تسريبات

عندما تتحول العلاقات الإقليمية إلى عائق أمام السلام في السودان


على امتداد أكثر من ثلاث سنوات، تعددت مبادرات السلام الخاصة بالسودان. مفاوضات في جدة، محاولات إقليمية، مبادرات أفريقية، تحركات دولية، اجتماعات متعددة الأطراف، وبيانات متكررة تدعو إلى وقف الحرب.

لكن الحرب استمرت.

هذه المفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: لماذا فشلت الوساطات المتعددة في تحويل الضغط الدبلوماسي إلى وقف مستدام للقتال؟

جزء من الإجابة يرتبط بطبيعة العلاقات بين السودان والقوى الإقليمية، ومن بينها السعودية وقطر ومصر وتركيا.

السعودية هي المثال الأوضح على التناقض بين الوساطة والنفوذ. فقد دخلت منذ البداية في محاولة للتوسط بين الجيش والدعم السريع، واستضافت محادثات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة. وكان الهدف المعلن هو وقف القتال وحماية المدنيين وإيصال المساعدات.

لكن الوساطة لم تمنع استمرار الحرب.

تؤكد وثائق دولية أن الطرفين تعهدا في جدة باحترام القانون الإنساني وتسهيل المساعدات، لكن الالتزامات لم تُنفذ بالشكل الذي يؤدي إلى وقف القتال.

وهذا لا يعني أن السعودية دعمت استمرار الحرب عسكرياً؛ بل إن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أشارت إلى عدم وجود دليل على تقديم السعودية دعماً عسكرياً للجيش. لكنها في الوقت نفسه أشارت إلى علاقاتها الوثيقة السابقة مع كل من البرهان وحميدتي وإلى مصالحها الاقتصادية والأمنية في البحر الأحمر.

وهنا تكمن حساسية الدور السعودي: الوسيط الذي يمتلك علاقات قوية مع أطراف النزاع يستطيع فتح الأبواب، لكنه يحتاج أيضاً إلى استخدام نفوذه لإغلاق باب الحرب.

أما مصر، فاختارت منذ وقت مبكر الاقتراب من المؤسسة العسكرية السودانية. ومن وجهة نظر القاهرة، يرتبط ذلك بأمن الحدود والنيل وبقاء الدولة السودانية موحدة. لكن هذا الخيار جعل القاهرة أقرب إلى أحد أطراف النزاع، وهو ما جعل دورها في الوساطة أقل حياداً من الناحية السياسية.

وفي 2026، ازدادت حساسية الدور المصري مع ظهور تقارير عن نشر طائرات مسيّرة تركية الصنع قرب الحدود السودانية. وذكرت “رويترز” أن خبراء اعتبروا هذه الخطوة مؤشراً إلى انخراط مصري أكثر مباشرة في الحرب، مع استمرار القاهرة في تقديم دعم سياسي للجيش.

تركيا بدورها حافظت على علاقاتها مع الدولة السودانية، وبرز اسمها في مجال التعاون العسكري. وتشير مصادر أوروبية إلى أن القوات المسلحة السودانية عززت قدراتها باستخدام طائرات مسيّرة تركية وإيرانية.

أما قطر، فقد ظلت لاعباً سياسياً مهماً في السودان، وتضعها بعض التحليلات ضمن الدول التي تميل إلى دعم الجيش السوداني، وإن كانت طبيعة هذا الدعم أقل توثيقاً من الحالة المصرية أو التركية في المجال العسكري.

المشكلة إذن ليست في أن هذه الدول الأربع تمتلك علاقات مع السودان. فمن الطبيعي أن تكون للدول المجاورة والقوى الإقليمية مصالح في دولة استراتيجية مثل السودان. المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقات الخارجية مرتبطة باستمرار موازين القوى العسكرية.

فالجيش السوداني عندما يحصل على دعم سياسي وعسكري من أطراف إقليمية متعددة، يصبح أقل اضطراراً إلى تقديم تنازلات عسكرية. وفي المقابل، عندما تحصل قوات الدعم السريع على دعم خارجي، تصبح هي الأخرى أكثر قدرة على رفض التسوية.

وتشير “تشاتام هاوس” إلى أن التدفقات الخارجية للسلاح والتمويل واللوجستيات تمنح طرفي الحرب القدرة على الاستمرار، وتؤثر في حساباتهما بشأن جدوى التفاوض.

وهذا يفسر لماذا لم تكن كثرة المؤتمرات الدولية كافية.

السلام لا يتحقق بمجرد جمع الخصوم حول طاولة. يحتاج إلى تغيير حسابات الأطراف. فإذا كان القائد العسكري يعتقد أن وصول شحنة سلاح جديدة أو طائرات مسيّرة أو دعم سياسي جديد سيحسن موقفه خلال الأشهر المقبلة، فإن حافزه للجلوس إلى الطاولة يتراجع.

وهنا تصبح مسؤولية الدول الإقليمية أكبر.

السعودية، بما تمتلكه من نفوذ دبلوماسي، تستطيع الضغط من أجل وقف النار بدلاً من الاكتفاء باستضافة المحادثات. مصر، بحكم علاقتها الوثيقة بالجيش، تستطيع استخدام هذه العلاقة للضغط على المؤسسة العسكرية باتجاه تسوية سياسية. تركيا تستطيع أن تجعل علاقاتها الدفاعية جزءاً من مسار يهدف إلى وقف التصعيد، وقطر تستطيع استخدام علاقاتها السياسية لدعم مسار سوداني جامع.

لكن هذا يتطلب تغييراً في مفهوم الدور الإقليمي.

فبدلاً من أن يكون السؤال: أي طرف سيكون أقوى بعد الحرب؟ ينبغي أن يصبح: كيف يمكن منع الطرفين من الاعتقاد بأن الحرب ستمنحهما مكاسب أكبر من السلام؟

وهذه نقطة جوهرية، لأن السودان ليس مجرد ساحة للمنافسة الإقليمية. إنه بلد يعيش فيه عشرات الملايين، وقد أدت الحرب إلى نزوح واسع وأزمة غذائية وإنسانية شديدة. وتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 14 مليون شخص نزحوا بسبب الحرب، ما يجعلها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

التدخل السلبي لا يعني بالضرورة أن دولة ما أعلنت رغبتها في استمرار الحرب. يمكن أن يكون التدخل سلبياً بسبب النتيجة غير المقصودة للسياسة.

قد تقول دولة إنها تريد السلام، لكنها تقدم لطرف ما وسائل تجعله أكثر قدرة على القتال. وقد تستضيف دولة مفاوضات، لكنها لا تستخدم نفوذها لفرض الالتزام بالنتائج. وقد تدعم دولة المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن لوحدة الدولة، لكنها بذلك تساعد على استمرار حرب لا يمكن حسمها عسكرياً بسهولة.

هذه هي المفارقة السودانية.

السعودية وقطر ومصر وتركيا ليست وحدها المسؤولة عن استمرار الحرب، ولا توجد أدلة تسمح بوضعها في مرتبة واحدة. لكن أدوارها المختلفة أصبحت جزءاً من البيئة التي يعمل داخلها الطرفان.

ولذلك فإن السلام الحقيقي يتطلب معالجة هذه البيئة، وليس فقط مطالبة الجيش والدعم السريع بالتفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى