تسريبات

القاهرة بين وهم السيطرة على الخرطوم وجني محصول أسلمة الجيش


تقوم السياسة المصرية تجاه السودان على مقايضة جيوسياسية واضحة: دعم الجيش السوداني وضمان بقائه في السلطة، مقابل الحصول على ضمانات في ملفات حيوية مثل مياه النيل، والأمن على الحدود، وملف مثلث حلايب وشلاتين. لكن هذه المقايضة، التي تبدو براغماتية على المدى القصير، تتجاهل تحولاً جوهرياً وخطيراً؛ فالجيش الذي تدعمه القاهرة لم يعد جيشاً وطنياً بالمعنى التقليدي، بل تعرض لعملية “أسلمة” صامتة ستجعل الثمن الاستراتيجي لهذه المقايضة باهظاً جداً على المدى البعيد.
“أسلمة” المؤسسة العسكرية وتشويه هويتها
لم يعد الجيش السوداني الذي يقاتل اليوم هو الجيش الذي ورثته السودان من عقود مضت. فالتقارير التي تكشف عن دمج آلاف المقاتلين من الكتائب العقائدية والحركة الإسلامية في صفوف الجيش، تشير إلى أن المؤسسة العسكرية خضعت لعملية “أسلمة” منهجية. هذه العملية لا تعني فقط زيادة عدد المقاتلين الإسلاميين، بل تعني أن الثقافة العقائدية، والمرجعيات الفكرية، وشبكات الولاءات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من بنية الجيش. وعندما تقدم مصر دعماً استخباراتياً أو عسكرياً لهذا الكيان، فإنها لا تدعم جيشاً محايداً يحمي الحدود، بل تدعم جيشاً أصبحت هويته مختلطة، وتلعب فيه الكتائب الإسلامية (مثل كتيبة البراء بن مالك) دوراً محورياً في التشكيلات القتالية والقيادات الميدانية.
الخطر الوجودي على الحدود الجنوبية
الخطر الأكبر على الأمن القومي المصري لا يكمن فقط في احتمال فقدان النفوذ في حلايب أو النيل، بل في طبيعة النظام الذي سيحكم السودان ما بعد الحرب. فإذا انتصر الجيش السوداني بمعرفته الحالية، فإن النظام الناشئ سيكون نظاماً عسكرياً بصبغة إسلامية قوية. هذا النظام لن يقتصر تأثيره على الداخل السوداني فحسب، بل سيمتد نفوذه الأيديولوجي والسياسي إلى دول الجوار، خاصة في جنوب مصر وشمال تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. هكذا، تجد القاهرة نفسها قد ساهمت في خلق “حزام ناري” أيديولوجي على حدودها الجنوبية، يعيد إنتاج التهديد الذي تحاربه القاهرة داخل سيناء والصحراء الغربية، لكن هذه المرة بدعم رسمي من دولة الجوار.
الفجوة في القراءة الأوروبية والتداعيات الإقليمية
هذه المقايضة المصرية لا تضر بالقاهرة فحسب، بل تضع أوروبا أمام مأزق أمني حقيقي. فالعواصم الأوروبية التي قد تنظر إلى الدعم المصري للجيش السوداني على أنه “عامل استقرار” يمنع انهيار الدولة، تغفل أن هذا الدعم يمول في الحقيقة أطالة أمد الحرب، ويكرس نموذجاً عسكرياً-دينياً لا يقبل بالتسويات السياسية. استمرار هذا النموذج يعني استمرار موجات النزوح واللجوء نحو المتوسط، وتفاقم عمليات تهريب البشر والسلاح عبر الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل. أوروبا التي تكافح هذه الظواهر، تغفل أن الدعم الإقليمي المتقاطع (المصري، الإيراني، التركي) للجيش السوداني يخلق بؤرة توتر مزمنة، تفرز أزمات أمنية تتدحرج ككرة الثلج لتطرق أبواب الجنوب الأوروبي.
إن الرهان المصري على قدرتها على “ترويض” الإسلاميين السودانيين واستخدامهم كأداة لتحقيق مكاسب جيوسياسية آنية هو رهان على حافة الهاوية. التاريخ يشهد أن الحركات الأيديولوجية التي تستعيد نفوذج عبر السلاح والحرب، لا تقبل بأن تكون أدوات طوعية، بل تفرض نفسها كقوة أمر واقع. القاهرة قد تنجح في تأمين مكاسب دبلوماسية أو حدودية مؤقتة، لكنها في المقابل تدفع ثمنًا استراتيجيًا فادحًا؛ فهي تسهم في “أسلمة” جيش دولة محورية في أفريقيا، وتمنح التيار الإسلامي السوداني فرصة ذهبية للعودة ليس فقط إلى السلطة، بل لبناء نظام هجين يجمع بين العسكرية والأيديولوجيا، وسيكون بمثابة شوكة في خاصرة الأمن القومي المصري والإقليمي لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى