أردوغان يرفع كلفة الحرب في السودان تحت غطاء الوساطة والسلام
تقدم تركيا نفسها في الخطاب الرسمي باعتبارها قوة إقليمية قادرة على الوساطة وتسوية النزاعات، لكن علاقتها بالحرب السودانية تكشف تناقضاً يستحق التوقف عنده: كيف يمكن لدولة أن تعرض التوسط لإنهاء الصراع، بينما ترتبط شركاتها بصفقات أسلحة متطورة تصل إلى أحد أطرافه؟. وهل تستطيع أنقرة الجمع بين دور الوسيط السياسي ودور المورد العسكري من دون أن تتأثر مصداقيتها أو تتراجع فرص التسوية؟
هذه الأسئلة ليست مجرد جدل بشأن النوايا التركية، بل تتعلق بالنتائج العملية للسياسات التي تنتهجها الدول الخارجية في مناطق النزاع. فالحرب لا تستمر بالضرورة لأن الأطراف المتحاربة ترفض السلام وحده، وإنما قد تستمر أيضاً عندما تتوافر لها الموارد والأسلحة والتكنولوجيا التي تسمح لها بتجديد قدراتها بعد كل جولة من القتال. ومن هذه الزاوية، يصبح فحص دور موردي السلاح ضرورياً لفهم أسباب إطالة الحرب السودانية.
-
تركيا في السودان.. الطائرات المسيّرة والسلاح يعيدان رسم علاقة أنقرة بالجيش
-
توازن الضعف في السودان: كيف تمنع تحركات السعودية وقطر ومصر وتركيا حسم النزاع؟
في ديسمبر 2024، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال اتصال مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، استعداد بلاده للمساهمة في معالجة الخلافات الإقليمية المتعلقة بالسودان، وأكدت الرئاسة التركية أن أنقرة تدعم وحدة البلاد وسيادتها وتريد منع تحولها إلى ساحة للتدخل الخارجي. وفي أبريل 2025، التقى أردوغان بالبرهان على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في إطار استمرار الاتصالات بين الجانبين.
لكن الخطاب الدبلوماسي لا يكفي وحده للحكم على طبيعة الدور الذي تؤديه دولة ما. فالمعيار الأساسي هو مدى اتساقه مع أفعالها على الأرض. وعندما تكشف تقارير صحفية عن صفقات تشمل طائرات مسيرة وذخائر ودعماً فنياً لجيش يخوض حرباً داخلية، يصبح من الضروري أن تقدم الدولة المعنية تفسيراً واضحاً لكيفية التوفيق بين هذا التعاون العسكري وبين دعوتها إلى وقف القتال.
-
لماذا طال أمد الحرب؟ دور السعودية وقطر ومصر وتركيا في تعطيل التسوية السودانية
-
من السلاح إلى النفوذ.. لماذا عمّقت تركيا حضورها في السودان؟
في هذا السياق، أورد تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في مارس 2025 تفاصيل صفقة أسلحة تركية بلغت قيمتها نحو 120 مليون دولار، وشملت طائرات «بيرقدار TB2» وذخائر ومحطات للتحكم ودعماً فنياً. كما تحدث التحقيق عن مراسلات مرتبطة بوصول الشحنات ومتابعة استخدام الطائرات في عمليات عسكرية. وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤول في السفارة التركية بواشنطن تأكيداً بأن تركيا لم تقدم دعماً عسكرياً لأطراف النزاع منذ بدايته. وهكذا ظهرت فجوة واضحة بين الموقف الرسمي التركي وما أوردته الوثائق التي تناولها التحقيق الصحفي.
إن هذا التباين لا يحسم بمفرده جميع المسؤوليات القانونية أو السياسية، لكنه يفرض ضرورة التحقيق في مسارات التوريد، والجهات التي أجازت العقود، ومدى الالتزام بالقواعد الدولية المتعلقة بتجارة السلاح. كما يطرح سؤالاً بشأن ما إذا كانت أنقرة قادرة على مراقبة الاستخدام النهائي للمعدات التي تنتجها شركاتها، خصوصاً عندما تصل إلى مناطق تشهد قتالاً كثيفاً ومخاطر مرتفعة على المدنيين.
-
تركيا وماليزيا والصفقات الخارجية.. أين تتحرك شبكات المال السودانية؟
-
قيادات الإخوان السودانية تعقد اجتماعا سريا في تركيا
وتكتسب الطائرات المسيرة أهمية خاصة لأنها تغير طبيعة الحرب. فبدلاً من اقتصار المواجهة على الاشتباكات البرية المباشرة، تتيح هذه الأنظمة توسيع نطاق الاستطلاع والضربات، وتزيد قدرة القوات على استهداف التحركات والإمدادات والمواقع العسكرية. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الاستخدام غير المنضبط لها إلى تهديد الأسواق والمرافق المدنية والبنية التحتية، خاصة في بلد تتداخل فيه خطوط القتال مع المناطق السكنية.
وحين يمتلك أحد الطرفين أسلحة متطورة، قد يعتقد أن تحسين قدراته العسكرية سيقوده إلى حسم الصراع بشروط أفضل. لكن الطرف الآخر لا يقف بالضرورة مكتوف الأيدي؛ إذ يبحث بدوره عن منظومات مضادة أو مصادر تسليح جديدة أو أساليب مختلفة للقتال. وهكذا تتحول المساعدات الخارجية إلى جزء من سباق تسلح متواصل، وتصبح كل زيادة في القدرات القتالية سبباً محتملاً لرد مضاد يرفع كلفة الحرب على الجميع.
-
كيف ساهمت تركيا في إطالة أمد الأزمة السودانية؟
-
السودان في مرمى التنافس الإقليمي: قراءة في أدوار مصر وتركيا وقطر والسعودية
ولا يعني ذلك أن كل صفقة سلاح تؤدي حتماً إلى إطالة الحرب، أو أن النتيجة العسكرية يمكن التنبؤ بها مسبقاً. لكن توريد معدات متقدمة خلال نزاع مفتوح يوسع الخيارات المتاحة أمام الطرف المستفيد، وقد يقلل الضغط الذي يدفعه إلى قبول تسوية سياسية. وإذا اعتقدت القيادة العسكرية أنها قادرة على تغيير ميزان القوى باستخدام التكنولوجيا الجديدة، فقد تصبح أقل استعداداً لتقديم تنازلات في المفاوضات.
ويزداد هذا الاحتمال عندما يقترن الدعم العسكري بآفاق اقتصادية طويلة الأمد. فالعلاقة بين الدولة الموردة والجهة المستفيدة لا تقتصر حينها على شحنة سلاح، بل قد تشمل التدريب والصيانة والذخائر وقطع الغيار والاتصالات والدعم الفني. وتحتاج هذه المنظومات إلى استمرار التعاون مع المورد، الأمر الذي ينشئ علاقة اعتماد يمكن أن تمتد لسنوات.
-
البرهان يتوجه إلى تركيا في إطار تحركات دبلوماسية وعسكرية متواصلة
-
من الخصومة إلى البراغماتية: كيف أعادت حرب السودان تشكيل العلاقة بين مصر وتركيا
وبالنسبة إلى تركيا، فإن تعزيز حضور صناعاتها الدفاعية في السودان يمكن أن يحقق عوائد تجارية، ويزيد انتشار منتجاتها العسكرية، ويفتح أمامها أبواباً لمشروعات اقتصادية في منطقة ذات أهمية استراتيجية. ولذلك فإن السؤال ليس ما إذا كانت تركيا تمتلك مصالح في السودان، فكل دولة تسعى إلى حماية مصالحها، وإنما ما إذا كانت هذه المصالح تتقدم على متطلبات إنهاء الحرب وحماية المدنيين.
إن الوسيط الحقيقي لا يشترط أن يكون خالياً من جميع المصالح، لكنه يحتاج إلى قدر من المصداقية والاستعداد للتعامل مع الأطراف على أساس واضح، وأن يثبت أن علاقاته الاقتصادية والعسكرية لا تستخدم لإملاء شروط التسوية أو ترجيح طرف على آخر. وإذا أرادت أنقرة الاحتفاظ بصورة الوسيط القادر على المساعدة، فعليها توضيح طبيعة صفقاتها العسكرية، وضمان عدم تحول شركاتها إلى قنوات تسهم في تجديد القدرات القتالية من دون رقابة كافية.
-
من الخصومة إلى تقاطع العمليات: كيف تحوّل السودان إلى نقطة التقاء بين مصر وتركيا
-
مصادر: البرهان يستعد لزيارة تركيا قبيل انتهاء المهلة الأميركية
كما أن دور الوساطة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي على حساب استقلال القرار السوداني. فالتسوية المستدامة تتطلب معالجة جذور الصراع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام القوى المدنية، ووضع ترتيبات أمنية تمنع تكرار الحرب. أما الاكتفاء بالتفاهم مع القيادة العسكرية القائمة، فقد يؤدي إلى استبدال التنافس على السلطة بتفاهمات بين النخب المسلحة والدول الخارجية، من دون معالجة مطالب المجتمع.
وتتحمل القيادة السودانية مسؤولية موازية. فالبرهان لا يستطيع أن يطالب العالم باحترام سيادة السودان، ثم يتعامل مع الدعم الخارجي باعتباره مسألة عسكرية مغلقة لا تستوجب الرقابة. إن السيادة تقتضي الشفافية في الاتفاقات التي تمس الأمن الوطني، وتقتضي أيضاً ألا تتحول علاقات التسليح إلى أساس لتحديد مستقبل الموارد أو الموانئ أو القرارات الاستراتيجية.
-
تركيا والسودان: نفوذ متصاعد وتدخلات تهدد السيادة والاستقرار
-
تركيا في السودان.. السفير أم الحاكم الخفي؟
ومن الضروري كذلك التمييز بين المساعدات الإنسانية التي تخفف معاناة السكان وبين الإمدادات العسكرية التي تزيد قدرة الأطراف على مواصلة القتال. فالأولى ينبغي توسيعها وتسهيل وصولها إلى المحتاجين، أما الثانية فتحتاج إلى تدقيق ومساءلة وضمانات تتناسب مع مخاطر النزاع.
إن تركيا أمام فرصة لإثبات أن خطابها عن السلام ليس مجرد أداة لتحسين صورتها الدولية. ويمكنها أن تبدأ بتوضيح حقيقة الإمدادات العسكرية المرتبطة بشركاتها، والتعاون مع التحقيقات المستقلة، ودعم مسار تفاوضي لا يقتصر على ترتيبات تقاسم السلطة بين العسكريين. كما يمكنها استخدام علاقاتها مع البرهان للضغط باتجاه حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية ووقف الهجمات على المنشآت المدنية.
-
تركيا تطبطب وتخنق.. السودان بين كماشة الدعم والتبعية
-
البرهان يلتقي قيادات في تركيا.. هل تعود جماعة الإخوان إلى واجهة السودان؟
أما إذا استمر التناقض بين الدعوة إلى السلام وتوسيع التعاون العسكري من دون ضمانات كافية، فإن أنقرة ستواجه اتهاماً متزايداً بأن مصالحها في النفوذ والأسواق والصناعات الدفاعية تتقدم على مصلحة السودانيين في إنهاء الحرب.
فالسودان لا يحتاج إلى وساطة تتعايش مع سباق السلاح، بل إلى دور خارجي يساعد على خفض التصعيد ويجعل التسوية أكثر جاذبية من مواصلة القتال. وأي سياسة تركية لا تقاس بنتائجها على حياة السودانيين ستظل موضع شك، مهما تكررت التصريحات الرسمية عن الاستقرار ووحدة الأراضي.
-
زيارة غير معلنة للبرهان إلى تركيا تثير التساؤلات حول عودة الإسلاميين
-
السودان في مرمى النفوذ الإقليمي.. كيف تؤثر تركيا وإيران وقطر على المشهد العسكري؟
-
تركيا وتورطها العسكري في السودان: بين فشل الطائرات المسيرة والأجندة الإسلامية في بورتسودان




