كيف تحولت منشآت النفط إلى أهداف لأسلحة غير تقليدية؟ تحقيقات The New York Times وThe Washington Post تجيب
تسارعت التحركات الدولية بشأن الحرب في السودان بعد أن كشفت تحقيقات منفصلة لصحيفتي The New York Times وThe Washington Post عن أدلة جديدة ومفصلة تشير إلى أن الجيش السوداني طوّر، واختبر، وخزّن ذخائر محملة بغاز الكلور خلال عام 2024، وسط اتهامات باستخدام هذه الأسلحة ضد قوات الدعم السريع.
وتكتسب هذه التحقيقات أهمية خاصة لأنها لا تستند إلى رواية واحدة، بل إلى مجموعة كبيرة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل والاتصالات التي حصلت عليها الصحيفتان من مصدر استخباراتي شرق أوسطي. وخلص خبراء ومسؤولون استخباراتيون اطلعوا على المواد إلى أنها تقدم مؤشرات قوية ومتسقة مع وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، مع التأكيد أن التحقق النهائي يتطلب الوصول المباشر إلى المواقع والشهود.
من الاختبار إلى الإنتاج
بحسب تحقيق نيويورك تايمز، بدأت عملية تطوير الذخائر الكيميائية في منتصف عام 2024، عندما اقترح العميد طارق حسين، الذي تصفه الوثائق بأنه المسؤول عن مشروع قنابل الكلور، استخدام الغاز ضد مقاتلي الدعم السريع المتحصنين داخل الخرطوم.
وتشير الوثائق إلى تصميم ذخائر تجمع بين الانفجار والغاز السام، بحيث تؤدي إلى إصابة الخصم بالشظايا والضغط الانفجاري، وفي الوقت نفسه نشر غاز الكلور في محيط الهدف.
وفي يوليو 2024، جرى اختبار إحدى هذه الذخائر في منطقة صحراوية بعد إسقاطها من طائرة شحن عسكرية من طراز أنتونوف. وتظهر إحدى اللقطات التي فحصتها الصحيفة انفجارًا أعقبه انتشار بخار أصفر مائل إلى الأخضر، وهي ألوان يقول خبراء إنها تتوافق مع غاز الكلور.
لكن المشروع لم يكن بلا مخاطر؛ إذ تشير الرسائل التي اطلعت عليها نيويورك تايمز إلى تسرب الغاز من بعض الذخائر، فيما عُثر داخل أحد مواقع التصنيع على حشرات وعقارب نافقة، في واقعة اعتبرها العاملون مؤشرًا على تسرب الكلور.
مخزون من مئات القنابل
التحقيقان يقدمان صورة عن مشروع لم يتوقف عند مرحلة التجارب.
وتشير مواد حصلت عليها واشنطن بوست إلى أن القوات المسلحة السودانية امتلكت مخزونًا يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، بينما تحدثت وثائق أخرى عن تصنيع ما يقارب 300 ذخيرة بحلول أكتوبر 2024، مع تخزين جزء كبير منها في قاعدة مروي الجوية.
كما تتحدث بعض الرسائل عن تطوير تصميمات جديدة للذخائر، بما في ذلك قنابل ذات تأثير مزدوج تجمع بين الغاز والمتفجرات والشظايا، إضافة إلى محاولات لإخفاء آثار استخدام المواد الكيميائية.
وتكمن خطورة هذه المعطيات في أنها، إذا ثبتت صحتها بصورة مستقلة، تعني أن الأمر لم يكن حادثة معزولة، بل برنامجًا عسكريًا امتد من التصميم والتجارب إلى الإنتاج والتخزين وربما الاستخدام.
مصدر الكلور.. من محطات المياه إلى ساحة الحرب
من أكثر جوانب التحقيقات إثارة للقلق ما يتعلق بمصدر الكلور.
فالكلور مادة تستخدم بصورة مشروعة في معالجة مياه الشرب ومكافحة البكتيريا، ولذلك لا يخضع للقيود نفسها المفروضة على بعض العوامل الكيميائية الأكثر تطورًا.
لكن الوثائق التي اطلعت عليها نيويورك تايمز تشير إلى أن جزءًا من الكلور ربما جرى الحصول عليه من منشأة لمعالجة المياه في أم درمان، وهي منشأة كانت تعتمد خلال الحرب على إمدادات قدمتها منظمات إغاثة دولية.
وفي المقابل، تحدثت وثائق أخرى عن وصول شحنات من أسطوانات الكلور عبر مصر، ما يشير إلى احتمال وجود أكثر من مصدر للمادة المستخدمة في المشروع.
وأكدت اليونيسف أنها كانت تزود منشآت لمعالجة المياه بالكلور لأغراض إنسانية، وأنها لا تملك سجلات تشير إلى تحويل أي من إمداداتها أو إساءة استخدامها.
هل استُخدمت الأسلحة بالفعل؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية.
تقول الوثائق التي حصلت عليها نيويورك تايمز إن ضباطًا سودانيين تحدثوا عن استخدام ذخائر كيميائية ضد مواقع تابعة لقوات الدعم السريع، ومن بينها مصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم.
وتشير واشنطن بوست أيضًا إلى رسائل تتحدث عن استخدام 106 قنابل، وإلى مواد مصورة تظهر ضحايا محتملين، فيما تتحدث وثائق أخرى عن هجمات بالكلور خلال عام 2024.
لكن الصحيفتين تضعان حدودًا واضحة لما يمكن إثباته من المواد المتاحة؛ فوجود أدلة على تطوير وتخزين ذخائر كيميائية لا يعني تلقائيًا أن كل هجوم كيميائي منسوب إلى الجيش السوداني استخدم تلك الذخائر تحديدًا.
لماذا تحركت واشنطن؟
تكشف التحقيقات أن المعلومات الجديدة تأتي في سياق اتهامات أمريكية سابقة.
فقد أعلنت الولايات المتحدة أن السودان استخدم أسلحة كيميائية، وفرضت على خلفية ذلك عقوبات وإجراءات اقتصادية. لكن واشنطن لم تكن قد نشرت في حينه التفاصيل الكاملة للأدلة التي بنت عليها تقييمها.
وتقول نيويورك تايمز إن بعض المواد الواردة في الملف الاستخباراتي عُرضت على أجهزة استخبارات أمريكية، واستخدمها مسؤولون أمريكيون خلال تقييمات أجريت في يناير 2025 بشأن امتلاك السودان أسلحة كيميائية.
ومع نشر التحقيقات الجديدة، باتت القضية أكثر إحراجًا للسلطات السودانية، خصوصًا أن الأدلة المنشورة تتحدث ليس فقط عن هجمات محتملة، وإنما عن سلسلة متكاملة من التطوير والتصنيع والاختبار والتخزين ومحاولات إخفاء الآثار.
أزمة تتجاوز حدود السودان
أي استخدام أو تخزين أو تطوير للأسلحة الكيميائية سيكون خرقًا خطيرًا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي انضم إليها السودان عام 1999.
ولهذا لا تنظر العواصم الغربية إلى الملف باعتباره مجرد فصل جديد في الحرب السودانية، بل باعتباره قضية تتعلق بمنظومة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل.
ويأتي ذلك في وقت تحولت فيه الحرب السودانية أصلًا إلى أزمة إقليمية، مع تدفق السلاح والدعم الخارجي إلى طرفي الصراع، واتساع نطاق النزوح والجرائم والانتهاكات.
أما إذا ثبت بصورة قاطعة أن الجيش السوداني طوّر واستخدم أسلحة كيميائية، فإن الحرب ستدخل مرحلة جديدة من حيث طبيعة المساءلة الدولية، وقد تتزايد الضغوط من أجل التحقيق المستقل، وتوسيع العقوبات، وملاحقة المسؤولين عن البرنامج المزعوم.
وفي المقابل، تنفي السلطات السودانية الاتهامات، ولم تقدم التحقيقات المنشورة دليلًا قضائيًا نهائيًا يحسم بصورة مستقلة كل تفاصيل البرنامج أو كل عمليات الاستخدام المزعومة. ولهذا تبقى الخطوة المقبلة مرتبطة بقدرة الجهات الدولية المختصة على الوصول إلى مواقع التصنيع والتخزين، وفحص الأدلة ميدانيًا، وتحديد المسؤوليات بصورة رسمية.
لكن المؤكد أن الملف لم يعد مجرد اتهام أمريكي غامض؛ فقد وضعت تحقيقات نيويورك تايمز وواشنطن بوست أمام الرأي العام الدولي واحدة من أكثر الصور تفصيلًا حتى الآن عن برنامج كيماوي سوداني مزعوم، الأمر الذي قد يفتح فصلًا جديدًا في الحرب السودانية وفي الحسابات الدولية تجاه الخرطوم.




