تسريبات

من السلاح إلى النفوذ.. لماذا عمّقت تركيا حضورها في السودان؟


لم يكن الحضور التركي في السودان وليد الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023. فالعلاقات بين أنقرة والخرطوم كانت قد تطورت خلال السنوات السابقة عبر اتفاقيات اقتصادية واستثمارات ومشروعات استراتيجية وتعاون سياسي وعسكري. لكن الحرب أعادت ترتيب الأولويات، وجعلت التعاون العسكري والأمني أكثر أهمية، في وقت أصبح فيه السودان واحداً من أكثر ميادين الصراع تعقيداً في المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم الدور التركي باعتباره يتجاوز مجرد بيع السلاح. فتركيا دخلت إلى المشهد السوداني من بوابة الصناعة الدفاعية، ثم توسعت العلاقة لتشمل التدريب والدعم الفني والتعاون العسكري، بالتوازي مع سعي أنقرة للحفاظ على علاقات قوية مع مؤسسات الدولة السودانية والجيش.

أحد أبرز مظاهر هذا الدور يتمثل في الطائرات المسيّرة. فقد كشفت تحقيقات صحفية ووثائق تجارية عن صفقة مرتبطة بشركة “بايكار” التركية والجيش السوداني، تضمنت طائرات “بيرقدار TB2” وذخائر وأنظمة تحكم ودعماً فنياً. وقدرت “واشنطن بوست” قيمة الصفقة التي كشفت عنها بنحو 120 مليون دولار.

وتكتسب الصفقة أهمية مضاعفة لأن الجيش السوداني كان في حاجة إلى أدوات تمكنه من تعويض جزء من الخلل في ميزان القوة الذي ظهر خلال الأشهر الأولى للحرب. فقوات الدعم السريع تمكنت في مراحل مبكرة من الحرب من السيطرة على مناطق مهمة داخل العاصمة وخارجها، فيما تعرضت منشآت عسكرية ومطارات ومراكز قيادة لضغوط كبيرة.

في هذا السياق، قدمت المسيّرات حلاً عسكرياً سريعاً نسبياً. فهي تستطيع التحليق لفترات طويلة، جمع المعلومات، تعقب الأهداف، ثم تنفيذ ضربات بواسطة ذخائر موجهة. وبالنسبة إلى قوة عسكرية تخوض حرباً واسعة على جبهات متعددة، فإن امتلاك مثل هذه التكنولوجيا يعني امتلاك قدرة أكبر على مراقبة أرض المعركة.

ولم يكن الأمر متعلقاً بالطائرات وحدها. فأنظمة المسيّرات الحديثة تحتاج إلى بنية متكاملة: مشغلين مدربين، محطات تحكم، ذخائر، صيانة، اتصالات، معلومات استخباراتية، وقطع غيار. ولذلك فإن انتقال هذه المنظومات إلى السودان يعني بالضرورة انتقال قدر من المعرفة التقنية والخبرة التشغيلية معها.

وتشير تقارير بحثية إلى أن الطائرات التركية ساعدت الجيش السوداني في استعادة قدرات الاستطلاع والضرب الجوي، كما ارتبط استخدامها بالعمليات التي مكّنت الجيش من استعادة مساحات واسعة خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/أيلول 2024 ومارس/آذار 2025.

وهذا يفسر لماذا أصبحت تركيا لاعباً مهماً في الحسابات العسكرية السودانية. فبالنسبة إلى الجيش، لا يتعلق الأمر فقط بالحصول على سلاح جديد، وإنما ببناء قدرة عسكرية تستطيع العمل في بيئة أصبحت فيها الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من الحرب الحديثة.

لكن الدور التركي لا يتوقف عند المعدات. ففي أغسطس/آب 2026، استقبلت أنقرة مسؤولاً عسكرياً سودانياً رفيع المستوى، وعقد لقاءات مع وزير الدفاع التركي ورئيس هيئة الأركان. وتزامنت الزيارة مع استمرار اعتماد الجيش السوداني على معدات تركية في الحرب.

هذه اللقاءات تحمل دلالة سياسية واضحة: التعاون العسكري لم يعد ملفاً منفصلاً عن العلاقات الثنائية، بل أصبح واحداً من أعمدة العلاقة بين البلدين.

وتنظر تركيا إلى السودان من زاوية جيوسياسية تتجاوز حدوده. فالسودان يقع على البحر الأحمر، ويطل على ممرات بحرية حيوية، ويرتبط بالقرن الأفريقي وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. ومن ثم فإن الحفاظ على علاقة قوية مع الخرطوم يمنح أنقرة هامش حركة في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.

كما أن السودان يمتلك موارد طبيعية كبيرة، ويحتاج في مرحلة ما بعد الحرب إلى إعادة بناء واسعة تشمل الموانئ والطرق والطاقة والزراعة والبنية التحتية. ولهذا فإن النفوذ الذي تبنيه تركيا خلال الحرب يمكن أن يتحول، إذا توقفت المعارك، إلى نفوذ اقتصادي خلال مرحلة إعادة الإعمار.

وفي هذا الإطار، أظهرت وثائق كشفت عنها “واشنطن بوست” أن السلطات السودانية ناقشت مع ممثلي “بايكار” فرصاً اقتصادية تتجاوز السلاح، بينها مشروعات مرتبطة بالموانئ والتعدين والصيد.

وهنا تتضح طبيعة العلاقة التي تسعى تركيا إلى بنائها: سلاح في المرحلة العسكرية، ثم استثمارات وشراكات اقتصادية في مرحلة لاحقة.

لكن هذا النوع من العلاقات يضع أنقرة أمام أسئلة صعبة. فالسودان يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، والحرب أدت إلى سقوط أعداد ضخمة من الضحايا ونزوح الملايين وتدمير البنية التحتية. وتقول تقارير أممية حديثة إن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الأسلحة والمسيّرات والأفراد والخبرات، ساهم في استمرار النزاع وتفاقم الخسائر.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح صفقات السلاح أكثر من مجرد علاقات تجارية. فكل منظومة عسكرية تصل إلى أحد طرفي الحرب يمكن أن تؤثر في قدرته على الاستمرار، وفي قدرته على شن الهجمات أو صدها.

وتكمن حساسية الدور التركي أيضاً في أن أنقرة تؤكد رسمياً أنها لم تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لأطراف الحرب. وفي المقابل، فإن تقارير صحفية وتحقيقات موثقة تحدثت عن وصول أسلحة تركية إلى الجيش السوداني واستخدامها في العمليات العسكرية.

وبين الروايتين توجد مساحة واسعة تحتاج إلى مزيد من التحقيق والتدقيق: ما الذي تم بيعه رسمياً؟ متى تم التسليم؟ أين جرى التدريب؟ من قدم الدعم الفني؟ وما حجم المشاركة الفعلية للشركات التركية في تشغيل المنظومات؟

هذه الأسئلة مهمة لأن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجندي الموجود في الخندق. فقد أصبحت التكنولوجيا والبيانات والاتصالات والمسيّرات جزءاً من منظومة القتال. وبالتالي فإن الدولة أو الشركة التي توفر هذه التكنولوجيا قد لا تكون موجودة على أرض المعركة بجنودها، لكنها تستطيع أن تؤثر في شكل المعركة من خلال المعدات والخبرات التي تقدمها.

والسودان يقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول. فبعد أن كانت الحرب في بدايتها تعتمد بصورة كبيرة على الاشتباكات البرية والأسلحة التقليدية، أصبح المجال الجوي للمسيّرات أحد أهم ساحات القتال. وتشير بيانات وتحقيقات حديثة إلى تصاعد كبير في الهجمات الجوية باستخدام الطائرات من دون طيار، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا نتيجة هذا النوع من القتال.

وهذا يعني أن الدور التركي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الطائرات التي وصلت إلى السودان. التأثير الحقيقي يكمن في إدخال نموذج جديد للحرب: الاستطلاع المستمر، الضربات الدقيقة، التحكم عن بعد، وتوفير معلومات لحظية للقوات البرية.

كما أن نجاح هذا النموذج قد يدفع الجيش إلى توسيع اعتماده على التكنولوجيا التركية مستقبلاً. فكلما أصبحت المنظومة جزءاً من العمليات اليومية، ازدادت الحاجة إلى الصيانة والتدريب والذخائر وقطع الغيار، وبالتالي يصبح المورد الخارجي شريكاً طويل الأمد وليس مجرد بائع مؤقت.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استمرار الاتصالات العسكرية بين أنقرة والخرطوم حتى عام 2026. فزيارة المسؤول العسكري السوداني إلى تركيا في أغسطس/آب الماضي تؤكد أن التعاون الدفاعي لا يزال قائماً، وأن العلاقات العسكرية بين البلدين مرشحة لأن تبقى حاضرة في المشهد السوداني.

لكن مستقبل هذا التعاون سيتوقف إلى حد كبير على مستقبل الحرب نفسها. فإذا انتهى القتال، ستكون الأولوية لإعادة بناء الجيش والمؤسسات والبنية التحتية، وقد تتحول العلاقات العسكرية إلى شراكات في التدريب وإعادة التنظيم وإعادة الإعمار. أما إذا استمرت الحرب، فإن استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية قد يساهم في زيادة قدرة الأطراف على مواصلة القتال.

وفي النهاية، فإن قراءة الدور التركي في السودان من خلال صفقة “بيرقدار” وحدها لا تكفي. تركيا أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تربطها بالسودان. والطائرات المسيّرة كانت ربما أكثر أدوات هذا الحضور وضوحاً، لكنها ليست كل القصة.

القصة الأوسع هي انتقال العلاقة من التعاون التقليدي إلى شراكة ذات طابع استراتيجي، يكون فيها السلاح بوابة إلى النفوذ، والتكنولوجيا وسيلة لترسيخ الحضور، والعلاقات العسكرية جسراً إلى المصالح الاقتصادية والسياسية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قدمت تركيا للجيش السوداني؟ بل أيضاً: ماذا تريد تركيا من السودان بعد الحرب؟

فإذا كان السلاح قد منح أنقرة نفوذاً في زمن الحرب، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تكشف القيمة الحقيقية لهذا النفوذ، سواء في الاقتصاد أو إعادة الإعمار أو الموانئ أو التعدين أو التعاون العسكري. وفي بلد يمتلك موقعاً استراتيجياً وموارد ضخمة ويحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته، ستكون القوى التي حافظت على حضورها خلال الحرب في موقع أفضل للمنافسة على مرحلة السلام.

وبذلك، فإن الدور التركي في السودان يبدو أكبر من مجرد تجارة أسلحة. إنه مزيج من الصناعة الدفاعية والسياسة الخارجية والحضور الاقتصادي والحسابات الجيوسياسية، جعل أنقرة لاعباً مهماً في أحد أكثر الصراعات تعقيداً في أفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى