحرب لا يساعد على حماية الدولة، بل قد يؤدي إلى إضعاف النقاش العام وإبعاد القضايا الأساسية عن الرقابة. فالمطالبة بوقف الحرب ليست في ذاتها تنازلاً عن السيادة، كما أن انتقاد القيادة العسكرية لا يعني رفض الدولة أو مؤسساتها. ويمكن للسودانيين أن يرفضوا التدخلات الخارجية، وأن يطالبوا في الوقت نفسه بإنهاء الحرب وبناء سلطة مدنية ومؤسسات عسكرية مهنية. بل إن هذه الأهداف مترابطة؛ فالدولة التي تستند إلى مؤسسات خاضعة للقانون وتتمتع بشرعية شعبية تكون أقدر على إدارة علاقاتها الخارجية من دولة تهيمن عليها حسابات القيادات المتنافسة. أما تحويل الخلافات السياسية إلى اتهامات بالخيانة، فإنه يترك المجتمع أكثر انقساماً ويجعل من الصعب التوصل إلى توافق بشأن المصالح العليا.

ويقتضي الخروج من هذه الدائرة اعتماد مسار متكامل يبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، ويشمل التحقيق المستقل في الانتهاكات، واستعادة عمل المؤسسات القضائية والرقابية، وإطلاق عملية سياسية واسعة لا تُفرض نتائجها بقوة السلاح. كما يتطلب بناء مؤسسة عسكرية موحدة ومهنية تخضع لسلطة مدنية ذات شرعية، وتلتزم بحماية الحدود والدستور والمواطنين، بدلاً من الانخراط في التنافس على الحكم. وعلى المستوى الخارجي، ينبغي أن تتبنى الدولة سياسة تقوم على تنويع العلاقات، والشفافية في الاتفاقات، والتمسك بالحقوق الحدودية، ورفض استخدام الأراضي السودانية أو موارده لخدمة مصالح أطراف أخرى. ومن الضروري أيضاً تطوير آليات مؤسسية لمتابعة العلاقات مع دول الجوار، بما فيها مصر، حتى لا تتحول الملفات الاستراتيجية إلى قرارات فردية أو تفاهمات لا يعرف الرأي العام مضمونها.

أما في ما يتعلق بالحادثة الحدودية، فإن الخطوة الأكثر إلحاحاً هي الوصول إلى رواية موثقة بشأن ما جرى، وتحديد مكان القصف بدقة، وحصر الضحايا، ونشر نتائج التحقيق، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة وفقاً للقانون. وإذا ثبت وقوع اعتداء على الأراضي السودانية أو استخدام غير مشروع للقوة ضد مواطنين سودانيين، فيجب أن تتحرك الدولة دبلوماسياً وقانونياً للمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر. وإذا كشفت الأدلة تفاصيل مختلفة، فينبغي إعلانها بوضوح، لأن الغموض لا يخدم الضحايا ولا المصالح الوطنية. كما يجب رفض توظيف المأساة للتحريض ضد الشعب المصري أو أي جماعة سودانية، فالمساءلة ينبغي أن تتجه إلى المسؤولين عن الأفعال المثبتة، لا إلى الهويات والانتماءات.

إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل أيضاً بقدرته على إعادة تعريف علاقته بالعالم على أساس الاستقلال المؤسسي والمصلحة العامة. فالموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والحدود الواسعة تجعل البلاد ذات أهمية إقليمية، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا غابت المؤسسات القادرة على إدارة هذه المقومات. ولا يمكن مواجهة هذا التحدي عبر الانعزال أو العداء الدائم للدول المجاورة، كما لا يمكن مواجهته بالارتهان لأي طرف خارجي. المطلوب هو بناء دولة تمتلك القدرة على التعاون والتفاوض ورفض الضغوط في آن واحد، وتحمي مواطنيها من دون تمييز، وتخضع قراراتها للمساءلة الشعبية والقانونية.

وفي المحصلة، فإن الجدل بشأن مقتل المعدّنين السودانيين وما أثير حول موقف السلطة من الحادثة يجب أن يكون مناسبة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل السيادة السودانية، لا مجرد فصل جديد في الحرب الإعلامية بين أنصار البرهان وخصومه. فالقضية تكشف الحاجة إلى مؤسسات تستطيع التحقق من الوقائع ومحاسبة المسؤولين، وسياسة خارجية لا تخضع لمصالح القيادات، وعملية سياسية تنهي احتكار السلاح للقرار الوطني. وإذا كان السودان يريد استعادة مكانته وقدرته على حماية حدوده وموارده، فإن الطريق يبدأ بوقف الحرب وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وقانونية، لا بإدامة الصراع أو تعليق مستقبل البلاد على بقاء شخص أو سلطة. فالسودان الذي يحمي سيادته حقاً هو السودان الذي يجعل المواطن محور سياساته، ويمنح مؤسساته الشرعية والقدرة على العمل، ويرفض أن تكون دماء شعبه أو أرضه ثمناً لأي حسابات سياسية أو إقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى