هجمات المسيّرات تضرب الكهرباء والأسواق والمساكن في السودان.. والمدنيون يدفعون الثمن
لم تعد هجمات المسيّرات في السودان مجرد تطور عسكري يمكن التعامل معه باعتباره حدثاً عابراً في مسار الحرب. بل أصبحت تثير أسئلة خطيرة حول أمن المدنيين، وحماية البنية التحتية، ومستقبل الحياة اليومية في بلد أنهكت الحرب مؤسساته ودمّرت أجزاء واسعة من قدراته الاقتصادية والخدمية. فعندما تصل الهجمات إلى محطات الكهرباء والأسواق والمساكن. فإن آثارها لا تتوقف عند حدود الأضرار المادية التي يمكن حصرها في المباني والمعدات. بل تمتد إلى تفاصيل حياة ملايين السودانيين الذين يحتاجون إلى الكهرباء لتشغيل المستشفيات وإلى الأسواق للحصول على الغذاء. وإلى المنازل بحثاً عن الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
-
الجيش السوداني متهم بشن هجوم بالمسيرات على حفل زفاف في كتم وسقوط عشرات الضحايا المدنيين
-
أم درمان تحت النيران: المسيرات تزيد اشتعال معركة الخرطوم
وفي بلد يعاني أصلاً من النزوح والجوع وانهيار الخدمات. يمكن لأي ضربة تستهدف منشأة مدنية أو تتسبب في تعطيلها أن تضاعف معاناة السكان، وأن تدفع أسرًا جديدة إلى مواجهة ظروف أكثر قسوة. وبينما تظل مسؤولية تحديد الجهة المنفذة لكل هجوم مرتبطة بالأدلة والتحقيقات المستقلة، فإن المسؤولية السياسية عن حماية المواطنين، ومنع اتساع دائرة الدمار. والعمل على وقف الحرب، تظل قضية لا يمكن تأجيلها أو الهروب منها بالشعارات.
إن استهداف محطات الكهرباء، إذا ثبت وقوعه في مواقع مدنية. لا يعني فقط انقطاع الإنارة عن الأحياء أو توقف الأجهزة المنزلية عن العمل. بل قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات التي تضرب قطاعات أساسية في وقت واحد. فالمستشفى الذي يفقد الكهرباء قد يجد نفسه أمام صعوبة في تشغيل أجهزة العناية المركزة وحفظ الأدوية واللقاحات. ومحطة المياه التي تتوقف مضخاتها قد تحرم أحياء كاملة من المياه النظيفة، والمخبز الذي يعتمد على الطاقة قد يعجز عن توفير الخبز، فيما تتعطل وسائل الاتصال التي يحتاج إليها المواطنون لمعرفة ما يجري حولهم أو التواصل مع أقاربهم. وهكذا يتحول انقطاع الكهرباء من مشكلة خدمية إلى أزمة إنسانية واسعة، تتضاعف آثارها كلما طال أمد الانقطاع وضعفت قدرة السلطات على توفير البدائل. وفي هذه الظروف. لا يكفي أن تعلن الجهات الرسمية وقوع أضرار أو أن تتبادل الأطراف الاتهامات؛ المطلوب هو توفير المعلومات الموثوقة، وضمان وصول فرق الإصلاح. وحماية المنشآت الضرورية. وإعطاء الأولوية للمناطق التي تضم مستشفيات ومراكز إيواء ومرافق مياه وغذاء.
-
السودان يغرق في الظلام مجددًا: المسيرات تُعقد الحلول وتفاقم الأزمة
-
صراع السودان يتصاعد: “الدعم السريع” تستخدم المسيرات الانتحارية في هجوم على “شندي”
أما الأسواق، فهي تمثل شريان الحياة بالنسبة إلى الأسر التي تعيش على دخل يومي محدود، ولا تملك احتياطياً مالياً يسمح لها بمواجهة ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات. فالسوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة يعتمد عليها الناس لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ويعمل فيها التجار والعمال وأصحاب المهن الصغيرة والباعة الذين قد لا يملكون أي مصدر آخر للدخل. وعندما تتعرض الأسواق للقصف أو تتوقف حركة التجارة بسبب الخوف وانعدام الأمن، فإن الخسائر لا تصيب أصحاب المحال وحدهم، بل تمتد إلى المستهلكين والمنتجين ووسائل النقل وسلاسل التوريد. وقد يؤدي تضرر سوق رئيسي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في المناطق المحيطة، خصوصاً إذا كان السوق نقطة توزيع للسلع القادمة من مناطق أخرى. كما يمكن أن تتراجع قدرة التجار على تخزين البضائع أو نقلها. خوفاً من الخسائر أو بسبب ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وهو ما يجعل السلعة أقل توافراً وأكثر كلفة على المواطن الذي يعاني أصلاً من تراجع قدرته الشرائية.
والأشد خطورة أن هذه التداعيات تقع في بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة. حيث فقد كثير من السودانيين وظائفهم، وتوقفت أعمال ومشروعات صغيرة، وتراجعت قدرة الأسر على تأمين الغذاء والدواء والسكن. وفي مثل هذه البيئة، يمكن لأي اضطراب جديد أن يدفع أسرة كانت بالكاد قادرة على تدبير احتياجاتها إلى حافة العجز الكامل. فالعامل الذي يخسر يوم عمله بسبب إغلاق السوق قد لا يستطيع شراء وجبة أسرته، وصاحب المتجر الذي يفقد بضاعته قد يعجز عن إعادة فتح محله، والمزارع الذي لا يجد طريقاً آمناً لنقل محصوله قد يضطر إلى بيعه بسعر متدنٍ أو خسارته بالكامل. لذلك فإن حماية الأسواق والبنية التحتية المدنية ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد المعارك، بل هي جزء أساسي من حماية المجتمع ومنع انهيار ما تبقى من النشاط الاقتصادي.
-
خطورة المسيرات الإيرانية في أجواء السودان
-
كيف ساهم “إخوان” السودان في دخول المسيرات الإيرانية على خط الحرب؟
وتزداد خطورة المشهد عندما تصل آثار الهجمات إلى المساكن. فالمنزل هو آخر مساحة يفترض أن يشعر فيها الإنسان بالأمان، وعندما يتحول إلى مكان مهدد بالقصف أو الانفجار أو انهيار المباني. يفقد السكان أحد أهم مقومات الاستقرار النفسي والاجتماعي. وقد يضطر الآباء إلى إخراج أطفالهم في ساعات الليل بحثاً عن مكان أكثر أمناً، فيما تواجه الأسر التي لا تملك المال أو وسائل النقل صعوبة في المغادرة، حتى عندما تشعر بأن البقاء أصبح خطراً. أما كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمرضى والنساء الحوامل، فتكون قدرتهم على الهرب أقل، ويصبحون أكثر عرضة للمخاطر. ولا تنتهي المعاناة بمجرد مغادرة المنزل؛ فالنزوح قد يعني فقدان الممتلكات والوثائق والدواء ومصدر الرزق، والانتقال إلى مكان مزدحم يفتقر إلى المياه والصرف الصحي والرعاية الطبية. وقد تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى الاختيار بين البقاء في منطقة غير آمنة أو التوجه إلى منطقة لا تتوافر فيها مقومات الحياة.
ومن هنا، فإن الحديث عن المسيّرات يجب ألا ينحصر في مداها أو قدرتها التقنية أو أثرها في موازين المواجهة العسكرية. فالتطور التكنولوجي في أدوات الحرب لا يقلل من حجم المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المدنيين، ولا يمنح أي طرف حق التعامل مع المناطق السكنية أو المنشآت المدنية باعتبارها أهدافاً مباحة. إن القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني تفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وتوجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الضرر الواقع على المدنيين. كما تحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي يتوقع أن تسبب أضراراً مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة. وتطبيق هذه المبادئ لا ينبغي أن يكون انتقائياً أو مرتبطاً بهوية الطرف المسؤول. فكل حادثة تحتاج إلى تحقيق جاد ومستقل، وكل ادعاء يجب أن يخضع للفحص، وكل مسؤول تثبت مسؤوليته عن انتهاك يجب أن يواجه المساءلة وفق الإجراءات القانونية.
-
هجمات المسيّرات والمدنيون يدفعون ثمن سياسات البرهان
-
هجمات المسيّرات تضرب البنية التحتية في السودان.. والمدنيون يدفعون ثمن الحرب وسياسات البرهان
وفي هذا السياق، يتحمل الفريق عبد الفتاح البرهان، بوصفه قائد المؤسسة العسكرية ورأس السلطة القائمة في مناطق سيطرة الجيش. مسؤولية سياسية واضحة عن القرارات والاستراتيجيات التي تؤثر في أمن المدنيين، وعن واجب مؤسسات الدولة في حماية السكان وتوفير الخدمات الأساسية. ولا يعني ذلك افتراض مسؤوليته الشخصية المباشرة عن كل هجوم قبل ظهور الأدلة، بل يعني مساءلته عن السياسات العامة، وعن مدى التزام القيادة بواجب حماية المواطنين. وعن قدرة السلطات على منع تكرار الانتهاكات والتحقيق فيها، وعن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب بدلاً من ترك البلاد تنزلق إلى دورة متواصلة من التصعيد والدمار. فالمسؤولية السياسية لا تختفي بمجرد إعلان أن الهجوم وقع في منطقة يصعب الوصول إليها، ولا تنتهي بإلقاء اللوم على ظروف الحرب. ولا تُختزل في بيانات الإدانة التي لا تتبعها إجراءات عملية.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً نتيجة استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة عن أداء وظائفها الأساسية. فالمواطن .الذي يفتقد الكهرباء والمياه والدواء لا تعنيه كثيراً الحسابات السياسية التي تُستخدم لتبرير استمرار القتال، بقدر ما يعنيه أن يجد مستشفى يستقبل مريضه. وسوقاً يستطيع شراء الطعام منه، وبيتاً ينام فيه من دون خوف. والطفل الذي انقطع عن الدراسة لا يستفيد من الخطابات التي تتحدث عن الانتصار ما لم يجد مدرسة آمنة وبيئة تسمح له بالتعلم. والموظف الذي فقد راتبه لا يستطيع مواجهة الغلاء بالوعود، والأسرة التي نزحت من منزلها لا تستطيع العودة بمجرد إعلان السيطرة على منطقة ما إذا كانت الطرق غير آمنة والخدمات غائبة والمنازل مدمرة. إن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي هي أحد أبرز مظاهر الأزمة؛ فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية الناس. لا بمجرد قدرتها على إصدار البيانات أو إدارة المعارك.
-
كيف تحولت مناطق سيطرة الجيش السوداني إلى ساحات للبطش والتنكيل بالمدنيين؟
-
الحراك المدني ومطالب التغيير: لماذا يرفع السودانيون شعار “ارحل يا برهان”؟
وتكشف الأضرار التي تصيب البنية التحتية عن مشكلة أعمق تتعلق بقدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للطوارئ. ففي الظروف الطبيعية، تحتاج المنشآت الحيوية إلى خطط حماية وصيانة وبدائل تشغيلية، أما في زمن الحرب فتزداد الحاجة إلى إجراءات استثنائية تضمن استمرار الخدمات حتى عند وقوع الأضرار. ومن واجب السلطات وضع خطط لإمداد المستشفيات بالطاقة وتوفير مصادر مياه بديلة، وتأمين مخزون من الأدوية والمواد الغذائية الأساسية. وتنسيق عمل فرق الإصلاح والدفاع المدني، وإعلان معلومات واضحة عن المناطق المتضررة وطرق الوصول الآمن إليها. كما ينبغي حماية العاملين في المرافق الحيوية، لأن تعطيل عملهم أو تعريضهم للخطر قد يطيل أمد الأزمة حتى بعد انتهاء الهجوم. وإذا كانت الإمكانات محدودة، فإن الأولويات يجب أن تُحدد وفق احتياجات السكان الأكثر عرضة للخطر، لا وفق الاعتبارات السياسية أو العسكرية وحدها.
ولا يجوز تجاهل الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها الهجمات على المجتمعات. فالعيش تحت التهديد المستمر يجعل النوم صعباً، ويضعف شعور الأطفال بالأمان، ويزيد الضغط على الأسر التي تحاول حماية أفرادها في ظروف غير مستقرة. وقد يعتاد بعض الناس على سماع أصوات الانفجارات أو متابعة الأخبار عن الأضرار، لكن الاعتياد الظاهري لا يعني أن الخوف اختفى أو أن الجروح النفسية التأمت. إن الأطفال الذين يشاهدون تدمير منازلهم أو يفقدون أفراداً من أسرهم يحتاجون إلى حماية ودعم نفسي واجتماعي، كما تحتاج الأسر النازحة إلى بيئة تحفظ كرامتها وتمنع تعرضها للاستغلال. ويجب ألا تُعامل هذه الاحتياجات باعتبارها ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، لأن تجاهلها قد يترك آثاراً طويلة الأمد على جيل كامل.
-
السودان والكيماوي.. اختبار المجتمع الدولي
-
المسيّرات تحصد المدنيين في السودان.. بعثة أممية تحذر من جرائم حرب
وتقع على عاتق الجهات الإنسانية مسؤولية كبيرة في توفير المساعدات للمتضررين. لكن لا يمكن تحميل المنظمات وحدها مهمة معالجة أزمة تتطلب قرارات سياسية وأمنية. فالمنظمات تستطيع تقديم الغذاء والدواء والمأوى، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان سلامة الطرق أو وقف الهجمات أو إعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه على نطاق وطني. كما أن المساعدات لا تصل إلى المحتاجين إذا واجهت فرق الإغاثة عراقيل إدارية أو مخاطر أمنية أو قيوداً على الحركة. ولذلك يجب على السلطات المعنية تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية العاملين فيها، وعدم استخدام الإغاثة أداة للضغط السياسي أو العسكري. وينبغي أن تُتاح المعلومات المتعلقة بالاحتياجات الفعلية للسكان. وأن تُوزع المساعدات وفق معايير إنسانية واضحة، بعيداً عن التمييز على أساس المنطقة أو الانتماء أو الموقف السياسي.
أما المجتمع الدولي، فلا ينبغي أن يكتفي بالتعبير عن القلق كلما تضررت منشأة مدنية أو ارتفعت أعداد النازحين. فالبيانات وحدها لا توفر الكهرباء للمستشفى، ولا تعيد الغذاء إلى الأسواق، ولا تحمي أسرة من فقدان منزلها. المطلوب تحرك منسق يضغط من أجل خفض التصعيد، ويضمن وصول المساعدات، ويدعم التحقيقات المستقلة في الهجمات التي تستهدف المدنيين. ويعمل على منع تدفق ما يغذي استمرار الحرب. كما ينبغي دعم الجهود الرامية إلى استعادة الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية، لأن إعادة بناء المرافق المدنية ليست عملاً إنسانياً فحسب. بل شرط ضروري لعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن أي تحرك خارجي سيظل محدود الأثر ما لم تتوافر إرادة سياسية داخلية تعطي الأولوية لحياة السودانيين على حساب الحسابات الضيقة.
-
السماء المليانة.. الجيش السوداني يرفع سقف الحرب ويتجاهل دعوات السلام
-
مخاطر استخدام الأسلحة الإيرانية ضد المدنيين في السودان
ويجب أن تشمل الاستجابة أيضاً آليات واضحة لتوثيق الأضرار. فكل حادثة يُشتبه في أنها ألحقت ضرراً بالمدنيين تحتاج إلى جمع الأدلة، وتسجيل مواقع الإصابة، وحصر الأضرار التي لحقت بالمنازل والمرافق العامة، والاستماع إلى الشهود، مع مراعاة سلامتهم وخصوصيتهم. وينبغي عدم نشر صور الضحايا أو بياناتهم بطريقة قد تعرضهم لمخاطر إضافية، كما يجب التمييز بين المعلومات المؤكدة والشهادات الأولية والادعاءات التي لم تُتحقق منها الجهات المستقلة. إن التوثيق الجاد لا يخدم طرفاً سياسياً بعينه، بل يحفظ حقوق الضحايا ويساعد على فهم ما وقع وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الانتهاكات. أما التوظيف الدعائي للضحايا، أو تحويل معاناتهم إلى مادة للتنافس السياسي، فلا يخفف الألم ولا يحقق العدالة.
وفي المقابل، فإن وقف الهجمات على المنشآت المدنية يحتاج إلى التزامات عملية قابلة للمتابعة، وليس إلى تعهدات عامة سرعان ما تتراجع أمام تطورات الميدان. يجب حماية محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والأسواق والمساكن، وتجنب استخدام المناطق المدنية في أعمال تعرض السكان للخطر، وتوفير ممرات آمنة لفرق الإسعاف والإصلاح والإغاثة. كما يجب إعلان معلومات موثوقة عن الحوادث، والتعاون مع التحقيقات المستقلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات عندما تثبت الأدلة تورطهم. ولا يمكن ضمان حماية المدنيين عبر مطالبة طرف واحد بالالتزام ثم تجاهل ما يصدر عن بقية الأطراف؛ فالمعيار يجب أن يكون واحداً، والحقوق يجب أن تكون متساوية. وحياة المواطن السوداني لا يجوز أن تصبح أقل قيمة بسبب موقعه الجغرافي أو خلفيته الاجتماعية أو الجهة التي تسيطر على المنطقة التي يعيش فيها.
-
اللعبة العسكرية التركية – الطائرات المسيّرة وتحويل التوازنات
-
أزمة الكهرباء في السودان.. الحرب والفساد وتعثر الإمدادات
لكن السؤال الأهم يبقى: إلى متى سيظل المدنيون يدفعون ثمن استمرار الحرب وتراجع الدولة عن واجباتها؟ إن تدمير منشأة كهرباء قد يستغرق دقائق. بينما قد يحتاج إصلاحها إلى أسابيع أو أشهر، وقد يؤدي تعطل سوق إلى خسارة تجارية لا يمكن تعويضها، وقد يدفع تدمير منزل أسرة كاملة إلى النزوح لسنوات. هذه الخسائر لا تُقاس فقط بقيمة المباني والمعدات، بل بما تتركه من آثار على مستقبل البلاد وقدرتها على التعافي. فكل مدرسة تتوقف عن العمل. وكل مستشفى يفقد قدرته على العلاج، وكل سوق يغلق أبوابه، وكل أسرة تغادر منزلها، تمثل خسارة إضافية في رصيد المجتمع الذي سيحتاج بعد انتهاء الحرب إلى سنوات من الجهد لإعادة بناء الثقة والمؤسسات والاقتصاد.
إن مسؤولية البرهان السياسية تقتضي أن تكون حماية المدنيين جزءاً مركزياً من أي قرار عسكري أو سياسي، وأن تُقدَّم ضمانات واضحة بشأن حماية المرافق المدنية والتحقيق في الأضرار، وأن تُبذل جهود جدية لإنهاء الحرب عبر مسار سياسي يوقف نزيف الدم ويعيد مؤسسات الدولة إلى خدمة المواطنين. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة. والسيطرة على المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الحياة، كما أن استمرار الحرب لا يضمن تحقيق الأمن إذا كان المجتمع نفسه يفقد مقومات البقاء. إن معيار النجاح الحقيقي ليس عدد العمليات التي تُعلن عنها البيانات الرسمية، بل قدرة السودانيين على العودة إلى منازلهم. وإرسال أطفالهم إلى المدارس، والحصول على العلاج والمياه والكهرباء، وممارسة حياتهم من دون خوف من هجوم جديد.
-
كيف تحوّلت قاعدة شرق العوينات إلى رئة تنفس اصطناعي لسلطة بورتسودان؟
-
الجيش السوداني يدفع بتعزيزات كبيرة إلى كردفان.. هل تقترب المعركة الحاسمة؟
وفي النهاية، فإن هجمات المسيّرات التي تطال محطات الكهرباء والأسواق والمساكن. متى ثبت وقوعها وتحددت تفاصيلها، يجب أن تُقرأ في إطار الأزمة الإنسانية الأوسع التي يعيشها السودان، لا باعتبارها مجرد أرقام في سجل العمليات العسكرية. فخلف كل محطة متضررة مرضى يحتاجون إلى العلاج، وخلف كل سوق متوقف أسر تنتظر الطعام، وخلف كل منزل مدمر أطفال فقدوا إحساسهم بالأمان. هؤلاء لا يملكون قرار الحرب، لكنهم يتحملون معظم كلفتها، ولا يشاركون في صياغة الخطابات السياسية التي تبرر استمرارها، لكنهم يعيشون نتائجها كل يوم. ومن هنا، فإن وقف استهداف المدنيين وحماية البنية التحتية وفتح الطريق أمام حل سياسي ليست مطالب ثانوية، بل شروط أساسية لإنقاذ ما تبقى من حياة السودانيين. وأي قيادة تضع مستقبل البلاد في مقدمة أولوياتها مطالبة بأن تثبت ذلك بالأفعال، عبر حماية المواطنين، وتسهيل الإغاثة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. والعمل الجاد على إنهاء الحرب. أما استمرار الدمار، فلن ينتج سوى مزيد من النزوح والفقر وانهيار الخدمات، وسيجعل إعادة بناء السودان أكثر صعوبة وكلفة على الأجيال القادمة.
-
مسيرات وصواريخ وتقنيات متقدمة.. كيف وصلت الأسلحة الإيرانية إلى إخوان السودان؟
-
الجرائم المروعة للطيران المصري ضد المدنيين في السودان وانعدام المساءلة
-
تصاعد استخدام المسيّرات في السودان يخلف مئات الضحايا




