أدلة كيماوي الجيش السوداني.. جريمة حرب تستدعي تحقيقا دوليا
شهادات جديدة وأدلة بصرية ورقمية، ترسخ الجريمة التي ارتكبها الجيش السوداني، مستخدما أسلحة كيماوية محظورة دوليا.
تلك الأدلة الجديدة التي كشف عنها تحقيق لشبكة «يورونيوز»، اعتبرها حقوقيان سودانيان تحدثا لـ«العين الإخبارية»، وخبراء سابقون بمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية تستوجب تحقيقًا دوليًا عاجلًا لتحديد طبيعة السلاح والمسؤولين عن استخدامه.
وفي هذا الإطار، قال المعز حضرة، الخبير السوداني في القانون الدولي وحقوق الإنسان إن الأدلة والشهادات الجديدة تعزز الاتهامات السابقة المتعلقة باستخدام الجيش السوداني الأسلحة الكيماوية.
وطالب حضرة بـ«تشكيل لجنة تحقيق دولية متخصصة للتحقق من الوقائع وتحديد المسؤولين عنها وتقديم من تثبت مسؤوليته إلى العدالة الدولية».
ماذا كشف التحقيق؟
ونشر «يورونيوز» تحقيقا من 32 صفحة استند إلى شهادات 8 شهود سودانيين، وإلى صور ومقاطع فيديو ومواد رقمية أخرى، وقال خبراء سابقون كبار في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إن نتائج التحقيق تشير إلى وجود عدد من الحوادث الموثوقة التي ارتبطت بحالات مرضية غير مفسرة أعقبت أنشطة عسكرية.
وكانت أقوى الشهادات، وفق التحقيق، لشاهدين جرت مقابلتهما بصورة منفصلة، وكانا حاضرين خلال حادث وقع في مصفاة الجيلي للنفط قرب الخرطوم في سبتمبر/أيلول 2024.
ووصف الشاهدان طائرة عسكرية حلقت فوق المنطقة قبل الحادث، وأجسامًا على شكل براميل مرتبطة بمرورها فوق المنطقة، وارتطامات لم تشبه الهجمات التقليدية بالمتفجرات، وانبعاثات وروائح غير مألوفة، وأعراضًا تنفسية حادة أصابت نحو 20 عاملًا، إلى جانب تغير لاحق في الغطاء النباتي بالقرب من منطقة الارتطام.
وأوضح تحقيق «يورونيوز» أن الخبراء اعتبروا الأعراض التنفسية والعينية الحادة التي وصفها الشاهدان متوافقة مع التعرض لمهيّج محمول جوًا أو مادة كيماوية خطرة، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد المادة بصورة قاطعة، كما لم يتمكن التحقيق من إثبات أن الحوادث ناجمة بشكل نهائي عن استخدام أسلحة كيماوية، بسبب وجود ثغرات تحتاج إلى استكمال.
ورغم ذلك، خلص فريق الخبراء إلى وجود أدلة موثوقة ومتسقة تشير إلى أن استخدام مواد كيماوية ربما وقع بالفعل، ودعا منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلى النظر في الأدلة ومواصلة التحقيق.
نمط متواصل وليس حادثة فردية
وقال حضرة إن هذه الشهادات الجديدة «تثبت الاتهامات السابقة»، مشيرًا إلى وجود اتهامات سابقة باستخدام الجيش السوداني هذه الأسلحة عندما دخل الخرطوم، وفي منطقة الجيلي، وأضاف أن الشهادات الجديدة تؤكد، بحسب تقديره، أن الأمر يمثل نمطًا لدى الجيش، وليس حادثة منفردة.
ورأى أن ما ورد في التحقيق بشأن حادث الجيلي، من وجود طائرة عسكرية وأجسام على شكل براميل وأعراض تنفسية حادة وروائح وانبعاثات غير مألوفة، يمثل، في سياق الاتهامات السابقة، سببًا إضافيًا للتحرك نحو تحقيق دولي متخصص.
جريمة حرب
وأكد حضرة أن استخدام الأسلحة الكيماوية جريمة محرمة دوليًا وداخليًا، وتندرج، بحسب قوله، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وأضاف أن تداعيات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيماوية ضد المدنيين أو العسكريين، لا تتعلق بالمدنيين وحدهم، لأن آثار هذه الأسلحة يمكن أن تمتد إلى الغطاء النباتي والبيئة، وقد تبقى في الأرض لفترات طويلة وتؤثر في الزراعة وغيرها.
المسؤولية لا تتوقف عند المنفذين
وطالب حضرة بأن يشمل التحقيق تحديد المسؤوليات على مختلف المستويات، موضحًا أن المسؤولية، من وجهة نظره، لا تتوقف عند المنفذين الميدانيين، وإنما تمتد إلى من خطط وأصدر الأوامر ونفذها.
وقال إن القيادات العليا في الجيش تتحمل، وعلى رأسها البرهان، المسؤولية الأولى إذا ثبت علمها بالبرنامج الكيماوي والمشاركة في التخطيط له، مضيفًا أن المسؤولية تشمل مختلف الرتب والأشخاص الذين تثبت مشاركتهم.
وشدد على ضرورة أن تتولى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التحقيق، باعتبارها الجهة المختصة، خصوصًا بعد ظهور الأدلة والشهادات الجديدة التي عرضها تحقيق «يورونيوز».
وأضاف أن لجنة تقصي الحقائق الدولية مُنحت صلاحية التحقيق في الجرائم المرتكبة في السودان.
لكنه قال إن الحكومة السودانية منعت اللجنة من أداء مهمتها، معتبرًا أن التطورات الجديدة تجعل تحرك منظمة حظر الأسلحة الكيماوية أكثر إلحاحًا.
الجيلي ومناطق أخرى
وأشار حضرة إلى أن أدلة استخدام الأسلحة الكيماوية لا تتعلق، بحادث واحد في مصفاة الجيلي، متحدثًا عن شواهد في الجيلي والكَدْرو وبعض المناطق في أم درمان، إضافة إلى مناطق أخرى.
وأشار إلى حديث سابق عن استخدام أسلحة مميتة في محيط القصر الجمهوري، وإلى تصريحات قال إن قيادة الجيش تحدثت فيها عن استخدام الأسلحة، معتبرًا أن هذه المعطيات مجتمعة تستوجب التحقيق والتحقق الفني.
وقال إن الأدلة الجديدة تعيد، في تقديره، فتح ملف أوسع يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية في السودان، مشيرًا إلى اتهامات سابقة باستخدامها في دارفور وجبال النوبة.
وأضاف أن هذا الأمر، يمثل نمطًا ممتدًا، وأن استخدام الأسلحة الكيماوية يعود إلى فترات سابقة.
«الجيش» والاتهامات السابقة
وقال حضرة إن الجيش السوداني واجه منذ اندلاع الحرب عقوبات طالت عبد الفتاح البرهان وآخرين، لكنه طالب بعدم الاكتفاء بالعقوبات، والدفع باتجاه تحقيق دولي متخصص يستطيع فحص الأدلة والشهادات وتحديد طبيعة المواد المستخدمة والمسؤولين عنها.
وأضاف أن الهدف، في حال إثبات الاتهامات، هو تقديم المسؤولين عن التخطيط والتنفيذ إلى المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن طبيعة الجريمة تستدعي تحقيقًا دوليًا يحدد سلسلة المسؤولية.
عضو «محامو الطوارئ»: الأدلة تستوجب التحقيق
وفي السياق ذاته، قال محمد صلاح، عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ» في السودان، لـ«العين الإخبارية»، إن ما تم عرضه في التقارير يمكن تصنيفه إلى أدلة بصرية وشهادات أولية، معتبرًا أنها تمثل «بينة ناشئة» تفي بضرورة إنفاذ التحقيق.
وأوضح صلاح أن التحقيق هو الذي يدرس الأدلة الناشئة ويفنّد الادعاءات، مشددًا على أن التقرير الفني سيكون حاسمًا في التحقق من المادة المستخدمة وكميتها، والتأكد من الهجمات التي استخدمت فيها.
وأضاف أن مسألة التحقيق، التي تبدو قضائية، ليست بالأمر المعقد كما هي سياسيًا، موضحًا أن القضية حملت دلالات سياسية ألقت ضغوطًا على الجانب القضائي والحقوقي.
وأكد أن الأمر يتعقد بسبب رفض الجيش التحقيقات الدولية وربطها بجوانب سيادية وسياسية، ما يعقد فرص الوصول إلى الحقيقة، معتبرًا أن قبول التحقيق وظهور نتائجه سيكونان «حاسمين جدًا» في هذا الملف.
وشدد صلاح على أن الأدلة التي ظهرت حتى الآن تمثل أساسًا لبدء التحقيق، لكنها لا تغني عن الفحص الفني المتخصص الذي يمكن من خلاله تحديد طبيعة المادة المستخدمة، وكميتها، والهجمات التي استخدمت فيها.
رفض التحقيقات الدولية والعائق السياسي
ويرى صلاح أن الجانب السياسي يمثل أحد أبرز التعقيدات التي تواجه فتح تحقيق دولي، مشيرًا إلى أن رفض الجيش التحقيقات الدولية وربطها بالسيادة والجوانب السياسية يضع عوائق أمام الوصول إلى الحقيقة.
وبحسب قوله، فإن القبول بالتحقيق ثم ظهور نتائجه سيكونان العامل الحاسم في تحديد طبيعة ما جرى، وتقييم الأدلة والادعاءات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيماوية خلال الحرب.
وأضاف صلاح أنه من الضروري، عند تناول التحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية، الحصول على إثباتات، والإثبات له مراحل مختلفة في التقاضي، ويتم أمام المحاكم، سواء كانت دولية أو وطنية، وهذا يختلف عن المرحلة الحالية التي يجري فيها الحديث عن البيّنات الأولية التي يمكن أن تستدعي فتح تحقيق.
وأوضح أنه تابع هذه البيّنات الأولية عبر باحثين ومحققين ومتابعين لملفات حقوق الإنسان، مشيرًا إلى وجود حديث عن أمور غريبة ظهرت في عدد من المناطق في السودان، وتغيرات في المياه، وآثار تم وصفها بأنها طفرات جلدية وغيرها.
وأضاف أن الحديث عن السلاح الكيماوي لم ينقطع بشكل كامل، موضحًا أنه كان يظهر بصورة متقطعة من خلال تقارير صحفية وإعلامية منفصلة، ومن خلال إفادات أفراد، فضلًا عن شكاوى من مواطنين.
وأشار إلى أن الهجمات بالبراميل أمور موثقة ولا يمكن إنكارها، وأن الناس شاهدوها وتابعوا آثارها، بما في ذلك وجود براميل وأنقاض مرتبطة بها، إلى جانب الشكاوى والحديث عن هذه الهجمات كسلاح محتمل.
وربط صلاح هذه المعطيات بالتقرير الأخير الذي نشرته «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، معتبرًا أن ذلك يزيد من أهمية مواصلة التحقيق.
ما المادة المستخدمة؟
وتحدث صلاح عن الحاجة إلى تحقيق إضافي لتحديد طبيعة المادة المستخدمة، قائلًا إن السؤال لا يقتصر على ما إذا كانت المادة هي الكلور فقط، وإنما يتطلب التحقق مما إذا كانت هناك مواد أخرى، وما إذا كانت عملية التصنيع تضمنت إضافة مواد أخرى.
وقال إن هذه المسألة تحتاج إلى تحقيق فني ومعملي، موضحًا أن التحقيق المعملي هو الذي يستطيع فحص المزاعم المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية والتحقق منها.
وشدد على أن المطلوب هو عدم تجاهل احتمال وجود استخدام لسلاح كيماوي، لأن المسألة، بحسب قوله، «لصالح كل السودانيين»، موضحًا أن السلاح الكيماوي، إذا ثبت استخدامه، يمكن أن يضر بالبيئة والمدنيين على المدى الطويل.
وأضاف أن هناك أشخاصًا لديهم اعتقاد بوجود استخدام للسلاح الكيماويي، وأن بعضهم قد لا يرغب في العودة إلى السودان بسبب مخاوف من أضرار يمكن أن تستمر على المدى الطويل.
ورأى أن إجراء التحقيق يساعد بصورة كبيرة في حسم النقاش حول مزاعم تتعلق بمسألة خطيرة مثل الأسلحة الكيماوية.
العدالة والمساءلة
وقال صلاح إن الجانب الأكثر أهمية، إلى جانب التحقيق في الوقت الحالي، هو العدالة والمساءلة، موضحًا أنه إذا ثبت لاحقًا أن جهة معينة تتحمل المسؤولية بصورة كاملة عن هذا الجرم، فإن تحديد هذه المسؤولية سيكون من بين المطالب الأساسية.
وأوضح أن الاتهامات وُجهت إلى الجيش باعتباره الجهة التي كانت تمتلك الأدوار والقدرات المرتبطة بهذه الهجمات، ومن بينها القدرة على استخدام الطيران والقصف بالبراميل.
وأشار إلى أن كثيرًا من الطائرات أو الذخائر التي ظهرت في تلك الحالات كانت عبارة عن براميل، وأن صورها تشبه الصور التي نُشرت في تحقيق «نيويورك تايمز».
وأضاف أن بقايا الذخائر الموجودة في عدد من المواقع في السودان تتطابق بصريًا مع أشكال البراميل أو الأنابيب، بما فيها الألوان الخضراء والصفراء الموجودة في الأنقاض.
وأكد، في الوقت نفسه، أن هذا يمثل مؤشرًا ولا يثبت بمفرده استخدام السلاح الكيماوي، موضحًا أن المؤشر يمكن اعتباره في القانون قرينة، لكن القرينة تحتاج إلى ما يعضدها حتى تصبح بيّنة.
الحاجة إلى استكمال الأدلة
وأوضح صلاح أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب المزيد من التحقيقات، مشددًا على ضرورة أن تكون التحقيقات متواصلة، وأن يتم رصد الحالات التي وُجهت فيها دعاوى بوجود آثار ناتجة عن استخدام سلاح كيماوي، وإخضاع هذه الحالات للفحص المعملي.
وأضاف أن اللجنة المختصة بالأسلحة الكيماوية يفترض أن يكون لها تحرك في هذا الخصوص، وأن تعمل على فحص الأدلة الموجودة والبحث عن أدلة إضافية وفتح الباب أمام تقديم مزيد من الأدلة.
وأشار إلى إمكانية تقديم هذه الأدلة إلى اللجنة والسماح لها بدخول السودان وتفتيش المواقع، خصوصًا إذا كانت هناك مواقع محددة أو موقع أو موقعان يمكن البحث فيهما للتحقق مما إذا كان قد استخدم فيهما سلاح بهذه الطريقة أم لا.
وختم صلاح بالتأكيد على أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب السماح للجنة المختصة بالدخول وإجراء التحقيق في هذه المسألة، مشيرًا إلى أن موافقة الجيش على السماح للجنة بالدخول والتحقيق تبقى عنصرًا مهمًا في هذا المسار.




