من الخصومة إلى البراغماتية: كيف أعادت حرب السودان تشكيل العلاقة بين مصر وتركيا
لم تعد العلاقات الدولية في الشرق الأوسط تُدار وفق القواعد التقليدية التي حكمت التحالفات لعقود، حيث كانت الاصطفافات السياسية والأيديولوجية تشكل المحدد الأساسي لمسار الدول. اليوم، تفرض الوقائع الميدانية أنماطًا جديدة من التفاعل، تتجاوز الخصومات التاريخية لصالح حسابات أكثر براغماتية. وفي هذا السياق، تبرز الحرب في السودان كواحدة من أبرز الساحات التي أعادت تشكيل العلاقة بين مصر وتركيا، ناقلة إياها من مرحلة التنافس الحاد إلى مستوى من التقاطع العملي غير المعلن.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع الذي شهدته العلاقات بين القاهرة وأنقرة خلال العقد الأخير. فمنذ عام 2013، دخلت الدولتان في مرحلة من التوتر السياسي العميق، انعكس على مختلف مستويات التعاون، بل وتحول إلى تنافس إقليمي في عدة ملفات، من شرق المتوسط إلى ليبيا. غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على إعادة تقييم متبادل للمصالح، تُوّجت بخطوات تطبيع تدريجية، شملت زيارات رسمية متبادلة وفتح قنوات تواصل سياسية وأمنية.
لكن الأهم من هذا التحول الدبلوماسي هو انتقاله إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث بدأت ملامح تعاون عملي تظهر في ساحات خارجية، وعلى رأسها السودان. فبدل أن تكون هذه الدولة ساحة تنافس بين الطرفين، تحولت تدريجيًا إلى نقطة تقاطع مصالح، يلتقي فيها البعد الأمني المصري مع الطموح التركي للتمدد الإقليمي.
بالنسبة لمصر، يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن أمنها القومي. فاستقرار هذا البلد مرتبط مباشرة بأمن الحدود الجنوبية، كما أن أي تغير في موازين القوى داخله قد ينعكس على قضايا حساسة، مثل الهجرة غير النظامية، وانتشار الجماعات المسلحة، إضافة إلى ملف مياه النيل. لذلك، تنظر القاهرة إلى الجيش السوداني باعتباره الفاعل الأكثر قدرة على فرض حد أدنى من الاستقرار، بما يتماشى مع مصالحها.
في المقابل، تتعامل تركيا مع السودان من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل أهمية. فالموقع الجغرافي للسودان، المطل على البحر الأحمر والقريب من القرن الإفريقي، يمنحه قيمة استراتيجية عالية في سياق التنافس على طرق التجارة الدولية وممرات الطاقة. كما أن الفرص الاقتصادية، خاصة في مجالات التعدين والبنية التحتية، تشكل عامل جذب مهم لأنقرة، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في إفريقيا.
ما يجعل الحالة السودانية فريدة هو أنها سمحت بتقاطع هذه المصالح دون الحاجة إلى إعلان تحالف رسمي. فبدلًا من التنسيق السياسي المباشر، يتجلى التعاون في شكل توزيع للأدوار: مصر توفّر الجغرافيا والبنية التحتية، وتركيا تقدّم التكنولوجيا العسكرية، بينما يشكل السودان ساحة التنفيذ.
هذا النموذج يعكس تحولًا أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم يعد من الضروري وجود اتفاقيات رسمية لتفعيل التعاون. بل يكفي وجود تقاطع في المصالح، مدفوع بواقع ميداني يفرض نفسه على الأطراف المختلفة.
وتبرز الطائرات المسيّرة كأحد أهم أدوات هذا التحول، حيث أصبحت تمثل عنصرًا حاسمًا في إدارة الصراعات الحديثة. فبفضل قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة وبتكلفة أقل مقارنة بالوسائل التقليدية، أتاحت هذه التكنولوجيا للدول إمكانية التأثير في النزاعات دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
في السودان، ساهم استخدام هذه الطائرات في تغيير طبيعة الحرب، حيث لم تعد المواجهات تعتمد فقط على القوات البرية، بل أصبحت تشمل عمليات دقيقة بعيدة المدى، تعيد تشكيل موازين القوى بشكل مستمر. وهذا بدوره فتح المجال أمام أطراف إقليمية للانخراط في الصراع بشكل غير مباشر، من خلال توفير التكنولوجيا أو الدعم اللوجستي.
غير أن هذا النوع من التعاون لا يخلو من تعقيدات. فغياب الإطار الرسمي يجعله عرضة للتغير السريع، كما أنه يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، خاصة في ظل حساسية التوازنات الإقليمية. كما أن استمرار هذا التقارب مرهون بمدى قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما في ملفات أخرى، قد تعود إلى الواجهة في أي لحظة.
إلى جانب ذلك، يطرح هذا النموذج تساؤلات حول مستقبل الصراعات في المنطقة. فإذا كانت الحرب في السودان قد أظهرت إمكانية تحول الخصوم إلى شركاء ظرفيين، فإن ذلك قد يتكرر في ساحات أخرى، ما يعني أن خريطة التحالفات ستصبح أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ.
لكن في المقابل، فإن هذه المرونة قد تحمل مخاطر، خاصة في بيئات هشة مثل السودان. فالتداخل بين المصالح الإقليمية قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، بدلًا من تسهيل حله، كما أنه قد يساهم في تعقيد المشهد الداخلي، من خلال دعم أطراف مختلفة بوسائل متقدمة.
كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا العسكرية، مثل الطائرات المسيّرة، يثير مخاوف بشأن انتشار هذه القدرات خارج سيطرة الدول، خاصة في ظل وجود جماعات مسلحة غير نظامية. وهذا قد يؤدي إلى خلق تهديدات جديدة، لا تقتصر على السودان، بل تمتد إلى المنطقة ككل.
في المحصلة، يمكن القول إن ما يجري في السودان يتجاوز كونه صراعًا داخليًا، ليصبح نموذجًا لتحولات أوسع في طبيعة العلاقات الدولية. فالتقارب المصري–التركي، رغم طابعه غير المعلن، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الدول بأن المصالح يمكن أن تتقاطع حتى في ظل استمرار الخلافات.
هذا الإدراك قد يشكل أساسًا لمرحلة جديدة من التفاعل الإقليمي، تقوم على البراغماتية بدلًا من الأيديولوجيا، وعلى التنسيق غير المباشر بدلًا من التحالفات التقليدية. غير أن نجاح هذا النموذج سيظل مرتبطًا بمدى قدرته على تحقيق توازن بين المصالح قصيرة المدى والاستقرار طويل المدى.
وفي ظل استمرار الحرب في السودان، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيظل هذا التقارب مجرد حالة ظرفية فرضتها الضرورة، أم أنه سيمثل بداية لنمط جديد من العلاقات بين القوى الإقليمية؟




