تسريبات

الحسابات الاستراتيجية السعودية ومنصة جدة: كيف شكّلت الوساطة تعقيدا بنيويا للأزمة؟


لم تكن الأزمة السودانية التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (الجيش) وقوات الدعم السريع مجرد صراع داخلي على السلطة، بل كانت انعكاساً لتداخلات إقليمية ودولية معقدة. وفي خضم هذا الصراع، برزت المملكة العربية السعودية، بالشراكة مع الولايات المتحدة، كفاعل رئيسي في محاولة احتواء الأزمة من خلال استضافة “منصة جدة”.
ورغم أن الدافع المعلن للوساطة السعودية كان إنسانياً في البداية (تسهيل إجلاء الدبلوماسيين والمواطنين)، إلا أن التحول نحو المسار السياسي كشف عن حسابات استراتيجية عميقة. هذا المقال يستكشف كيف ساهمت المقاربة السعودية، من خلال تصميمها لمنصة جدة وتقاطعها مع التحالفات الإقليمية، في تعقيد البنية التفاوضية للأزمة، مما أدى إلى إطالة أمد الصراع بدلاً من حسمه.
من الإخلاء إلى الوساطة: التحول في المقاربة السعودية
في الأسابيع الأولى للاقتتال، كان التركيز السعودي منصباً على تأمين البحر الأحمر وممرات الملاحي، بالإضافة إلى حماية المصالح الاقتصادية والاستثمارية للمملكة في المنطقة. ومع تعذر الوصول إلى الخرطوم، أصبحت جدة المحطة الآمنة لآلاف السودانيين الفارين، مما فرض على الرياض التعامل مع الأزمة كملف أمني داخلي مرتبط بأمنها القومي المباشر. ومع ذلك، عندما تحولت الأزمة من معركة شوارع في الخرطوم إلى حرب استنزاف إقليمية، قررت السعودية قيادة المسار التفاوضي. المشكلة البنيوية الأولى التي ساهمت في تعقيد الأزمة كانت “منصة جدة” نفسها. فقد صُممت المنصة لتكون قناة اتصال مغلقة بين طرفي الصراع العسكريين فقط (البرهان وحميدتي)، مع تهميش شبه كامل للفاعلين المدنيين السودانيين (مثل قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين) وللقوى الإقليمية الأخرى مثل “الهيئة الحكومية للتنمية” (إيقاد). هذا التصميم أحادي الجانب أعطى طرفي الحرب “شرعية دولية” كمتحاورين وح الوحيدين، مما عزز قناعتهما بإمكانية تحقيق مكاسب عسكرية تفرض واقعاً على الأرض، بدلاً من البحث عن تسوية سياسية شاملة تتضمن المدنيين.
التحالف السعودي- المصري وتأثيره على إطار التفاوض لا يمكن فهم المقاربة السعودية بمعزل عن تحالفها الاستراتيجي مع مصر. القاهرة، التي تعتبر أمن السودان امتداداً مباشراً لأمنها القومي (خاصة فيما يتعلق بمياه النيل وملف سد النهضة)، كانت تنظر بعين الريبة إلى “قوات الدعم السريع” باعتبارها قوة غير نظامية ترتبط بشبكات معقدة (بما في ذلك علاقات سابقة مع مجموعة “فاغنر” الروسية)، وتهدد استقرار الحدود المصرية. في المقابل، كانت السعودية تتبنى بشكل ضمني الرؤية المصرية الداعمة لمؤسسة “الجيش النظامي” كضامن لاستقرار الدولة، مع التحفظ على التيارات الإسلامية التي تتداخل مع بعض أجنحة الجيش. هذا التقارب السعودي- المصري خلق إطاراً تفاوضياً في جدة يميل نحو “تجميد” الصراع بدلاً من حسمه لصالح طرف على حساب الآخر، أو نحو فرض تسوية تحافظ على هيكل الدولة الأمني القديم. لكن هذا الإطار اصطدم بواقع ميداني مختلف.
النتيجة كانت سلسلة من “وقفات إطلاق النار الإنسانية” التي كان ينتهكها الطرفان فوراً، مما أعطى كل جانب الوقت لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية واستجلاب المزيد من العتاد، مما أطال أمد الحرب بشكل دراماتيكي.
إطالة أمد الصراع: عندما تصبح الوساطة أداة لإدارة الوقت
من الناحية النظرية في العلاقات الدولية، قد تؤدي الوساطات التي تفتقر إلى آليات ضغط إلى إطالة أمد الصراعات. منصة جدة نجحت في منع انهيار الدولة السودانية بشكل كامل (وهو هدف سعودي بالغ الأهمية لحماية مشاريع البحر الأحمر)، لكنها فشلت في فرض تكلفة باهظة على طرفي الحرب لوقف القتال. التركيز المفرط على “التهدئة الإنسانية” و”حماية المدنيين” كخطوة أولى، دون الربط المباشر بـ”الجدول الزمني للانسحاب العسكري” و”تفكيك المليشيات”، أعطى الطرفين ذريعة للتهرب من الاستحقاقات السياسية. لقد أصبحت جدة منصة لتبريد الغضب الدولي، حيث يذهب الطرفان للتفاوض لالتقاط الصور التذكارية والضغط على المبعوثين الدوليين، ثم يعودان إلى جبهات القتال في دارفور والجزيرة والخرطوم. هذا الديناميكية حوّلت الوساطة السعودية إلى جزء من معادلة إطالة أمد الصراع، حيث أصبح الصراع نفسه مصدراً للربح والنهب لكلا الطرفين، وأصبحت المفاوضات غطاءً دولياً لاستمرار الحرب.
ساهمت الحسابات الاستراتيجية السعودية، والتي تركزت على أمن البحر الأحمر والتوافق مع المحور المصري، في صياغة مسار تفاوضي (منصة جدة) افتقر إلى الشمولية وآليات الردع. إن التعامل مع الأزمة كملف أمني-عسكري بحت، وتهميش المكون المدني، والاعتماد على هدن إنسانية مؤقتة، لم يكن كافياً لكسر شوكة المتحاربين. بل على العكس، فقد وفرت هذه المنصة غطاءً دبلوماسياً سمح للطرفين بإطالة أمد الحرب، معتقدين أن الدعم الإقليمي أو الدولي سيحسم المعركة لصالحهم في النهاية، مما حول السودان إلى ساحة حرب استنزاف مدمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى