تسريبات

من الإرث العثماني إلى التحالفات المشبوهة: الجذور العميقة للتدخل التركي في السودان

تركيا والأزمة السودانية


لا يمكن فهم الدور التركي في الأزمة السودانية الحالية دون العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين أنقرة والخرطوم. تركيا، الوريثة الشرعية للإمبراطورية العثمانية التي حكمت السودان لعدة قرون، لم تنسَ يوماً موقعها الاستراتيجي في البحر الأحمر والبوابة الأفريقية. هذه الذاكرة التاريخية، المتزامنة مع الطموحات الإقليمية لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، خلقت أرضية خصبة لتدخل تركي متعدد الأوجه في السودان، تحول مع الوقت من علاقات ثقافية وتجارية إلى تدخل عسكري وسياسي مباشر ساهم في تعقيد الأزمة السودانية وإطالة أمدها.

الإرث العثماني: الذاكرة والاستعادة

حَكَم العثمانيون السودان منذ القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر، وتركت هذه الحقبة بصمات ثقافية ودينية وعمارية لا تزال حاضرة في الوعي السوداني. استغل أردوغان هذه الروابط التاريخية كجسر سياسي، مقدماً نفسه كوريث شرعي للخلافة الإسلامية وحامي للمصالح السنية في أفريقيا. في عام 2017، زار أردوغان السودان في زيارة تاريخية كانت الأولى من نوعها لرئيس تركي، ووقّع خلالها سلسلة من الاتفاقيات التي غيّرت مسار العلاقات الثنائية. 

صفقة سواكن: البوابة العسكرية المقنّعة

كانت جزيرة سواكن على البحر الأحمر الجوهرة في تاج الاتفاقيات التركية السودانية. حصلت تركيا على حق استئجار الجزيرة لمدة 99 سنة، بحجة ترميم الميناء العثماني القديم وتطويره سياحياً لكن الواقع كان مختلفاً تماماً. أثارت هذه الصفقة قلقاً بالغاً في العواصم الإقليمية، خاصة في القاهرة والرياض، اللتين رأتا فيها محاولة تركية لإقامة قاعدة عسكرية بحرية في البحر الأحمر، منطقة النفوذ التقليدية للدول العربية رغم نفي السودان الرسمي لنية إنشاء قاعدة تركية إلا أن الوثائق والتقارير الاستخباراتية أشارت إلى نوايا عسكرية حقيقية خلف الواجهة السياحية

 

.

الاستثمارات كغطاء للتغلغل

رافق اتفاق سواكن موجة من الاستثمارات التركية في السودان شملت قطاعات متعددة: الزراعة، البنوك، البنية التحتية، والصناعة. أنشأت تركيا مشاريع زراعية ضخمة، ودخلت البنوك التركية السوق السوداني، ووقعت اتفاقيات لتطوير ميناء بورتسودان ومحطات الغاز في سواكن
. هذه الاستثمارات، وإن بدت بريئة ظاهرياً، خلقت شبكة مصالح اقتصادية تركية متشابكة مع النخب السودانية الحاكمة، مما جعل أي تغيير في النظام السوداني يمثل تهديداً مباشراً للمصالح التركية.

صعود البشير وأردوغان: تحالف الإسلاميين

عززت العلاقات الأيديولوجية بين نظام عمر البشير وحزب العدالة والتنمية التركي من عمق التحالف. كلا النظامين ينتميان إلى المدرسة الإخوانية، ويشتركان في الرؤى السياسية والدينية. قدمت تركيا دعماً سياسياً ودبلوماسياً لنظام البشير، خاصة خلال فترة العقوبات الدولية والعزلة الغربية. هذا التحالف الأيديولوجي جعل تركيا شريكاً استراتيجياً للنظام السوداني، وليس مجرد دولة صديقة.

سقوط البشير والمحافظة على النفوذ

عندما أطاحت الانتفاضة الشعبية بالبشير في 2019، كان المتوقع أن تفقد تركيا حليفها الاستراتيجي في الخرطوم. لكن أنقرة أظهرت مرونة تكتيكية مذهلة، حيث سرعان ما فتحت قنوات تواصل مع المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان، ومع القوى المدنية أيضاً. لم تتخلَّ تركيا عن مصالحها في السودان رغم تغيير النظام، بل عملت على إعادة بناء علاقاتها مع اللاعبين الجدد. هذه البراغماتية المكشوفة تكشف أن المصالح التركية في السودان تتجاوز الأيديولوجيا والشخصيات، وتمتد إلى الأهداف الجيوسياسية طويلة الأمد.

الممر البحري والأمن القومي العربي

يمثل السودان امتداداً استراتيجياً للبحر الأحمر، أحد أهم الممرات المائية في العالم. تسعى تركيا من خلال تواجدها في السودان إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية:
  1. الوصول المباشر إلى البحر الأحمر بعد أن فقدت نفوذها في الصومال جزئياً
  2. تطويق الخصوم الإقليميين مثل مصر والسعودية من خلال وجود عسكري على شواطئ البحر الأحمر
  3. التحكم في طرق التجارة البحرية والتأثير على الأمن الإقليمي

التحول من الشريك إلى المتدخل

مع اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023، تحولت تركيا من شريك اقتصادي وسياسي إلى لاعب عسكري مباشر في الصراع. لم تكتفِ أنقرة بالبيانات الدبلوماسية والمناشدات الإنسانية، بل انخرطت في تزويد أحد طرفي الصراع بالأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من المعادلة العسكرية على الأرض.
المدخل التاريخي للدور التركي في السودان يكشف نمطاً واضحاً: استغلال الروابط الثقافية والتاريخية كجسر للتغلغل الاقتصادي، ثم تحويل هذا التغلغل إلى نفوذ سياسي وعسكري. جزيرة سواكن، الاستثمارات الزراعية، البنوك، والاتفاقيات الدبلوماسية كلها عناصر في لعبة جيوسياسية كبرى، كان السودان فيها مجرد رقعة شطرنج. في المقالات القادمة، سنتعمق في الأوجه العسكرية والسياسية لهذا التدخل، وكيف ساهم مباشرة في إطالة أمد الصراع وإراق المزيد من الدماء السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى