تسريبات

كيف تسهم الطموحات التركية والتقاطعات الإقليمية في إعاقة السلام بالسودان وصناعة بيئة صراع مستدام؟


لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد مواجهة مسلحة عابرة بين جنرالين يتنازعان السيطرة على العاصمة الخرطوم، بل تحولت بمرور السنوات إلى واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والإنسانية في القرن الحادي والعشرين. وتأتي جمهورية تركيا في طليعة القوى الإقليمية التي مارست أدواراً مزدوجة في هذه الأزمة؛ فخلف واجهة المساعدات الإنسانية والوعود الدبلوماسية، تكمن أجندة أمنية واقتصادية تهدف إلى انتزاع نفوذ استراتيجي في البحر الأحمر وإفريقيا.
إن القراءة المتعمقة لملف التدخل التركي والفاعلين الإقليميين الآخرين تكشف كيف أسهمت هذه الأدوار في تفكيك الدولة السودانية، وإعادة تشكيل توازناتها الداخلية بما يخدم مصالح الخارج، ويقوض تماماً فرص صياغة مسار سياسي وطني يقود البلاد نحو الاستقرار والسلام المستدام.
تعدد الأدوار الإقليمية في الأزمة السودانية: مشهد المصالح المتضاربة والامتداد الخارجي
يمثل السودان نموذجاً صارخاً لـ “الصراع الدولي المتعدد الأطراف”، حيث تلاقت وتصادمت على أراضيه استراتيجيات إقليمية ودولية متباينة بالكامل. لقد أسهم تعدد الفاعلين الإقليميين في إخراج الأزمة من سياقها المحلي وتحويلها إلى أزمة مركبة ومتعددة الأبعاد السياسية والدبلوماسية والعسكرية. لم تكتفِ دول الجوار والقوى الإقليمية الكبرى بمراقبة الأحداث، بل انخرطت بنشاط في دعم حلفاء محليين لحماية استثماراتها الاقتصادية، أو لتأمين حدودها، أو لمنع صعود تيارات سياسية معينة.
تركيا، من جانبها، دخلت هذا المعترك انطلاقاً من رؤية استراتيجية أوسع لرئيسها رجب طيب أردوغان، تسعى لتعزيز الحضور التركي العسكري والاقتصادي في القارة الإفريقية لمنافسة القوى التقليدية. هذا التعدد الجيوسياسي أوجد مشهداً شديد التعقيد؛ فبينما تقف مصر وتركيا في مربع يدعم مؤسسة الجيش السوداني لأسباب تتعلق بالشرعية وأمن الحدود والمصالح البحرية، نجد في المقابل محاور إقليمية أخرى قدمت دعماً مالياً ولوجستياً كبيراً لقوات الدعم السريع. هذا التضارب الصارخ في الأهداف والمصالح خلق حالة من الاستعصاء السياسي والعسكري، حيث تملك كل دولة متدخلة القدرة على إفشال أي مبادرة سلام لا تلبي طموحاتها الخاصة، مما جعل الساحة السودانية رهينة لتوافقات خارجية بعيدة المنال.
تأثير الدعم والتدخلات غير المباشرة على مسار النزاع: إشعال الجبهات بالوكالة
إن تتبع مسار السلاح والتمويل يكشف بوضوح كيف أسهم الدعم غير المباشر في تغذية النزاع وإطالة أمده بشكل مأساوي. لقد تجلى الدور السلبي التركي في تقديم حزم دعم عسكري تكنولوجي متطور للجيش السوداني، تمثلت بشكل أساسي في طائرات بدون طيار “مسيرات” متطورة ومنظومات اتصالات وتشويش إلكتروني. هذا التدخل العسكري النوعي، رغم محاولات إخفائه وراء صفقات تجارية عبر شركات دفاعية خاصة تابعة لدوائر الحكم في أنقرة، أحدث تحولاً كبيراً في تكتيكات الحرب.
لم يفضِ هذا الدعم التركي إلى تحقيق استقرار أو حسم سريع، بل أدى مباشرة إلى عسكرة مفرطة للنزاع وزيادة هائلة في أعداد الضحايا من المدنيين جراء الضربات الجوية المكثفة والقصف المدفعي المستند إلى إحداثيات الطائرات المسيّرة. كما أن التدخل غير المباشر شمل توقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية لتمويل عمليات الجيش من خلال صادرات الذهب والموارد السودانية، وتأمين خطوط إمداد عبر موانئ البحر الأحمر. إن هذا النمط من التدخلات قوض ديناميكيات التوازن الداخلي؛ حيث شعرت قيادة الجيش بالاستغناء عن تقديم أي تنازلات سياسية أو القبول بهدنة إنسانية حقيقية، معتقدة أن التكنولوجيا العسكرية التركية كفيلة بسحق الخصوم، وهو ما أثبتت الأيام زيفه، حيث تحولت المدن السودانية إلى ركام مستمر وصراع استنزاف طويل.
إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان: صياغة تحالفات جديدة ومستدامة للحرب
أحدثت التدخلات الإقليمية، وفي القلب منها التحركات التركية، تغييراً جذرياً في هندسة القوة داخل المجتمع والدولة السودانية. لقد أسهم الدعم الخارجي في إعادة رسم خريطة النفوذ الداخلي وتفتيت الكيانات السياسية والعسكرية التقليدية. فمن خلال حصر التعامل الدبلوماسي والعسكري مع مجلس السيادة التابع للجيش في بورتسودان، ساعدت أنقرة على إضفاء شرعية أمر واقع على سلطة عسكرية ترفض تقديم تنازلات للمكون المدني.
انعكس هذا التحرك سلباً على استمرارية الصراع والتحالفات الداخلية من خلال عدة نقاط:
  • تعميق الانقسام العسكري والسياسي: خلق الدعم الخارجي استقطاباً حاداً جعل من المستحيل التفكير في دمج الجيوش أو توحيد القوات المسلحة تحت قيادة مدنية، نظراً لارتباط كل فصيل بأجندة ومصالح مموله الخارجي.
  • تغذية اقتصاد الحرب: تحولت الاتفاقيات التجارية، مثل بروتوكول التوأمة بين ميناء مرسين التركي وميناء بورتسودان في أواخر عام 2025، إلى أدوات لبناء شبكات مصالح مالية مغلقة يستفيد منها أمراء الحرب والمقربون من السلطة العسكرية، مما يجعل السلام مهدداً لمصالحهم الاقتصادية الجديدة.
  • إقصاء القوى المدنية: أسهم التركيز التركي والإقليمي على البعد العسكري والأمني في تهميش القوى السياسية المدنية وحركات المجتمع المدني التي قادت ثورة ديسمبر، وتحويل الصراع إلى معادلة صفرية بين قوى السلاح فقط.
  • تشظي الحركات المسلحة: أدى التدخل الخارجي إلى انقسام الحركات المسلحة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق بين مؤيد للجيش وطامع في السلاح التركي، وبين متحالف مع الدعم السريع، مما يهدد بتفتيت السودان إلى دويلات متحاربة.
انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي والدولي: تمدد الهشاشة وتحديات الجيوسياسية
لم تعد تداعيات الحرب السودانية محصورة داخل حدود الخرطوم أو دارفور، بل باتت تشكل تهديداً مباشراً وداهماً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. إن سعي تركيا لفرض نفوذها عبر عقيدة “الوطن الأزرق” البحرية، ومحاولاتها المتكررة للوصول إلى اتفاقيات تمنحها تواجداً دائماً في سواحل السودان (مثل جزيرة سواكن وميناء بورتسودان)، حوّل منطقة البحر الأحمر إلى بؤرة ملتهبة للتنافس العسكري الدولي. هذا التواجد الأمني التركي يتقاطع بشكل حاد مع مصالح دول كبرى وإقليمية ترى في البحر الأحمر مجالاً حيوياً لأمنها القومي وقنوات تجارتها العالمية.
على الصعيد الإنساني والأمني، أفرز الصراع المستدام أزمة نزوح ولجوء هي الأكبر عالمياً، حيث فر ملايين السودانيين عبر الحدود نحو دول الجوار الإفريقي التي تعاني أساساً من انهيارات اقتصادية وسياسية. هذا التدفق البشري الهائل يسهم في نقل الهشاشة الأمنية، وتعميق النزاعات العرقية العابرة للحدود، وزيادة الضغط على الموارد الشحيحة في تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا. علاوة على ذلك، فإن غياب السيطرة الأمنية للدولة السودانية وتسرب الأسلحة المتطورة، بما فيها الأسلحة التركية التي رُصدت في أيدي فصائل بجنوب السودان ومنطقة الساحل، يوفر بيئة مثالية لنمو الجماعات الإرهابية السلفية والجهادية، وشبكات الجريمة المنظمة، وتهريب البشر، مما يهدد بتحويل منطقة القرن الإفريقي والساحل بأكملها إلى منطقة فوضى عارمة خارجة عن السيطرة الدولية.
تحديات المسار السياسي الدولي: تضارب الأجندات وغياب التوافق الشامل
يقف المسار السياسي الدولي لحل الأزمة السودانية أمام طريق مسدود، وتتضاعف تحديات الوصول إلى تسوية سلمية شاملة يوماً بعد آخر في ظل التناقض الصارخ والمصالح المتباينة للأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة. إن المبادرات الدولية، سواء تلك التي تقودها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية عبر منبر جدة، أو جهود الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد، تجد نفسها مشلولة وغير قادرة على فرض إرادتها على الأرض. ويعود هذا الفشل البنيوي إلى أن الأطراف السودانية المتحاربة تجد في الدعم اللوجستي والدبلوماسي المقدم لها من قوى كتركيا وغيرها مظلة تحميها من العقوبات الدولية وتمنحها القدرة على رفض شروط السلام.
تطرح تركيا نفسها بشكل مستمر كجهة تسهيل وحوار وتعلن استعدادها للتوسط بين الجيش والأطراف الإقليمية الأخرى. ومع ذلك، فإن هذه التحركات الدبلوماسية تواجه تحدي “فقدان الحياد الثقة”، حيث لا يمكن لطرف يخرق حظر توريد الأسلحة الدولي ويقدم طائرات مسيّرة فتاكة لأحد طرفي النزاع أن يقدم نفسه كوسيط نزيه ومقبول من الجميع. هذا التباين الحاد في المصالح والتحالفات الإقليمية يحول دون صياغة رؤية دولية موحدة تجاه السودان في مجلس الأمن الدولي، ويجعل من جهود الوساطة مجرد مناورات دبلوماسية مفرغة من مضمونها. وفي ظل هذا الاستعصاء الدولي والإقليمي، تصبح آفاق الحل السياسي بعيدة المنال، ويتحول السودان ببطء ولكن بثبات إلى صراع منسي ومستدام، يديره فاعلون خارجيون يبحثون عن مصالحهم الضيقة على حساب دماء ومستقبل الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى