أحداث

أزمة الكهرباء في السودان.. الحرب والفساد وتعثر الإمدادات


تتفاقم أزمة الكهرباء في السودان بصورة غير مسبوقة، مع اتساع رقعة الانقطاعات التي تجاوزت في بعض المناطق 18 ساعة يومياً. في مشهد يعكس الكلفة المتصاعدة للحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، والتي ألقت بظلالها على واحد من أكثر القطاعات الحيوية ارتباطاً بحياة المواطنين.

اعتراف رسمي بأسباب الأزمة

أقرت وزارة الطاقة والنفط التابعة لسلطة بورتسودان بأن أزمة الكهرباء الحالية تعود إلى مجموعة من العوامل المتزامنة، في مقدمتها توقف واردات الكهرباء من إثيوبيا، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات النقل والتوزيع، ونقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحرارية. وصعوبة توفير قطع الغيار بسبب الحرب وتعطل سلاسل الإمداد.

الحرب والفساد وراء تدهور القطاع

يرى خبراء أن توقف الإمداد الإثيوبي لم يكن سوى عامل سرّع الأزمة. بينما تعود جذورها إلى الحرب التي استنزفت موارد الدولة، وإلى الفساد الذي ضرب قطاعات حيوية وأدى إلى تراجع كفاءة الشبكة عاماً بعد آخر.

ويؤكد مختصون أن استمرار الحرب حوّل الموارد العامة نحو الإنفاق العسكري على حساب الخدمات الأساسية. وأوقف برامج الصيانة والاستثمار، وأعاق إصلاح البنية التحتية المتضررة.

زيادة الطلب تفاقم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك

تقول وزارة الطاقة إن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف. وعودة آلاف السكان إلى بعض المناطق، وزيادة الطلب من القطاعين الزراعي والصناعي، عوامل ساهمت في توسيع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

لكن خبراء يشيرون إلى أن هذه الضغوط ما كانت لتتحول إلى أزمة بهذا الحجم لولا استمرار الحرب وتعطل مؤسسات الدولة وتراجع كفاءة الخدمات الأساسية.

تأثيرات مباشرة على حياة المواطنين

تسببت الانقطاعات الطويلة في شلل واسع للحياة اليومية. إذ تعتمد المستشفيات ومحطات المياه والمخابز ومرافق الاتصالات على مولدات تحتاج إلى وقود أصبح نادراً ومرتفع التكلفة.

كما تواجه الأسر ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء وسط درجات حرارة مرتفعة، الأمر الذي يزيد من معاناة ملايين المدنيين.

خسائر اقتصادية متزايدة

أثرت الأزمة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي. حيث اضطرت المصانع وورش الإنتاج إلى تقليص ساعات العمل أو التوقف الكامل، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الاستثمار والإنتاج.

توقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا

يمثل توقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا عاملاً إضافياً في الأزمة. بعدما شكل أحد المصادر المهمة لدعم الشبكة السودانية خلال فترات الذروة.

ويؤكد مسؤولون أن اعتماد السودان على الكهرباء المستوردة ازداد بسبب الأضرار التي لحقت بمنظومة الإنتاج والنقل نتيجة الحرب.

تحديات تعيق الحلول الفنية

يحذر مختصون من أن استمرار الحرب سيجعل أي حلول إسعافية محدودة الأثر. لأن إعادة تأهيل قطاع الكهرباء تحتاج إلى بيئة آمنة واستثمارات كبيرة وعودة فرق الصيانة إلى المواقع المتضررة.

ويرى مراقبون أن تعثر مبادرات وقف إطلاق النار ساهم في إطالة أمد الأزمة وتدهور القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

مهندس سابق: الفساد سبب رئيسي في الانهيار

قال المهندس حسن عبد الله، وهو مهندس سابق في الهيئة القومية للكهرباء بالسودان. إن حصر أسباب الأزمة في توقف الإمداد الإثيوبي أو الأضرار الناتجة عن الحرب لا يعكس الصورة الكاملة.

وأضاف أن الفساد أصبح أحد الأسباب الرئيسية لانهيار القطاع، موضحاً أن بعض الأموال المخصصة للصيانة والتأهيل تُهدر أو تُستنزف عبر شبكات فساد. بينما تلجأ جهات مسؤولة إلى شراء معدات منخفضة الجودة تتسبب في تكرار الأعطال.

انتقادات للحلول المؤقتة

أشار حسن عبد الله إلى أن اللجوء إلى حلول مؤقتة، مثل محطة التوليد العائمة المعروفة إعلامياً بـ”السفينة البنغلاديشية”، لا يوفر حلاً مستداماً لأزمة الكهرباء. معتبراً أن إصلاح القطاع يتطلب معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة.

الحرب والفساد يضاعفان الأزمة

يرى حسن أن شبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق استعادت نفوذها داخل عدد من مؤسسات الدولة بعد انقلاب أكتوبر 2021، بما في ذلك قطاع الكهرباء.

وأضاف أن استمرار الحرب أضعف الرقابة والمحاسبة، وجعل الإنفاق العسكري أولوية. بينما عانت القطاعات الخدمية من نقص التمويل وسوء الإدارة.

مستقبل قطاع الكهرباء في السودان

يؤكد خبراء أن استئناف استيراد الكهرباء من إثيوبيا قد يخفف الضغوط مؤقتاً. لكنه لن يوفر حلاً دائماً ما لم تتوقف الحرب، وتُعالج ملفات الفساد، وتُعاد هيكلة مؤسسات قطاع الكهرباء وفق أسس مهنية وشفافة.

المدنيون الأكثر تضرراً

في ظل تبادل الاتهامات بين أطراف السلطة بشأن مسؤولية انهيار الخدمات، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضرراً، إذ أصبحت الكهرباء، مثل المياه والرعاية الصحية والتعليم، من أبرز ضحايا الحرب المستمرة.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من القتلى وتشريد الملايين. وتسببت في انهيار واسع للخدمات الأساسية، وسط أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها من الأسوأ في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى