تسريبات

الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني


شهدت الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تحولاً جيوسياسياً وعسكرياً بالغ الأهمية، تمثل في إعادة إحياء العلاقات العسكرية والدبلوماسية بين القوات المسلحة السودانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا التقارب المفاجئ بعد سنوات طويلة من الجفاء وقطع العلاقات لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لضغوط ميدانية هائلة واجهها الجيش السوداني في حربه المستعرة ضد قوات الدعم السريع. ومع استمرار المعارك وتمدد قوات الدعم السريع في مناطق استراتيجية واسعة من العاصمة الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، وجد الجيش نفسه أمام تحدٍ مصيري يتعلق بتأمين مصادر موثوقة ومستمرة للإمداد العسكري، خاصة في ظل القيود الدولية غير المعلنة وصعوبة الحصول على أسلحة نوعية من الحلفاء التقليديين في المنطقة.
تتداخل الدوافع التي قادت القيادة العسكرية في بورتسودان نحو طهران بين الحاجة الميدانية الملحة والرغبة في كسر العزلة الدولية. فالجيش السوداني، الذي يعتمد تاريخياً على عقيدة تسليحية كلاسيكية، واجه صعوبات بالغة في مجاراة التكتيكات القتالية المرنة وحرب العصابات التي تنتهجها قوات الدعم السريع في المدن والمناطق المأهولة. وكان الخيار الأبرز لتعويض هذا النقص في القوة البشرية والتحرك السريع هو اللجوء إلى التكنولوجيا العسكرية الحديثة، وتحديداً سلاح الطائرات المسيرة والأنظمة الصاروخية الذكية. هنا برزت إيران كشريك مستعد لتقديم تسليم فوري ودعم لوجيستي متكامل دون شروط سياسية معقدة ترتبط بملفات حقوق الإنسان أو التحول الديمقراطي، مما جعلها الخيار المثالي لقيادة الجيش في هذه المرحلة الحرجة.
تمثل المظهر الأبرز والأكثر تأثيراً لهذا التعاون العسكري في وصول الطائرات المسيرة الإيرانية من طراز “مهاجر-6” إلى مسارح العمليات في السودان. هذا النوع من المسيرات، الذي أثبت فاعلية في نزاعات إقليمية ودولية أخرى، منح الجيش السوداني ميزة تكتيكية افتقدها في الأشهر الأولى من الحرب. تتميز مسيرات “مهاجر-6” بقدرتها العالية على القيام بمهام المراقبة والاستطلاع الدقيق على مدار الساعة، بالإضافة إلى تزويدها بقنابل موجهة بدقة قادرة على تدمير الآليات المتحركة وتجمعات الأفراد. بفضل هذا السلاح الجوي، تمكن الجيش من رصد وقطع خطوط إمداد قوات الدعم السريع، وتأمين مقرات قيادته الحيوية في أم درمان والخرطوم بحري، مما أدى إلى تغيير ملموس في ديناميكية المعارك البرية لصالح القوات المسلحة.
ولم يقتصر الدعم العسكري الإيراني على مجرد شحن الطائرات والمعدات عبر الجو، بل امتد ليشمل دعماً لوجيستياً واستشارياً متكاملاً على الأرض. وتؤكد تقارير استخباراتية ومراكز دراسات دولية أن الشحنات العسكرية كانت مصحوبة بوصول وفود من الفنيين والمستشارين العسكريين الإيرانيين لتدريب الطواقم السودانية على تشغيل هذه المنظومات المعقدة وصيانتها محلياً. وتعد خطوة نقل تكنولوجيا التشغيل والصيانة حاسمة للجيش السوداني، حيث تضمن له استمرارية استخدام هذه الأسلحة حتى في حال حدوث انقطاع مؤقت في خطوط الإمداد، كما تتيح له دمج هذه التقنيات مع منظومة التصنيع الحربي المحلية التابعة للجيش، والتي تمتلك بنية تحتية سابقة بنيت بالتعاون مع إيران في عقود سابقة.
تثير هذه الشراكة العسكرية المتنامية مخاوف عميقة وقلقاً بالغاً لدى القوى الإقليمية والدولية، لا سيما الدول المطلة على البحر الأحمر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فالوجود الإيراني على الساحل الغربي للبحر الأحمر يُنظر إليه كتهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية وممرات التجارة العالمية، خاصة مع تزامن هذا النفوذ مع الأنشطة العسكرية التي يقوم بها حلفاء إيران في مناطق أخرى من الإقليم. وتخشى القوى الغربية من أن تتحول بورتسودان إلى قاعدة لوجيستية متقدمة للبحرية الإيرانية أو مركز لتهريب الأسلحة ونشر عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، مما يضع الحكومة السودانية تحت طائلة ضغوط دبلوماسية مكثفة ومخاطر فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية إضافية قد تزيد من عزلة البلاد.
في نهاية المطاف، تبدو الاستعانة بإيران بالنسبة لقادة الجيش السوداني كخطوة اضطرارية لا بديل عنها للحفاظ على كيان ومؤسسات الدولة الرسمية ومنع سقوط العاصمة وبقية الولايات في يد قوات الدعم السريع. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها كلفة سياسية واستراتيجية باهظة على المدى الطويل. إن الانخراط الكامل في المحور الإيراني قد يباعد بين السودان ومحيطه العربي والأفريقي الذي يتبنى مواقف حذرة من التمدد الإيراني، كما أنه يخاطر بتحويل الأزمة السودانية الداخلية إلى ساحة صراع دولي بالوكالة، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى والإقليمية على حساب دماء الشعب السوداني واستقرار دولته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى