تسريبات

السعودية وقطر ومصر وتركيا.. لماذا أصبح النفوذ الإقليمي جزءا من مشكلة حرب السودان؟


في البداية، كان يمكن النظر إلى الحرب السودانية باعتبارها صراعاً داخلياً على السلطة. لكن مع مرور الوقت، أصبح واضحاً أن الحرب تحولت إلى شبكة من المصالح الإقليمية، وأن استمرارها لم يعد مرتبطاً فقط بقرارات البرهان وحميدتي، بل أيضاً بقدرة كل طرف على الحصول على السلاح والدعم السياسي والتمويل والغطاء الخارجي.

ضمن هذه المعادلة، تبرز مصر والسعودية وقطر وتركيا باعتبارها أربع دول لها علاقات مختلفة مع السودان والجيش السوداني.

لا يعني ذلك أنها تتصرف ككتلة واحدة، ولا يعني أن لديها استراتيجية مشتركة لإطالة الحرب. بل العكس: لكل دولة مصالحها وأدواتها وحساباتها. لكن المشكلة أن مجموع هذه التدخلات يمكن أن ينتج نتيجة واحدة: إبقاء أحد طرفي الحرب، أو كليهما، قادراً على مواصلة القتال لفترة أطول.

هذه النتيجة أصبحت أكثر وضوحاً مع دخول الحرب عامها الرابع.

الجيش السوداني حقق مكاسب ميدانية مهمة خلال الحرب، بما في ذلك استعادة الخرطوم، بينما بقي الدعم السريع مسيطراً على مساحات واسعة من غرب السودان. ويظهر تقييم بريطاني لعام 2026 أن البلاد ما زالت مقسمة إلى مناطق نفوذ عسكرية متنافسة، مع استمرار تغير خطوط السيطرة.

هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بقدرات القوات المحلية. فالدعم الخارجي لعب دوراً في تعزيز القدرات العسكرية للطرفين.

بالنسبة إلى مصر، المسألة مرتبطة بأمن الدولة المصرية نفسها. السودان يمثل عمقاً استراتيجياً جنوبياً للقاهرة، كما أن ملف النيل والحدود والتجارة والهجرة والأمن الحدودي يجعل القاهرة معنية مباشرة بمآلات الحرب.

لذلك دعمت مصر سياسياً القوات المسلحة السودانية، وهناك تقارير متعددة عن تقديم دعم لوجستي وتقني وعسكري، رغم نفي القاهرة بعض الاتهامات المتعلقة بالتدخل المباشر. وفي 2026، أثارت تقارير وجود طائرات مسيّرة تركية الصنع في قاعدة مصرية قرب الحدود السودانية تساؤلات جديدة حول مدى انخراط القاهرة في الحرب.

لكن السياسة المصرية تواجه معضلة واضحة: كلما ازداد انخراطها إلى جانب الجيش، أصبح من الصعب النظر إليها باعتبارها وسيطاً مستقلاً بين الطرفين.

تركيا تقدم نموذجاً مختلفاً.

أنقرة بنت خلال السنوات الماضية علاقات واسعة مع السودان، بما في ذلك علاقات دفاعية واقتصادية. ومع الحرب، ظهر استخدام الجيش السوداني لتكنولوجيا مسيّرة تركية. وتشير مصادر أوروبية إلى أن الطائرات التركية والإيرانية ساعدت الجيش على تعزيز قدراته الجوية خلال الحرب.

ولا ينبغي الخلط بين هذا وبين إثبات أن الحكومة التركية تدير العمليات العسكرية للجيش السوداني. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن وجود منظومات تركية في بيئة الحرب يظل عاملاً عسكرياً مهماً.

السعودية، في المقابل، تمثل الجانب الدبلوماسي من المعادلة.

فالرياض استضافت مفاوضات جدة، وحاولت بالتعاون مع الولايات المتحدة الوصول إلى وقف إطلاق النار. كما دخلت لاحقاً في ترتيبات إقليمية أوسع للضغط من أجل التسوية.

لكن تجربة جدة كشفت أن الوساطة وحدها لا تكفي. فقد صدرت تعهدات واضحة من الطرفين، لكنها لم توقف الحرب. وتذكر دراسة للبرلمان الأوروبي أن مبادرات جدة والتزامات مايو ونوفمبر 2023 لم تُحترم، كما فشلت محاولات لاحقة في تحقيق وقف دائم.

وهنا يظهر السؤال الصعب: إذا كانت دولة ما تملك نفوذاً على طرف من أطراف النزاع، فهل يكفي أن تطلب منه السلام، أم يجب أن تربط استمرار الدعم السياسي بتقديم تنازلات واضحة؟

أما قطر، فدورها يقع في منطقة وسطى بين العلاقات السياسية والنفوذ الإقليمي. وتشير تحليلات بحثية إلى أن قطر كانت من الدول التي حافظت على علاقات داعمة للجيش السوداني، إلى جانب مصر والسعودية وتركيا. لكن مستوى الأدلة على الدعم القطري العسكري المباشر أقل وضوحاً من الأدلة المتعلقة بالدور المصري أو استخدام التكنولوجيا التركية.

وهذه نقطة مهمة في أي معالجة صحفية جادة: لا يجوز تحويل التقارير والتحليلات إلى حقائق قطعية.

لكن حتى مع هذا التحفظ، فإن وجود أربع دول إقليمية ذات علاقات قوية مع المؤسسة العسكرية السودانية يطرح سؤالاً سياسياً مهماً: هل ساعد هذا الارتباط الجماعي على تعزيز موقع الجيش في الحرب؟

الإجابة الأدق هي أن الدعم الخارجي عزز قدرة الجيش على الاستمرار، وفق عدة مصادر، لكن مساهمة كل دولة في ذلك مختلفة ولا يمكن قياسها بالطريقة نفسها.

وتشير دراسة حديثة من جامعة جورجتاون إلى أن التدخل الخارجي في الحرب السودانية ساهم في إطالة الصراع وتعقيد المسار الدبلوماسي، وأن الدعم الخارجي للقوات المسلحة السودانية جاء من عدة دول، بينها مصر وتركيا والسعودية وقطر.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب لا يمكن تحميله للخارج وحده. فالجيش والدعم السريع يتحملان المسؤولية الأساسية عن قرارات القتال والانتهاكات التي ارتكبتها قواتهما والقوى المتحالفة معهما. كما أن الصراع له جذور سودانية مرتبطة بفشل الانتقال السياسي وتعدد مراكز القوة العسكرية.

لكن العامل الخارجي جعل المشكلة أكثر صعوبة.

فكلما حصلت الأطراف على دعم خارجي، أصبح من الممكن تعويض جزء من الخسائر. وكلما ظهرت تكنولوجيا عسكرية جديدة، أصبحت العمليات أكثر قدرة على الاستمرار. وكلما تمكن طرف من الحصول على دعم سياسي من دولة إقليمية، أصبح أقل عزلة على المستوى الدولي.

وهكذا تتحول الحرب من صراع يمكن أن ينتهي بتسوية داخلية إلى صراع تتداخل فيه حسابات عدة عواصم.

وهذا هو الجانب الأخطر من التدخل السلبي.

قد لا تكون الرياض أو القاهرة أو الدوحة أو أنقرة راغبة في استمرار الحرب، لكن السياسات التي تنتهجها يمكن أن تنتج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بيئة تسمح باستمرارها.

السعودية لديها الوساطة والنفوذ السياسي. مصر لديها العلاقة الأمنية والعسكرية مع الجيش. تركيا لديها العلاقات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية. قطر لديها النفوذ السياسي والعلاقات الإقليمية.

هذه الأدوات يمكن أن تستخدم في اتجاهين: إما لتعزيز طرف في الحرب، أو للضغط عليه من أجل وقف القتال.

والتاريخ القريب للحرب يظهر أن الخيار الأول، بدرجات مختلفة، ظل حاضراً، بينما لم يصل الخيار الثاني إلى نتيجة حاسمة.

لذلك فإن معالجة الحرب السودانية تتطلب تغييراً في وظيفة التدخل الخارجي. لم يعد كافياً أن تعلن الدول الأربع دعمها لوحدة السودان أو الدعوة إلى وقف إطلاق النار. المطلوب هو استخدام النفوذ الموجود فعلاً من أجل وقف تدفقات السلاح، دعم الممرات الإنسانية، والضغط على الأطراف لقبول عملية سياسية لا تضع المؤسسة العسكرية وحدها في موقع تقرير مستقبل البلاد.

وقد خلصت “تشاتام هاوس” في 2026 إلى أن الدبلوماسية التي لا تعالج تدفق السلاح والتمويل واللوجستيات الخارجية يمكن أن تتحول عملياً إلى عامل يساعد على استمرار الحرب بدلاً من إنهائها.

وهذه ربما هي الخلاصة الأوضح.

السودان لا يحتاج إلى مزيد من القوى الخارجية التي تختار له الطرف الأقوى، بل إلى قوى إقليمية تستخدم علاقاتها مع المتحاربين لإجبارهم على وقف الحرب.

فإذا استمرت مصر في دعم الجيش، واستمرت تركيا في توفير البيئة الدفاعية والتكنولوجية المرتبطة به، وحافظت السعودية على وساطة لا تنتج ضغطاً كافياً، واستمرت قطر في علاقاتها السياسية مع المؤسسة العسكرية، فإن النتيجة قد تكون استمرار قدرة الجيش على الصمود عسكرياً.

وفي المقابل، فإن أي دعم خارجي للطرف الآخر يؤدي الوظيفة نفسها من الجهة المقابلة.

لذلك لا يمكن اختزال المأساة السودانية في دولة واحدة أو طرف واحد. المشكلة هي منظومة التدخلات الخارجية عندما تصبح أقوى من آليات الضغط من أجل السلام.

وإذا أرادت السعودية وقطر ومصر وتركيا أن تتحول من أطراف مؤثرة في البيئة المحيطة بالحرب إلى أطراف مساعدة فعلياً في إنهائها، فإن المعيار سيكون واضحاً: ليس عدد المبادرات والبيانات، بل مقدار ما تستطيع هذه الدول فعله لوقف الدعم العسكري والسياسي الذي يسمح للطرفين بالاعتقاد بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق لهما مكاسب أكبر من التسوية.

وهنا تحديداً تكمن مسؤولية النفوذ الإقليمي: إما أن يصبح أداة لإطالة الحرب، أو يتحول إلى أداة لإجبار المتحاربين على إنهائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى