تسريبات

كيف أفشلت التدخلات التركية جهود التسوية الدولية بالسودان؟


منذ اندلاع الحرب في السودان، تضافرت الجهود الدولية والإقليمية لإيجاد مسار سياسي ينهي الصراع. فقد انطلقت مبادرات من جدة برعاية سعودية وأمريكية، ومحاولات من الاتحاد الإفريقي، ومنظمات دولية مثل الأمم المتحدة. إلا أن كل هذه الجهود اصطدمت بجدار سميك من التعنت العسكري، والرفض المتكرر لوقف إطلاق النار. وفي قلب هذا الفشل المتكرر للمسار السياسي، يقف التدخل التركي كعامل رئيسي في تعقيد المشهد. فمن خلال دعمها المطلق للجيش السوداني، وتغليبها للخيار العسكري، وفرت أنقرة الغطاء اللازم للأجنحة المتشددة داخل المؤسسة العسكرية لرفض التسويات، مما حول المسار السياسي إلى مجرد واجهة شكلية تخفي حرباً مفتوحة.

تمكين الجناح المتشدد ورفض التسويات
 
أبرز ما ساهم به التدخل التركي في إفشال المسار السياسي هو منحه للجيش السوداني “الضمانات” التي يحتاجها لرفض التنازلات. في العديد من جولات التفاوض، خاصة في منصة جدة، كان الجيش السوداني يطرح شروطاً تعجيزية، مثل دمج المليشيات في الجيش دون ضمانات حقيقية، أو رفض أي دور للقوى المدنية في المرحلة الانتقالية. هذا التعنت لم يكن ليستمري لولا الثقة العمياء التي منحها الدعم التركي (السلاح، المسيرات، الغطاء السياسي) للقيادة العسكرية، بأن النصر العسكري قريب وأن التفاوض هو “خيانة” أو “تضييع للوقت”. لقد استخدمت أنقرة نفوذها لضمان بقاء الحلفاء الأيديولوجيين في مواقع القرار داخل الجيش، مما أغلق الباب أمام المعتدلين أو المنادين بالحلول السياسية.
تضارب الأجندات الإقليمية وتعطيل الإجماع الدولي
 
تعقد جهود الوساطة الدولية بسبب تعدد الأطراف المؤثرة وتباين مصالحها، وهنا يبرز الدور التركي كعامل “تعطيل” للإجماع. بينما تسعى دول ومحاور إقليمية أخرى إلى إيجاد تسوية تضمن استقرار السودان، وتحد من نفوذ التيارات الإسلامية المتشددة التي قد تهدد أمنها القومي، تتبنى تركيا أجندة مختلفة تماماً. أنقرة ترى في بقاء الحلفاء في الخرطوم ضرورة لأمنها القومي وطموحاتها الإقليمية. هذا التضارب في الرؤى يجعل من المستحيل تقريباً تشكيل جبهة دولية موحدة تضغط على الأطراف المتحاربة. فكلما حاولت آلية دولية (مثل الأمم المتحدة أو الرباعية العربية) فرض عقوبات أو شروط لوقف النار، تجد تركيا (ومعها حلفاؤها الأيديولوجيون) طرقاً للالتفاف على هذه القرارات، أو تقديم الدعم اللوجستي الذي يبطل مفعول الضغوط الدولية.
تغييب المكون المدني وتدمير البديل السياسي
 
من أكبر تحديات المسار السياسي في السودان هو تهميش القوى المدنية والديمقراطية. التدخل التركي، وبدعمه للجيش وتياراته المحافظة، ساهم بشكل مباشر في تهميش “الحرية والتغيير” والقوى المدنية الأخرى. فالرسالة التي وجهتها أنقرة عبر دعمها العسكري كانت واضحة: الحل في السودان هو حل عسكري/أمني، وليس حلاً مدنياً ديمقراطياً. هذا الموقف شجع الجيش على التعامل مع المدنيين كشركاء ثانويين أو حتى كأعداء، مما دمر أي فرصة لبناء تحالف مدني عريض يمكن أن يضغط من أجل السلام. إن إفشال المسار السياسي ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل هو تدمير ممنهج للبديل الديمقراطي، وإرغام السودانيين على الاختيار بين “عسكريين” متحاربين، كلاهما يفتقر إلى الشرعية الشعبية.
وهم النصر العسكري كعدو للسلام
 
أخيراً، فإن التدخل التركي خلق “وهم النصر” الذي يعد أخطر عدو لأي مسار سياسي. عندما يتدفق السلاح والمسيرات بشكل مستمر، يحسب كل طرف أنه يملك القدرة على سحق الآخر في المعركة القادمة. هذا الحساب الخاطئ، الذي تغذيه التقارير الاستخباراتية التركية والدعم اللوجستي، يجعل من “التنازل” في طاولة المفاوضات أمراً مستحيلاً. لقد حولت تركيا الصراع إلى لعبة محصلتها صفر، حيث لا يمكن لأي طرف أن يقبل بحل وسط لأنه يظن أن الدعم الخارجي سيمنحه السيطرة الكاملة. هذا الوهم هو السبب الرئيسي في فشل جميع مبادرات وقف إطلاق النار، وفي استمرار الدمار حتى اليوم.
إن تحليل تحديات المسار السياسي في السودان يكشف بوضوح كيف ساهم التدخل التركي في إفشال جهود التسوية الدولية. فمن خلال دعمها العسكري والسياسي للجيش السوداني، وتغليبها للخيار العسكري على حساب الحل السياسي، وفرت أنقرة البيئة الخصبة لاستمرار الحرب. إن تعقيد الأزمة السودانية لن يُحل بمجرد الجلوس على طاولات التفاوض، بل يتطلب معالجة جذرية للتدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، والضغط نحو وقف فوري لتدفق السلاح، وإجبار الأطراف على العودة إلى مسار سياسي حقيقي يعيد السلطة للشعب السوداني، ويضع حداً لطموحات القوى الإقليمية التي تتخذ من السودان وقوداً لمشاريعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى