تسريبات

المال والسلاح.. شرايين الحرب السودانية


لم تعد الحرب السودانية، بعد سنوات من اندلاعها، مجرد مواجهة داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع. فمنذ الأيام الأولى للقتال، بدأت الجغرافيا السودانية تفرض نفسها على الصراع، وتحول السودان تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية. فالسودان يقع في موقع بالغ الحساسية بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر، ويمتلك حدوداً مع سبع دول، كما يرتبط بأمن البحر الأحمر وبقضايا النيل وبشبكات التجارة والطاقة والذهب. ولذلك فإن انهيار الاستقرار فيه لا يبقى محصوراً داخل حدوده. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قيمة السودان بالنسبة إلى القوى التي تنظر إليه باعتباره ممراً استراتيجياً أو مصدراً للموارد أو منطقة نفوذ. ومن هنا بدأت الحرب تتحول من صراع على السلطة داخل دولة منهكة إلى صراع تتداخل فيه الحسابات السودانية مع حسابات إقليمية أوسع.

عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، كان السودان يعيش أصلاً أزمة سياسية عميقة. لكن الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم يكن منفصلاً عن البيئة الإقليمية. فالدول المحيطة بالسودان كانت تراقب تطورات المشهد لأنها تعرف أن سقوط الدولة السودانية أو استمرار الحرب سيؤثر مباشرة على أمن حدودها واقتصاداتها وحركة السكان عبر أراضيها. مصر كانت تراقب التطورات من الشمال بسبب الحدود المشتركة وأمن النيل وعلاقتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية السودانية. تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا تأثرت كل واحدة منها بدرجات مختلفة بالنزوح والتجارة والسلاح والحركات المسلحة. أما دول الخليج وتركيا وغيرها، فقد وجدت في السودان مساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. وهكذا لم يكن دخول العامل الخارجي نتيجة مؤامرة واحدة أو خطة موحدة، بل نتيجة تنافس مصالح متعددة حول بلد أصبح الصراع فيه مفتوحاً على الحدود.

https://images.openai.com/static-rsc-4/76ZFAkwuzcErD9rKR7_0nHlQgDjb8cKdvIZFvQTLCLSgaI5nNwdsTDX57mml6f2HXUSf6cWx6DXXa7CCncdafu5cmwqjP-yV-qSkLtZ3rs3wchSJ5Ax5d4OxGZW87uiuEIwxOnCUjYmvHNiYJDOPBgKrKXnJImNK9_XSaeBebEJ81oFWF5LEq_IwS2WZKH-c?purpose=fullsize
6

أهمية السودان الجغرافية هي أول مفتاح لفهم هذا التدخل. فالدولة تطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتقع مقابل شبه الجزيرة العربية، بالقرب من طرق التجارة الدولية التي تربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. ميناء بورتسودان يمثل منفذاً بحرياً رئيسياً للسودان، وقد اكتسب أهمية أكبر منذ اندلاع الحرب بعدما أصبحت الخرطوم ومناطق واسعة من البلاد ساحات قتال. كما أن الساحل السوداني يمنح أي قوة تتمتع بعلاقات استراتيجية مع الخرطوم موقعاً مهماً على البحر الأحمر. ولذلك فإن مستقبل الموانئ السودانية ليس قضية اقتصادية فقط، وإنما قضية أمنية وجيوسياسية ترتبط بحركة التجارة وبأمن الملاحة وبالتنافس الإقليمي على النفوذ في البحر الأحمر.

العامل الثاني هو النيل. السودان يقع بين مصر وإثيوبيا، ويرتبط بشكل مباشر بالنزاع الإقليمي حول مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي. بالنسبة إلى مصر، لا يمكن فصل مستقبل السودان عن أمنها القومي، لأن الحدود الجنوبية الطويلة والأمن المائي والتنسيق العسكري والسياسي مع الخرطوم كلها ملفات مترابطة. أما إثيوبيا، فتتعامل مع السودان من زاوية مختلفة، تشمل الحدود والنيل والنزاعات حول الأراضي الزراعية، إضافة إلى تأثير الحرب على أمنها الداخلي. لذلك فإن أي تغير جذري في موازين القوة داخل السودان يمكن أن ينعكس على التوازن بين القاهرة وأديس أبابا، وهو ما يفسر جزءاً من الحساسية الشديدة التي تحيط بالصراع السوداني.

ثم يأتي الذهب، وهو أحد أكثر عناصر الحرب تعقيداً. السودان من الدول الإفريقية الغنية بالذهب، وقد أصبح هذا المورد خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من اقتصاد الحرب. السيطرة على مناطق التعدين أو طرق نقل الذهب أو شبكات التجارة الخارجية تمنح الأطراف المتحاربة قدرة على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل العمليات العسكرية. ولهذا السبب لا يمكن النظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها خلفية اقتصادية للحرب فقط، بل أصبحت جزءاً من بنيتها. وكلما استطاع طرف أن يضمن تدفق الموارد، تقل حاجته إلى التوصل إلى تسوية سريعة. وفي هذه النقطة تحديداً يظهر الدور الخارجي بصورة أكثر وضوحاً، لأن الذهب السوداني يدخل في شبكات تجارة إقليمية ودولية، ما يجعل الحرب مرتبطة بأسواق ومصالح تتجاوز حدود السودان.

لكن التدخل الخارجي لا يأخذ شكلاً واحداً. هناك دول اختارت التعامل مع الجيش باعتباره المؤسسة الرسمية للدولة، وهناك دول أقامت علاقات مع قوات الدعم السريع أو مع شخصيات مرتبطة بها، وهناك دول حاولت الحفاظ على قنوات اتصال مع الطرفين، فيما فضلت دول أخرى التركيز على الوساطة الدبلوماسية. لذلك فإن الحديث عن “الخارج” باعتباره كتلة واحدة هو تبسيط مخل. المشكلة الحقيقية أن تعدد التدخلات أدى إلى تعدد قنوات النفوذ، وجعل كل طرف سوداني قادراً على البحث عن داعم أو وسيط أو مصدر تمويل خارج الحدود. وبدلاً من أن يكون المجتمع الدولي والإقليمي جبهة واحدة للضغط باتجاه وقف الحرب، ظهرت مواقف متباينة، وأحياناً متعارضة، وهو ما منح أطراف النزاع مساحة للمناورة.

مصر هي المثال الأوضح على ذلك. فالقاهرة تعاملت مع القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة الرسمية للدولة، وأكدت مراراً دعمها لوحدة السودان وسيادته ورفض تقسيمه. لكن أهمية مصر في السودان لا تتوقف عند الموقف السياسي. فالعلاقة بين الجيشين السوداني والمصري قديمة، وهناك روابط عسكرية وأمنية ومؤسساتية قوية. كما أن القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي المباشر. لذلك فإن أي انهيار كامل للدولة السودانية أو سيطرة قوة معادية للمؤسسة العسكرية على مناطق واسعة من البلاد يمكن أن يخلق تهديدات مباشرة على الحدود المصرية. هذا البعد الأمني يفسر كثيراً من المواقف المصرية، لكنه في الوقت نفسه جعل القاهرة طرفاً مهماً في الحسابات السياسية للحرب، حتى عندما تؤكد أنها تدعم الحل السياسي.

https://images.openai.com/static-rsc-4/aRUV-yWIsrcj7rAnrrY04q3nqvnu0yLT6nECARO3DWE3Pn_Na8eP6rg5Sqxm4PepdHdx6zcpbxoMfWNnXoYUfsvCuA6XFmf7osi1_wr03abgQ8PDqDGh9l15nNP5ngx-blp6Zld-FVxzhau41MYjNR8PjJ88aGVoxhO12MnXO2aho1grJqb0vEfGdYSfirlJ?purpose=fullsize

أما تركيا، فقد بنت خلال السنوات التي سبقت الحرب شبكة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع السودان. أنقرة كانت تنظر إلى السودان باعتباره نقطة مهمة في سياستها تجاه البحر الأحمر وإفريقيا، كما طورت علاقات اقتصادية واستثمارية مع الخرطوم. ومع الحرب، حافظت تركيا على اتصالاتها مع مؤسسات الدولة السودانية، وبرز اسمها أيضاً في التقارير المتعلقة بالتعاون العسكري والطائرات المسيرة. غير أن الدور التركي لا يمكن اختزاله في الجانب العسكري؛ فتركيا تحاول في الوقت نفسه الاحتفاظ بموقع دبلوماسي واقتصادي يسمح لها بالتأثير في مستقبل السودان. وهذا النوع من التدخل قد لا يكون دائماً مباشراً، لكنه يضيف لاعباً جديداً إلى المشهد ويزيد من تعقيد الحسابات الإقليمية.

وفي الخليج، تظهر السعودية بصورة مختلفة. الرياض تمتلك مصالح استراتيجية في البحر الأحمر، والسودان بالنسبة إليها ليس مجرد دولة مجاورة، بل جزء من البيئة الأمنية التي تحيط بالساحل الغربي للمملكة. لذلك شاركت السعودية، إلى جانب الولايات المتحدة، في جهود الوساطة بين الجيش والدعم السريع، واستضافت مفاوضات جدة. غير أن الدور السعودي يحمل أيضاً بعداً اقتصادياً واستراتيجياً، فالمملكة لديها مصالح استثمارية وزراعية وأمنية في السودان والمنطقة. وبالتالي فإن السعودية تحاول الموازنة بين حماية مصالحها، ومنع تحول السودان إلى مصدر تهديد إقليمي، ودعم مسار دبلوماسي يمكن أن يؤدي إلى وقف القتال. وهذه المعادلة تجعل الرياض لاعباً مؤثراً، لكنها في الوقت نفسه تعمل داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

قطر بدورها تمتلك تاريخاً مختلفاً في السودان، خصوصاً من خلال دورها في ملف دارفور خلال عهد النظام السابق. الدوحة استثمرت لسنوات في موقع الوسيط الإقليمي، واستضافت مفاوضات وأطلقت مبادرات سياسية مرتبطة بالأزمة السودانية. وبعد اندلاع الحرب، بقيت العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع السودان قائمة، مع استمرار الاهتمام القطري بالملف السوداني. لكن قدرة أي دولة على التأثير في الحرب لا تعتمد فقط على نواياها، وإنما على قدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة. ومع تعدد الوسطاء، أصبح السودان أمام مسارات تفاوضية عديدة، بعضها متوازٍ وبعضها متنافس، وهو ما أضعف أحياناً فكرة وجود جهد إقليمي موحد لإنهاء الحرب.

إلى جانب هذه الدول، دخلت قوى أخرى إلى المشهد بدرجات مختلفة. إيران أعادت بناء علاقاتها مع السودان بعد سنوات من القطيعة، وبرز التعاون العسكري بين الطرفين خلال الحرب، بما في ذلك التقارير المتعلقة بالطائرات المسيرة. روسيا من جهتها تمتلك مصالح استراتيجية في السودان، خصوصاً في البحر الأحمر، إضافة إلى ارتباطها بشبكات الذهب وعلاقاتها التاريخية مع الخرطوم. كما أن ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا تتأثر مباشرة بالتطورات السودانية بسبب الحدود والجماعات المسلحة وحركة اللاجئين والتجارة. وتؤكد دراسات حول الجهات الخارجية في الحرب السودانية أن الصراع أصبح مرتبطاً بشبكة واسعة من الفاعلين الإقليميين والدوليين.

المشكلة هنا ليست مجرد وجود مصالح خارجية؛ فكل دولة في العالم تقريباً تتحرك وفق مصالحها. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المصالح إلى أدوات تساعد الأطراف المتحاربة على تجنب التسوية. فالحرب تحتاج إلى المال والسلاح والطرق اللوجستية والاعتراف السياسي. وإذا استطاع أحد الطرفين الحصول على هذه العناصر من الخارج، فإنه يصبح أكثر قدرة على تحمل الضغوط الداخلية والدولية. وهذا يفسر لماذا لا يؤدي التفوق العسكري بالضرورة إلى إنهاء الحرب، ولماذا يمكن لصراع كان من المفترض أن يحسم خلال أشهر أن يستمر لسنوات.

https://images.openai.com/static-rsc-4/O1xftpFA0bQ5O1YcNq-sLITaf9qiLW3oZpOCW1TfiogNq-fZzubXD3T0dx3NtL5yDV3PO03YM8n_Vzh9U1NhgS5Rt9uBguuFx0sLcFvvXj4psa3onGuOtYPW-uMzB8LO8WYLKyHxUO3LDj5bo1lkgHxYtg6glb9SXhRpCHfYG0-6dYB1M9gfMGy3IZxqcfWQ?purpose=fullsize

وقد أصبح البحر الأحمر أحد أهم المفاتيح لفهم هذا التنافس. المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في الاهتمام الدولي بالموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية. وجود السودان على الضفة الغربية للبحر الأحمر يمنحه قيمة استراتيجية لا تتناسب مع هشاشة اقتصاده أو أزمته السياسية. ولذلك فإن القوى التي تفكر في المستقبل الطويل للمنطقة لا تستطيع تجاهل الخرطوم وبورتسودان. ومن هنا فإن الحرب السودانية أصبحت مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بصراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

لكن المفارقة أن هذا الاهتمام الخارجي لم يتحول حتى الآن إلى قدرة حاسمة على إنهاء الحرب. تعدد المصالح يعني تعدد الرؤى حول شكل السودان الذي يجب أن يخرج من الحرب. دولة تريد بقاء المؤسسة العسكرية قوية، وأخرى تخشى صعود الإسلاميين، وثالثة تهتم بالذهب، ورابعة تنظر إلى الموانئ، وخامسة تخشى موجات الهجرة والإرهاب، وسادسة تريد الحفاظ على استثماراتها. وبين هذه المصالح المتناقضة، يصبح المواطن السوداني هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر.

إن أخطر ما حدث منذ أبريل 2023 هو أن الحرب أصبحت قادرة على إنتاج مصالح جديدة مع مرور الوقت. كلما طال القتال، نشأت شبكات اقتصادية مرتبطة به، وظهرت قوى مسلحة تستفيد من استمرار الفوضى، وأصبحت بعض الحدود مناطق نفوذ، وتحولت موارد الدولة إلى مصادر تمويل. وهنا تتحول الحرب من أزمة يمكن حلها سياسياً إلى اقتصاد سياسي كامل للصراع. وهذا النوع من الحروب يكون أكثر صعوبة في الإنهاء، لأن هناك أطرافاً تبدأ في خسارة مصالحها بمجرد توقف القتال.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: من بدأ الحرب؟ بل أصبح: من يستفيد من استمرارها؟ ومن يملك القدرة على قطع مصادر التمويل والسلاح؟ ومن يستطيع الضغط على حلفائه أو شركائه داخل السودان؟ ومن يستطيع توحيد المبادرات الدبلوماسية بدلاً من توزيعها بين عواصم مختلفة؟ هذه الأسئلة ستحدد مستقبل السودان أكثر من البيانات السياسية وحدها.

الحرب السودانية بدأت بسبب أزمة سودانية، لكن استمرارها لم يعد شأناً سودانياً خالصاً. لقد دخلت إليها حسابات مصر وتركيا والسعودية وقطر وإيران وروسيا وغيرها، كما تأثرت بها دول الجوار، وأصبح البحر الأحمر والذهب والنيل والحدود عناصر في معادلة الحرب. وبينما كان من المفترض أن يدفع التدخل الخارجي نحو وقف القتال، أدى تضارب المصالح في أحيان كثيرة إلى توفير مساحات جديدة للمناورة أمام المتحاربين. وهكذا أصبح السودان ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية، لا فقط على مستقبل الدولة، وإنما على موقعها في خريطة النفوذ الجديدة في إفريقيا والبحر الأحمر.

والمرحلة الأخطر تبدأ عندما يصبح الخارج جزءاً من معادلة البقاء العسكري. عندها لا يعود كافياً إقناع الجيش والدعم السريع بالجلوس إلى طاولة واحدة؛ بل يجب إقناع القوى التي تمتلك نفوذاً عليهما بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم مصالحها. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ستتناوله المقالة المقبلة، من خلال تفكيك الدور المصري والتركي في السودان، سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، وكيف تحولت علاقات البلدين مع الخرطوم إلى جزء من معادلة الحرب والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى