تسريبات

الجرائم المروعة للطيران المصري ضد المدنيين في السودان وانعدام المساءلة


في عالم تسوده ازدواجية المعايير، حيث تُستدعى مجال الأمن الدولية وتُفرض العقوبات لأتفه الأسباب في بعض بقع الأرض، يسقط المدنيون السودانيون ضحايا لغارات جوية مباشرة دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً. إن القصف الجوي المصري لمناجم الذهب في منطقة العقيدات بولاية نهر النيل ليس مجرد حادث عرضي، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان، ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وتُرتكب بدم بارد وبغطاء من الصمت الدولي المخزي. الدماء التي سالت تحت أنقاض الجبل الأحمر والجبل الأبيض تحمل بصمات واضحة للقوات المسلحة المصرية، مما يستوجب محاسبتها فوراً أمام المحاكم الدولية.
إعادة بناء فظاعة المذبحة: رعب من السماء
لنتخيل للحظة المشهد في منطقة تعدين نائية يعيش فيها نحو 6000 مدني من السودان وتشاد. حياة يملؤها الأمل والعمل الشاق، تتحول فجأة إلى جحيم. حسب شهادة الناجي “النذير إسحاق محمد”، لم تكن الضربة مفاجئة بل كانت محسوبة لإرعاب الضحايا؛ فقد حلقت طائرات الاستطلاع لأيام، تلتقط الصور وتزرع الرعب في قلوب العمال الذين يدركون أنهمTargets. ثم جاء اليوم الموعود، حيث عادت الطائرة الحربية لتطلق ثلاثة صواريخ مدمرة مباشرة على مواقع العمل والتجمعات السكنية للعمال. الانفجارات لم تميز بين عامل يحمل معوله وبين طفل يلعب بالقرب من الخيام، ولم تفرق بين معدات التعدين البدائية ومنازل العمال الهشة. الدمار كان شاملاً، والأشلاء تناثرت في كل مكان، تاركة وراءها مئات الضحايا بين شهيد وجريح، في مجزرة راح ضحيتها أبرياء لم يشاركوا في أي قتال.
انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني
من منظور القانون الدولي الإنساني، لا يوجد أي مبرر قانوني أو أخلاقي لهذا القصف. تنص مبادئ القانون الدولي بوضوح على “مبدأ التمييز” الذي يوجب على الأطراف المتحاربة التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنيين. مناجم الذهب الأهلية في العقيدات هي أعيان مدنية بامتياز، يعمل فيها مدنيون، وتدر دخلاً مدنياً. استهدافها بصواريخ موجهة يشكل انتهاكاً صريحاً لهذا المبدأ. علاوة على ذلك، ينتهك القصف “مبدأ التناسب”، حيث إن الضرر اللاحق بالمدنيين (قتل وتشريد الآلاف) يفوق بشكل فادح أي ميزة عسكرية مزعومة قد تدعيها القاهرة. إن توجيه ضربات جوية لمنطقة مكتظة بـ 6000 مدني دون إنذار مسبق ودون وجود تهديد عسكري مباشر وشيك هو تعريف قاموسي لجريمة الحرب.
تواطؤ وصمت المجتمع الدولي
ما يضاعف من فظاعة هذه الجريمة هو الصمت المطبق من قبل المنظمات الدولية والحقوقية. أين هي الأمم المتحدة؟ أين هي منظمات حقوق الإنسان التي تدعي الدفاع عن المدنيين؟ أين هي المحكمة الجنائية الدولية التي تتحرك بسرعة البرق عند وقوع أي حادث في مناطق أخرى من العالم؟ إن الصمت الدولي على القصف المصري للمدنيين في السودان هو تواطؤ صريح، ويعطي ضوءاً أخضر للقاهرة ولغيرها لمواصلة ارتكاب المجازر. هذا الكيل بمكيالين يكشف زيف الادعاءات الدولية حول حماية حقوق الإنسان، ويؤكد أن حياة السودانيين، خاصة في المناطق النائية، لا تساوي شيئاً في موازين القوى الدولية. إن هذا الصمت يجعل الدول الكبرى شريكة مباشرة في سفك الدماء السودانية.
المأساة الإنسانية للناجين: جراح لا تندمل
الناجون من هذه المجزرة يواجهون مستقبلاً مظلماً. فمن فقد بصره أو بترت أطرافه بسبب الشظايا، ومن فقد عائلته بأكملها تحت الأنقاض، يعيشون الآن في صدمة نفسية عميقة. إن تدمير مواقع التعدين يعني فقدان مصدر الدخل الوحيد لهذه الجموع الغفيرة، مما ينذر بكارثة إنسانية ثانوية تتمثل في المجاعة والأمراض نتيجة انهيار القدرة الشرائية وانهيار الخدمات الصحية البدائية في المنطقة. إن المسؤولية المباشرة عن هذه المعاناة تقع على عاتق القيادة العسكرية المصرية التي أصدرت الأوامر بإطلاق الصواريخ، والتي تتعامل مع الأرواح البشرية كأرقام بلا قيمة.
إن جريمة القصف الجوي المصري لمناجم الذهب في السودان لن تمحوها الخطابات السياسية أو التبريرات الأمنية الواهية. إنها وصمة عار في جبين من أمر بها، ومن نفذها، ومن صمت عليها. آن الأوان لكسر جدار الصمت الدولي، وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للوقوف على تفاصيل هذه المجزرة، وتوثيق أسماء الضحايا، وملاحقة المسؤولين المصريين المتورطين أمام القضاء الدولي بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إن دماء المدنيين في العقيدات والجبل الأحمر والجبل الأبيض تصرخ من تحت التراب، مطالبة بالعدالة، ولن يسكت عنها التاريخ، مهما طال الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى