من الخصومة إلى تقاطع العمليات: كيف تحوّل السودان إلى نقطة التقاء بين مصر وتركيا
يكشف هذا التحقيق عن تحوّل لافت في مسار الحرب السودانية، حيث لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أضحت ساحة يتقاطع فيها نفوذ إقليمي متغير، يجمع بين مصر وتركيا رغم تاريخهما الحافل بالخلافات. ويبرز هذا التقاطع في شكل تعاون غير مُعلن، يوظّف التفوق التكنولوجي في الطائرات المسيّرة إلى جانب الامتيازات الجغرافية، بما يعيد رسم موازين القوى داخل السودان. كما يسلّط الضوء على تداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية، محذرًا من مخاطر انتشار التكنولوجيا في بيئة نزاع مفتوحة، ما يجعل السودان أقرب إلى مختبر لإعادة تشكيل توازنات إقليمية جديدة.

المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية والسياسات (ECSAP)
في قلب المشهد السوداني المضطرب، تتشكل معادلة إقليمية غير تقليدية، قوامها تقاطع مصالح بين القاهرة وأنقرة داخل ساحة عمليات واحدة. هذا التقارب لا يظهر عبر اتفاقيات رسمية أو بيانات مشتركة، بل يتجسد ميدانيًا، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر حاسم في إدارة الحرب، وتُستخدم القواعد القريبة من الحدود كمنصات تشغيل، فيما تلعب الطائرات المسيّرة دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل مسار الصراع.
لم يعد هذا التفاعل مقتصرًا على التنسيق السياسي التقليدي، بل تجاوز ذلك إلى مستوى عملياتي معقد، تُختبر فيه العلاقات عبر الميدان. وبدل التحالفات الكلاسيكية، يتبلور نمط جديد من التعاون غير المباشر، يقوم على توزيع الأدوار: موقع جغرافي استراتيجي من جهة، وقدرات تكنولوجية متقدمة من جهة أخرى، بينما يشكّل السودان ساحة التقاء لهذه العناصر.

ومنذ عام 2025، بدأت مؤشرات هذا التقاطع تتضح بشكل أكبر، خصوصًا مع تقارير دولية تحدثت عن استخدام قاعدة شرق العوينات الجوية في جنوب مصر كنقطة ارتكاز لعمليات الطائرات المسيّرة المتطورة. كما تشير المعطيات إلى وجود إشراف تقني مشترك يضم عناصر مصرية وتركية وسودانية، ما يعكس مستوى من التنسيق يتجاوز الإطار السياسي إلى تعاون ميداني فعلي.
وتُظهر صور متداولة تمركز طائرات “بيرقدار أقينجي” في هذه القاعدة، التي يُعتقد أنها تُستخدم لإدارة عمليات داخل السودان، بدعم فني تركي مباشر.

في هذا السياق، كشف تحقيق لوكالة رويترز في فبراير 2026 عن وجود هذه الطائرات، حيث أكد مختصون أنها من الطراز الثقيل القادر على التحليق لأكثر من 24 ساعة وتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى.
هذه المعطيات تعكس نموذجًا مركّبًا للعمل: تركيا توفّر التكنولوجيا العسكرية، مصر تقدّم الموقع والبنية التحتية، بينما يشكّل السودان ساحة التنفيذ التي تتقاطع فيها المصالح.
من التقارب السياسي إلى التداخل العملياتي
تشير تقارير إعلامية إلى أن الطائرات المسيّرة انطلقت من قاعدة مصرية لتنفيذ ضربات داخل السودان لفترة تمتد لأشهر، ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الحرب. إذ لم تعد المواجهة محلية الطابع، بل تحولت إلى ساحة لتوظيف أدوات الحرب الحديثة ضمن حسابات إقليمية أوسع، ما ساهم في تعقيد الأزمة وإضعاف فرص التسوية التقليدية.
كما تُظهر بيانات الملاحة الجوية نمطًا متكررًا لرحلات شحن بين القاهرة وبورتسودان، يُرجح ارتباطها بنقل معدات عسكرية ودعم لوجستي للجيش السوداني، ضمن عمليات سريعة وعالية الحساسية.
هذا التحول لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة مسار تدريجي لإعادة بناء العلاقات بين مصر وتركيا. فبعد سنوات من التوتر منذ 2013، شهدت العلاقات انفراجًا ملحوظًا، تُوّج بزيارات متبادلة بين قيادتي البلدين عام 2024، ما مهّد لمرحلة جديدة من التقارب.
غير أن هذا التقارب لم يتوقف عند حدود السياسة، بل امتد إلى مجالات أكثر عمقًا، حيث تحدثت تقارير عن استعداد تركيا لتزويد مصر بتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، في مؤشر على انتقال العلاقة إلى مستوى من التعاون العملي، حتى وإن ظل بعيدًا عن الإعلان الرسمي.

ضمن هذا الإطار، يبدو السودان مساحة طبيعية لتلاقي المصالح، نظرًا لموقعه الجغرافي وحالته الداخلية الهشة، التي تتيح تداخل الأدوار الإقليمية.
بالنسبة لمصر، يشكّل السودان عمقًا استراتيجيًا مرتبطًا بأمنها القومي، حيث يُنظر إلى استقراره كعامل أساسي في حماية حدودها الجنوبية، خاصة في ظل قضايا حساسة مثل حلايب وشلاتين، والهجرة غير النظامية، وأمن المياه. ومن هذا المنطلق، تدعم القاهرة بقاء الجيش السوداني كطرف ضامن للاستقرار.
أما تركيا، فرغم اختلاف دوافعها، فإنها تلتقي مع هذه الرؤية عند مستوى المصالح الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بتوسيع نفوذها في المنطقة.
من التسليح إلى شبكة المصالح
تشير تقديرات إلى أن التعاون العسكري بين تركيا والجيش السوداني شمل صفقات تتجاوز قيمتها 120 مليون دولار، تضمنت طائرات “بيرقدار TB2” وذخائر وتدريبًا تقنيًا. كما تمثل طائرات “أقينجي” نقلة نوعية بفضل قدراتها على التحليق الطويل وتنفيذ ضربات دقيقة على مسافات بعيدة.
ويأتي ذلك ضمن سياق عالمي يشهد تصاعدًا كبيرًا في استخدام الطائرات المسيّرة، حيث ارتفعت معدلات انتشارها بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير. وفي السودان، أسهم هذا التطور في تغيير طبيعة الحرب، عبر تعزيز دقة العمليات وتوسيع نطاقها، ما أدى إلى إطالة أمد الصراع وزيادة تعقيده.

غير أن هذا التعاون لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية، حيث تشير تقارير إلى عروض سودانية لتركيا تشمل فرص استثمار في قطاعات التعدين، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالموانئ على البحر الأحمر. وهو ما يعكس نمطًا من العلاقات يقوم على تبادل المصالح بين الأمن والاقتصاد.
كما تُظهر صور الأقمار الصناعية اعتماد نموذج عملياتي جديد، يقوم على استخدام قواعد قريبة من الحدود لتنفيذ عمليات داخل السودان، ما يقلل الحاجة إلى وجود عسكري مباشر، ويجعل من الجغرافيا عنصرًا فاعلًا في إدارة الصراع.
في هذا السياق، يتحول السودان إلى نقطة ارتكاز في تنافس أوسع على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تسعى تركيا لتعزيز حضورها البحري والاقتصادي، بينما تعمل مصر على إدارة هذا الحضور بما لا يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.

بيئة معقدة ومخاطر متصاعدة
تُظهر بيانات الطيران أيضًا نمطًا من الرحلات السريعة بين مصر والسودان، يُرجّح ارتباطها بعمليات لوجستية دقيقة لنقل معدات أو دعم فني عاجل.
وفي خلفية هذا المشهد، يبقى ملف حلايب وشلاتين حاضرًا، خاصة مع تداول تقديرات حول احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، رغم غياب تأكيد رسمي، ما يعكس تداخل البعد السياسي مع العسكري.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في دور الدول، بل في طبيعة البيئة السودانية نفسها، حيث يتداخل الجيش مع تشكيلات مسلحة موازية، بعضها يحمل توجهات أيديولوجية متشددة.
وتشير تقارير إلى وجود مجموعات مثل “لواء البراء بن مالك”، مع احتمالات ارتباط بعض العناصر بشبكات دعم خارجية، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على هذه التشكيلات وشخصيات مرتبطة بها.
في مثل هذا السياق، لا تبقى التكنولوجيا العسكرية محصورة داخل المؤسسات الرسمية، بل قد تنتقل عبر التفاعل الميداني، ما يفتح الباب أمام انتشار الخبرات والقدرات خارج الأطر النظامية، وهو ما يشكّل أحد أخطر تداعيات هذا النوع من الصراعات.

السودان كساحة لإعادة تشكيل التوازنات
في المحصلة، تعكس الحالة السودانية نموذجًا جديدًا في العلاقات الدولية، حيث تحل المصالح محل التحالفات التقليدية، ويتحول الخصوم إلى شركاء ظرفيين تحت ضغط الواقع الجيوسياسي.
ورغم استمرار الخلافات بين مصر وتركيا، فإنهما وجدتا في السودان مساحة لإعادة ترتيب أولوياتهما بطريقة عملية، مستفيدتين من هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها.
لكن هذا النموذج، رغم ما قد يحققه من مكاسب قصيرة المدى، يحمل في طياته مخاطر بعيدة المدى، أبرزها انتشار التكنولوجيا العسكرية في بيئة غير مستقرة، وما قد يترتب عليه من تعقيد إضافي للصراعات داخل السودان وخارجه.
في هذا الإطار، لم يعد السودان مجرد ساحة حرب داخلية، بل تحول إلى ميدان لاختبار توازنات إقليمية جديدة، حيث تتقاطع أدوات النفوذ العسكري مع المصالح الاقتصادية، في مشهد مرشح لأن يترك بصماته على مستقبل المنطقة لسنوات طويلة.




