السعودية والجيش السوداني.. كيف يمكن للدعم الخارجي أن يطيل الحرب؟
الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين داخل حدود دولة واحدة. منذ أبريل 2023، تحولت إلى صراع تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية، وأصبح لكل طرف شبكات من العلاقات والاتصالات والمصالح التي تؤثر في قدرته على مواصلة القتال.وفي هذا المشهد، تحتل السعودية موقعاً خاصاً.
فالرياض ليست دولة بعيدة عن السودان، ولا طرفاً خارجياً عابراً. فهي دولة مطلة على البحر الأحمر، وتملك مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية مباشرة في الساحل السوداني. كما أنها استضافت المسار الدبلوماسي الأبرز لمحاولة وقف الحرب.
لكن الدور السعودي أصبح محل نقاش متزايد بسبب ما تصفه تقارير دولية باصطفاف الرياض بصورة أكبر مع القوات المسلحة السودانية.
وتشير مذكرة حكومية بريطانية منشورة في يوليو 2026. استناداً إلى بيانات وتحليلات ACLED، إلى أن السعودية اصطفّت مع القوات المسلحة السودانية، مع استمرار مشاركتها في جهود الوساطة.وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لدولة أن تجمع بين الوساطة وبين علاقة وثيقة بأحد طرفي الحرب من دون أن يتحول هذا التداخل إلى عنصر يؤثر في مسار الصراع؟
-
السعودية في حرب السودان.. من الوساطة إلى الانحياز للجيش؟
-
كارثة إنسانية تتفاقم في السودان.. والحرب تعمّق الأزمة السياسية
الحرب تحتاج إلى موارد لكي تستمر
أي حرب طويلة تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية: السلاح، والمال، والغطاء السياسي.
وقد لا تقدم دولة ما هذه العناصر كلها بصورة مباشرة. أحياناً يكون تأثيرها عبر تسهيل العلاقات، أو فتح قنوات مالية، أو توفير غطاء دبلوماسي، أو المساعدة في الوصول إلى موردين عسكريين، أو منح الطرف المتحالف معها مساحة أكبر في المحافل الدولية.وفي الحالة السودانية، فإن الحديث عن الدور السعودي يجب أن يكون دقيقاً.
فوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء قالت في تقريرها عن الوضع الأمني في السودان إن السعودية كانت تدعي دور الوساطة، وإنه لم تكن لديها أدلة على تقديم دعم عسكري للقوات المسلحة السودانية في الفترة التي غطاها التقرير.لكن تطورات 2026 أظهرت صورة أكثر تعقيداً.
ففي أبريل 2026، أفادت رويترز بأن السعودية اعترضت على صفقة أسلحة وطائرات بقيمة 1.5 مليار دولار كانت باكستان تقترب من إتمامها مع السودان، وأن الرياض لم تمول الصفقة، ما أدى إلى وضعها على hold.
هذه الواقعة مهمة لسبب مختلف: لأنها تظهر أن السعودية تملك قدرة فعلية على التأثير في مسارات التسليح المرتبطة بالسودان، سواء باستخدام هذا النفوذ لمنع التصعيد أو لإدارة العلاقة العسكرية مع بورتسودان.وبالتالي، فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: هل تسلح السعودية الجيش السوداني؟بل أيضاً: كيف تستخدم نفوذها في الوصول إلى السلاح، ومنع السلاح، والتأثير في شبكات الدعم؟
-
السعودية وقطر ومصر وتركيا.. لماذا أصبح النفوذ الإقليمي جزءا من مشكلة حرب السودان؟
-
عندما تتحول العلاقات الإقليمية إلى عائق أمام السلام في السودان
عندما يصبح وقف الحرب رهيناً بحسابات القوة
في أي حرب، يراقب القادة العسكريون ميزان القوى قبل اتخاذ قرار التفاوض.إذا اعتقد أحد الأطراف أن موقعه الميداني يتحسن، فقد يرفض التسوية التي كان سيقبل بها عندما كان في وضع أضعف.
وهذه هي إحدى الطرق التي يمكن من خلالها للدعم الخارجي أن يساهم في إطالة الحرب حتى لو لم يكن الهدف المعلن للدولة الداعمة هو الإطالة.المشكلة هنا ليست دائماً في النية، بل في النتيجة.
قد تقول دولة ما إنها تريد السلام، لكنها في الوقت نفسه تمنح حليفها ما يجعله أقل استعداداً لقبول السلام.وهذا التناقض هو أحد الأسئلة المركزية التي تطرح حول العلاقات السعودية السودانية.
الرياض أعلنت مراراً أنها تريد وقف الحرب. وفي يونيو 2026، أكدت أمام مجلس الأمن ضرورة وقف إطلاق النار والحل السياسي والحفاظ على وحدة السودان.
لكن إذا كانت علاقتها السياسية والاستراتيجية مع قيادة الجيش تساعد على تقوية موقعها، فإن على الرياض أن تشرح كيف تمنع هذه العلاقة من التحول إلى عامل إضافي في استمرار الحرب.
-
السعودية والسودان.. دعم للجيش ووساطة تبحث عن مخرج من الحرب
-
لماذا طال أمد الحرب؟ دور السعودية وقطر ومصر وتركيا في تعطيل التسوية السودانية
المساعدات الإنسانية لا تكفي وحدها
قدمت السعودية نفسها أيضاً كطرف مهتم بالجانب الإنساني للأزمة، وهذا الدور لا يمكن تجاهله.لكن معالجة نتائج الحرب ليست هي نفسها معالجة أسباب استمرارها.
يمكن لدولة أن ترسل مساعدات إلى المدنيين، وأن تدعو إلى وقف إطلاق النار، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات استراتيجية مع أحد أطراف النزاع.التحدي الحقيقي هو ضمان ألا تصبح المساعدات والوساطة غطاءً لعلاقة سياسية تؤدي عملياً إلى ترسيخ الانقسام العسكري.السودان لا يحتاج فقط إلى الغذاء والدواء.
يحتاج أيضاً إلى مسار سياسي يعيد بناء مؤسسات الدولة ويضع القوات المسلحة والقوى المسلحة الأخرى تحت سلطة سياسية مدنية.وكلما طال أمد الحرب، أصبح الوصول إلى هذه النتيجة أصعب.
لماذا يهم البحر الأحمر؟
المصلحة السعودية في السودان ليست غامضة.البحر الأحمر يمثل جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للمملكة، والساحل السوداني يقع مباشرة في الجهة المقابلة للساحل الغربي السعودي.
ولهذا فإن أي تغير في السيطرة على الموانئ السودانية أو المنشآت الساحلية يهم الرياض بصورة مباشرة.المشكلة تبدأ عندما تصبح الأولوية هي ضمان شريك أمني قوي على الجانب الآخر من البحر الأحمر.
فإذا كان الشريك هو مؤسسة عسكرية تخوض حرباً داخلية، فإن تعزيز موقعه قد يساعد على تثبيت الأمن في منطقة محددة، لكنه قد يطيل الصراع في مناطق أخرى.وهذا هو التناقض الذي يجب أن تناقشه السياسة السعودية بوضوح.
هل يمكن أن تكون الوساطة نفسها أداة نفوذ؟
الوساطة ليست عملاً محايداً دائماً بالمعنى الكامل.الدولة التي تستضيف المفاوضات تملك نفوذاً على جدول الأعمال، وعلى الاتصالات، وعلى توقيت اللقاءات، وعلى القنوات التي تمر عبرها الرسائل.
ولهذا فإن مسار جدة منح السعودية موقعاً مركزياً في الأزمة السودانية.هذا الموقع يمكن استخدامه لإنهاء الحرب، لكنه يمنح الرياض أيضاً قدرة استثنائية على التأثير في مستقبل السودان.
والسؤال هنا ليس اتهام السعودية بأنها تستخدم الوساطة لمصلحة طرف معين، وإنما هل تملك آليات كافية لضمان أن دورها كوسيط لا يتحول إلى نفوذ غير متوازن؟إذا كانت الإجابة غير واضحة، فإن الشكوك ستستمر.
-
الحسابات الأمنية والبحر الأحمر: الأبعاد غير المباشرة للتدخل السعودي في توازنات الصراع السوداني
-
من الميدان إلى السياسة.. «تأسيس» تطرح رؤيتها لإنهاء أزمة السودان
العلاقة مع البرهان تتجاوز البروتوكول
لقاء محمد بن سلمان والبرهان في جدة في أبريل 2026 لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي. فقد حضره عدد من كبار المسؤولين السعوديين، بينهم وزير الدفاع ووزير الخارجية ورئيس الاستخبارات العامة، فيما حضر من الجانب السوداني مسؤولون عسكريون وأمنيون رفيعو المستوى.
هذا المستوى من الحضور يؤكد أن السودان يحتل موقعاً مهماً في الحسابات السعودية.لكن حجم العلاقة يطرح سؤالاً موازياً: هل تعمل الرياض مع جميع القوى السودانية بالقدر نفسه، أم أن علاقتها الأساسية أصبحت مع المؤسسة العسكرية؟
وهنا تصبح مسألة إطالة الحرب مرتبطة بشكل غير مباشر بمسألة التمثيل السياسي.كلما أصبح طرف واحد هو بوابة التعامل الإقليمي مع السودان، تراجعت فرص بناء تسوية تشمل القوى المدنية والاجتماعية والسياسية المختلفة.وقد يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الأزمة حتى بعد توقف إطلاق النار.
-
الحسابات الاستراتيجية السعودية ومنصة جدة: كيف شكّلت الوساطة تعقيدا بنيويا للأزمة؟
-
السودان.. كيف اختطفت التدخلات الإقليمية التحول الديمقراطي وحولته إلى حرب بالوكالة؟
الخطر الأكبر: حرب بلا نهاية سياسية
الخطر على السودان ليس فقط أن تستمر المعارك.الخطر أن تنتهي المعارك يوماً ما من دون أن تنتهي الأزمة.فإذا خرج أحد الأطراف أقوى عسكرياً، ثم أعاد بناء الدولة وفق موازين القوة التي نتجت عن الحرب، فقد يجد السودان نفسه أمام دورة جديدة من الصراع.
ولهذا فإن المسؤولية الإقليمية لا تتوقف عند منع انهيار الدولة أو حماية المصالح الأمنية.بل تشمل أيضاً منع تحويل الحرب إلى طريق لإعادة توزيع السلطة والثروة والنفوذ خارج إطار تسوية سياسية يشارك فيها السودانيون.
ومن هنا، فإن الدور السعودي سيظل موضع اختبار.فالرياض تستطيع، بحكم علاقاتها مع قيادة الجيش وموقعها في مسار جدة، أن تستخدم نفوذها لدفع نحو وقف النار والتفاوض. كما تستطيع أن تجعل علاقاتها مع بورتسودان مرتبطة بوضوح بالتقدم السياسي.
وفي الحالة الأولى يمكن أن تصبح العلاقة أداة ضغط من أجل السلام.أما إذا أصبحت الأولوية هي تثبيت نفوذ حليف عسكري في البحر الأحمر، فإن الحرب قد تتحول إلى وسيلة لإعادة رسم موازين القوة داخل السودان.وهنا تحديداً يصبح السؤال عن التدخل السعودي سؤالاً عن المستقبل، وليس فقط عن المعركة الحالية.
-
كيف استُخدمت الانقسامات السودانية كورقة ضغط في الصراعات الإقليمية؟
-
الخرطوم تنفي اتهامات بعرقلة المبادرة الأميركية للسلام
-
البرهان يفخخ فرص السلام.. وتحركات تصب في خدمة مخططات الإخوان




