السودان رهينة المصالح التركية.. الذهب والموانئ والطائرات المسيرة تطيل الحرب
تتجاوز أبعاد العلاقة بين تركيا والقيادة العسكرية السودانية حدود التعاون الدفاعي التقليدي، لتطرح سؤالاً أكبر بشأن مستقبل الموارد الوطنية السودانية في ظل الحرب: هل أصبحت الأزمة فرصة لتوسيع النفوذ التركي في البحر الأحمر وقطاع التعدين. بينما ينشغل السودانيون بمعركة البقاء؟ وهل يدفع البرهان البلاد تدريجياً إلى دائرة من الاعتماد العسكري والاقتصادي على أنقرة، بما يجعل كلفة فك الارتباط بها أكبر بعد انتهاء الحرب؟
هذه الأسئلة تستمد أهميتها من التداخل المتزايد بين احتياجات الجيش السوداني إلى السلاح وبين المصالح التجارية والاستراتيجية التي يمكن أن تحققها تركيا من توسيع حضورها في البلاد. فالدول لا تتحرك في العلاقات الدولية بدافع واحد، والشراكات العسكرية لا تنفصل دائماً عن المصالح الاقتصادية. وفي حالة السودان، تبدو هذه العلاقة جديرة بالتدقيق لأن الحرب أضعفت مؤسسات الرقابة، وقلصت قدرة المجتمع على متابعة القرارات التي تتخذها السلطة العسكرية باسمه.
-
تركيا في السودان.. مساعدات في الواجهة وتكنولوجيا عسكرية تهدد بإطالة الحرب
-
تركيا في السودان.. الطائرات المسيّرة والسلاح يعيدان رسم علاقة أنقرة بالجيش
منذ سنوات، تعمل تركيا على تعزيز حضورها في إفريقيا، مستفيدة من تجارتها وصناعاتها الدفاعية وشبكة علاقاتها الدبلوماسية. ويحتل السودان موقعاً مهماً ضمن هذه الاستراتيجية بسبب موقعه على البحر الأحمر، وقربه من القرن الإفريقي، وامتلاكه موارد طبيعية وإمكانات زراعية وتعدينية. ولذلك فإن توسيع التعاون مع الخرطوم لا يمثل بالنسبة إلى أنقرة مجرد علاقة ثنائية، بل يمكن أن يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في منطقة ذات أهمية للتجارة الدولية والأمن الإقليمي.
غير أن دخول هذه المصالح في معادلة الحرب يجعل الأمر أكثر حساسية. ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن تخضع مشروعات الموانئ والتعدين لاتفاقات واضحة، ومنافسة عادلة، ورقابة مالية، وضمانات لحماية الموارد العامة. أما عندما تكون الحكومة في حاجة عاجلة إلى دعم عسكري، فقد تصبح قدرتها على التفاوض أقل توازناً، خصوصاً إذا كانت الاتفاقات تجري بعيداً عن رقابة برلمانية فعالة ومشاركة مجتمعية واسعة.
-
تركيا وماليزيا والصفقات الخارجية.. أين تتحرك شبكات المال السودانية؟
-
قيادات الإخوان السودانية تعقد اجتماعا سريا في تركيا
وفي مارس 2025، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقاً كشف عن صفقة أسلحة بين شركة «بايكار» التركية ومنظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني، بقيمة بلغت نحو 120 مليون دولار. وذكر التحقيق أن الصفقة شملت طائرات مسيرة وذخائر ومحطات للتحكم ودعماً فنياً، كما أشار إلى مناقشات بشأن فرص استثمارية محتملة لشركات تركية في مناجم الذهب والنحاس والفضة، إلى جانب مشروع ميناء أبو عمامة على البحر الأحمر.
وتكمن أهمية هذه المعلومات في أنها تضع التعاون العسكري والاهتمام الاقتصادي في سياق واحد، لكنها لا تثبت وحدها أن الموارد السودانية انتقلت إلى ملكية تركية، أو أن امتيازات محددة مُنحت مقابل صفقة السلاح. ومن الضروري التمييز بين ما كشفه التحقيق بشأن المناقشات والفرص المحتملة وبين أي ادعاء بوجود مقايضة نهائية أو اتفاق سري نافذ. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه الملفات المتشابكة يبرر المطالبة بالكشف عن العقود والشروط والالتزامات التي قد ترتبها على السودان.
-
كيف ساهمت تركيا في إطالة أمد الأزمة السودانية؟
-
من الخصومة إلى البراغماتية: كيف أعادت حرب السودان تشكيل العلاقة بين مصر وتركيا
إن الذهب السوداني يمثل أحد أكثر الملفات حساسية، ليس بسبب قيمته الاقتصادية فحسب، بل لأن إدارة الموارد في زمن الحرب يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في تمويل الصراع وفي مستقبل الدولة بعد انتهائه. فالذهب، إذا خضع لمؤسسات شفافة وقوانين عادلة، يمكن أن يوفر إيرادات لإعادة بناء المستشفيات والمدارس والطرق وشبكات المياه والكهرباء. أما إذا تحولت عائداته إلى مورد غير خاضع للمحاسبة، فإنها قد تصبح أداة لترسيخ نفوذ الجماعات المسلحة أو تمويل شبكات المصالح أو منح الشركات الأجنبية امتيازات لا يعرف المواطنون شروطها.
وينطبق الأمر نفسه على النحاس والفضة والموارد المعدنية الأخرى. فالمشكلة ليست في استقبال الشركات التركية أو غيرها، بل في طبيعة العقود التي توقعها السلطة، وحجم العوائد التي تحصل عليها الدولة، والضرائب والرسوم المفروضة، والالتزامات البيئية، والحقوق التي تتمتع بها المجتمعات المحلية. ومن دون نشر هذه التفاصيل، يصبح من الصعب التأكد من أن الاتفاقات تحقق مصلحة عامة. لا مجرد منفعة آنية لسلطة تحتاج إلى الموارد والأسلحة.
-
من الخصومة إلى تقاطع العمليات: كيف تحوّل السودان إلى نقطة التقاء بين مصر وتركيا
-
تركيا والسودان: نفوذ متصاعد وتدخلات تهدد السيادة والاستقرار
أما ميناء أبو عمامة، فيمثل ملفاً أكثر تعقيداً بالنظر إلى القيمة الاستراتيجية للموانئ على البحر الأحمر. فالميناء ليس مشروعاً تجارياً معزولاً، بل قد يصبح جزءاً من شبكة لوجستية تربط الأسواق الإفريقية بطرق التجارة العالمية، وتمنح الجهة التي تديره دوراً مؤثراً في حركة السلع والاستثمارات. كما أن تطويره قد يفتح المجال أمام مشروعات مرتبطة بالنقل والتخزين والخدمات البحرية والطاقة.
لكن هذه الأهمية نفسها تجعل منح حقوق الإدارة أو التطوير مسألة تتطلب تدقيقاً استثنائياً. فالعقود طويلة الأمد قد تقيد خيارات الحكومات المستقبلية، وقد تفرض شروطاً مالية أو قانونية يصعب تعديلها لاحقاً. وإذا ارتبطت الاتفاقات بظروف حرب أو احتياجات أمنية عاجلة. فمن الضروري التأكد من أنها لا تمنح الطرف الأجنبي امتيازات مبالغاً فيها أو حقوقاً تتجاوز ما تقتضيه الجدوى الاقتصادية للمشروع.
-
تركيا وتورطها العسكري في السودان: بين فشل الطائرات المسيرة والأجندة الإسلامية في بورتسودان
-
تركيا تحت المجهر: “المساعدات الطبية” غطاء لتهريب السلاح إلى السودان
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه البرهان ليس ما إذا كان من حق السودان التعاون مع تركيا؛ فهذا حق طبيعي لأي دولة ذات سيادة. السؤال هو ما إذا كانت السلطة العسكرية تمتلك تفويضاً سياسياً وقانونياً كافياً لاتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد في غياب رقابة مدنية فعالة. وفي وقت لا يستطيع فيه ملايين السودانيين المشاركة في النقاش العام بشأن مستقبل مواردهم.
إن تقديم التسهيلات الاقتصادية لشركات أجنبية قد يكون مفيداً إذا جرى وفق قواعد عادلة، لكنه يصبح موضع شبهة سياسية عندما يتزامن مع اعتماد عسكري متزايد على الدولة التي تستفيد من تلك التسهيلات. ففي هذه الحالة، تنشأ مخاوف من أن يتحول الدعم إلى مدخل لبناء علاقة غير متكافئة، تتداخل فيها احتياجات الجيش مع المصالح التجارية للطرف الخارجي.
وتظهر خطورة الاعتماد العسكري عندما تحتاج المنظومات المتطورة إلى صيانة وذخائر وقطع غيار وتدريب واتصالات مستمرة. فالدولة التي تشتري هذه الأنظمة لا تدفع ثمنها مرة واحدة فحسب، بل قد تدخل في سلسلة من الالتزامات التشغيلية التي تربط قدراتها العسكرية بمصدر التوريد. ومع مرور الوقت. يمكن أن تتحول العلاقة من شراء معدات إلى اعتماد طويل الأمد، خصوصاً إذا لم تتوافر بدائل فنية أو مصادر متعددة للإمدادات.
وبالنسبة إلى السودان، فإن استمرار الحرب يزيد هذه المخاطر. فكلما طال أمد القتال، ارتفعت الحاجة إلى الذخائر والصيانة والتحديث، وأصبح المورد الخارجي أكثر حضوراً في حسابات القيادة العسكرية. وقد يؤدي ذلك إلى جعل استمرار التعاون العسكري أولوية تتقدم على إعادة تقييم المصالح الوطنية، لا لأن هذا المسار حتمي، بل لأن ظروف الحرب تخلق حوافز قوية للحفاظ على قنوات الإمداد القائمة.
-
البرهان يلتقي قيادات في تركيا.. هل تعود جماعة الإخوان إلى واجهة السودان؟
-
زيارة غير معلنة للبرهان إلى تركيا تثير التساؤلات حول عودة الإسلاميين
كما أن الصفقات العسكرية قد تعزز الاعتقاد بإمكانية تحقيق الحسم الميداني بدلاً من البحث عن تسوية سياسية. وعندما تراهن القيادة على تفوق تقني جديد، قد تؤجل التفاوض أملاً في تحسين موقعها، فيما يرد الطرف الآخر بتعزيز قدراته أو تغيير تكتيكاته. وتستمر بذلك دورة من التصعيد تستنزف الموارد وتضاعف الخسائر المدنية.
ولا يمكن تحميل تركيا وحدها مسؤولية استمرار الحرب السودانية، لأن جذور الصراع تعود إلى أزمة داخلية عميقة، ولأن أطرافاً متعددة تتخذ قراراتها وفق حساباتها الخاصة. لكن هذا لا يعفي الشركات الموردة والدول الداعمة من مسؤولية تقييم أثر إمداداتها على احتمالات استمرار القتال. فالمسؤولية هنا ليست حكماً مسبقاً على النيات، وإنما ضرورة سياسية وأخلاقية وقانونية تستوجب الشفافية والمساءلة.
-
أسرار زيارة البرهان إلى تركيا: اتفاقات سرية أم ترتيبات سياسية؟
-
السودان في مرمى النفوذ الإقليمي.. كيف تؤثر تركيا وإيران وقطر على المشهد العسكري؟
إن أنقرة مطالبة بتوضيح طبيعة تعاونها العسكري مع الجيش السوداني، وضمان خضوع صفقات السلاح لتقييم صارم لمخاطر الاستخدام، وعدم السماح بتحول المصالح التجارية إلى غطاء لاستمرار الحرب. كما أن عليها أن تثبت أن اهتمامها بالموارد والموانئ لا يهدف إلى استغلال ضعف الدولة السودانية، وأن أي استثمارات مستقبلية ستخضع لاتفاقات معلنة تحقق منفعة متبادلة.
أما البرهان، فعليه أن يوضح للشعب السوداني تفاصيل أي اتفاقات استراتيجية تمس الموارد والموانئ والصناعات الدفاعية، وأن يضمن خضوعها للقانون والرقابة المستقلة. فالدعم العسكري، مهما بلغت أهميته في حسابات القيادة. لا يمنحها الحق في اتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية من دون ضمانات كافية للمصلحة العامة.
-
يد تركيا الخفية في حرب السودان: كيف تُسلّح أنقرة جيش البرهان؟
-
محلل سياسي: التقارب مع تركيا قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على السودان
إن المطلوب ليس إغلاق أبواب السودان أمام الاستثمار الأجنبي، بل منع تحويل الحرب إلى وسيلة لإعادة توزيع موارده بعيداً عن إرادة شعبه. فالسودان يحتاج إلى شركاء يساهمون في إعادة الإعمار، ويوفرون التكنولوجيا وفرص العمل، ويساعدون على تطوير اقتصاده. لا إلى علاقات تجعل قراره الاستراتيجي أكثر ارتباطاً بمصالح موردي السلاح والمستثمرين.
وفي النهاية، ستبقى قيمة أي شراكة تركية أو غيرها مرهونة بما تقدمه للسودانيين، لا بما تمنحه للقيادة العسكرية من قدرة على مواصلة القتال. فإذا كانت العلاقة مع أنقرة تحقق السلام والتنمية وتحمي السيادة الاقتصادية، فعليها أن تثبت ذلك من خلال العقود الشفافة والنتائج الملموسة. أما إذا تحولت إلى شبكة من الاعتماد العسكري والامتيازات غير الواضحة. فإنها ستظل موضع مساءلة سياسية، وسيكون من حق السودانيين المطالبة بمراجعتها واستعادة السيطرة الكاملة على مواردهم.
-
استحواذ البرهان على قصر فخم في تركيا
-
مباحثات تعزيز التعاون بين السودان و تركيا
-
“تحالف الذهب” بين البرهان وتركيا: التداول السياسي والاقتصادي




