تسريبات

الحسابات الأمنية والبحر الأحمر: الأبعاد غير المباشرة للتدخل السعودي في توازنات الصراع السوداني


تتجاوز الأبعاد الأمنية للتدخل السعودي في السودان مجرد الدعم العسكري التقليدي، لتمتد إلى حسابات جيوسياسية معقدة تتعلق بأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة النفوذ الإيراني، واحتواء حركات الإسلام السياسي. هذه الحسابات الأمنية العميقة شكلت العدسة التي نظرت من خلالها الرياض إلى الأزمة السودانية، وأثرت بشكل مباشر على ديناميكيات توازن القوى الداخلي بين الأطراف المتحاربة. إن السعي السعودي لتأمين خاصرته الجنوبية وضمان هيمنة حلفائه على ممرات البحر الأحمر، أسهم في خلق بيئة إقليمية سمحت، بل وشجعت في بعض الأحيان، على استمرار الصراع العسكري، مما أطال أمد الأزمة وعقد من مسارات الحل السياسي.
البحر الأحمر كعمق استراتيجي: أولوية الأمن على الديمقراطية
يُعد البحر الأحمر شرياناً حيوياً للأمن القومي السعودي، حيث تمر عبره غالبية التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. لذلك، تنظر الرياض إلى السودان ليس مجرد جار، بل كدولة ساحلية حاسمة في معادلة أمن البحر الأحمر. خلال الأزمة السودانية، كان الهاجس السعودي الأكبر هو السودان في فوضى تفتح الباب أمام قوى معادية (مثل إيران أو جماعات مسلحة عابرة للحدود) للتمركز على السواحل السودانية المطلة على البحر الأحمر. هذه الأولوية الأمنية القصوى دفعت الرياض إلى تفضيل “الاستقرار القمري” أو “الاستقرار العسكري” على حساب التحول الديمقراطي. في الحسابات الأمنية السعودية، الجيش السوداني النظامي، برغم تعقيداته الداخلية، يُنظر إليه على أنه الضامن الأقرب للحفاظ على وحدة الدولة ومنع تفككها، وبالتالي الحفاظ على السواحل من الفوضى. هذا التوجه أدى إلى تقديم دعم سياسي ولوجستي ضمني للجيش السوداني، مما أدى إلى اختلال ميزان القوى في مراحل معينة، وأطال أمد الحرب من خلال منع أي حسم سريع، ودفع الأطراف إلى حرب استنزاف طويلة تخدم في النهاية بقاء الهياكل الأمنية والعسكرية التقليدية.
مكافحة الإرهاب وملف الإخوان المسلمين: تعقيد التحالفات الداخلية
منذ الإطاحة بنظام عمر البشير، كان أحد أهم الملفات الأمنية التي تشغل الرياض هو ملف جماعة الإخوان المسلمين في السودان، والتي كانت تحظى بدعم من أطراف إقليمية أخرى. المملكة العربية السعودية، التي تتبنى موقفاً حازماً من التنظيمات الإسلامية السياسية، نظرت إلى الأزمة السودانية من زاوية مكافحة هذا النفوذ. هذا الموقف أسهم في تعقيد المشهد الداخلي السوداني؛ فالسعودية دعمت التوجهات داخل الجيش السوداني التي تسعى لتفكيك نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم لم يكن موجهاً بالضرورة نحو تمكين المدنيين، بل نحو “تطهير” المؤسسة العسكرية. هذا التدخل في التفاصيل الدقيقة للتحالفات الداخلية للجيش السوداني أدى إلى زيادة الاحتكاك بين الفصائل العسكرية المختلفة (بين من يميلون للإسلاميين ومن يرفضونهم)، مما كان أحد الشرارات الخفية التي غذت الصراع بين الجيش والدعم السريع. إن الانخراط في هذه الصراعات الداخلية الدقيقة أسهم في تأجيج النار بدلاً من إخمادها، وأطال أمد المواجهة.
التسهيلات اللوجستية والممرات الجوية: الدعم غير المباشر
رغم أن المملكة العربية السعودية لم تعلن عن تقديم دعم عسكري مباشر (أسلحة) لأي من طرفي الصراع علناً، إلا أن الأبعاد اللوجستية لدعمها كانت حاسمة. السودان دولة حبيسة جغرافياً إلى حد كبير في ظل إغلاق بعض الحدود، ويعتمد بشكل كبير على الممرات الجوية والبحرية. السماح للطائرات التابعة للجيش السوداني أو المتحالفة معه باستخدام الأجواء أو التوقف في المطارات السعودية لأغراض “الصيانة أو التزود بالوقود” (حتى لو كان تحت مسميات مدنية أو إنسانية)، وفر ميزة لوجستية هامة. علاوة على ذلك، فإن التعاون الاستخباراتي والأمني بين الرياض والخرطوم، والذي يشمل تبادل المعلومات حول تحركات الجماعات المسلحة على الحدود، تم توظيفه من قبل الجيش السوداني لصالحه في الحرب الداخلية. هذا الدعم اللوجستي والاستخباراتي غير المباشر، وإن كان يُبرر سعودياً بأنه يخدم “مكافحة الإرهاب الإقليمي”، إلا أنه في الواقع أسهم في إطالة أمد الصراع الداخلي، حيث زود طرفاً من أطراف الحرب بأدوات لوجستية سمحت له بالصمود لفترات أطول، مما منع الحرب من الوصول إلى نقطة الحسم السريع.
تأثير العسكرة على مستقبل البحر الأحمر
أدى التركيز السعودي على الأمن العسكري للبحر الأحمر إلى تجاهل حقيقة أن استمرار الحرب في السودان هو أكبر تهديد لأمن البحر الأحمر. الحرب أدت إلى تدهور أمني في السواحل السودانية، وانتشار للأسلحة، وتهديد للملاحة الدولية. ومع ذلك، فإن الاستمرار في التعامل مع الأزمة كـ “ملف أمني” يتطلب حلاً عسكرياً أو تسوية بين الجنرالات، بدلاً من التعامل معها كـ “ملف سياسي” يتطلب إشراك القوى المدنية التي تملك مصلحة حقيقية في استقرار البحر الأحمر عبر التنمية والتكامل الاقتصادي. هذا القصور في الرؤية الأمنية، الذي يركز على قصيرة المدى military calculations على حساب long-term (طويلة المدى) political stability، أسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.
إن الحسابات الأمنية السعودية، المرتبطة بشكل عضوي بأمن البحر الأحمر ومكافحة التطرف، شكلت إطاراً قاسياً للتدخل في السودان. هذا الإطار، ورغم مشروعية المخاوف الأمنية التي ينبثق منها، إلا أنه أدى إلى نتائج عكسية على الأرض. من خلال تفضيل الهياكل العسكرية التقليدية، والتدخل في التحالفات الداخلية للجيش، وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي غير المباشر، أسهمت الرياض في خلق ديناميكية معقدة أطالت أمد الصراع. لقد تحول الأمن إلى مبرر لاستدامة الحرب، بدلاً من أن يكون دافعاً للسلام، مما عمق من الأزمة السودانية وجعل الخروج منها أكثر تعقيداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى