تسريبات

مصر دعمت الجيش السوداني عسكريا ولوجستيا ووفرت له الغطاء الجوي والتدريب


منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، لم تتعامل مصر مع الصراع باعتباره أزمة داخلية سودانية بعيدة عن حدودها، بل نظرت إليه باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في وادي النيل والبحر الأحمر. ومع تطور المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت العلاقة التاريخية بين المؤسسة العسكرية المصرية والجيش السوداني إلى أحد أهم مصادر الدعم التي ساعدت القوات المسلحة السودانية على الحفاظ على قدراتها القتالية والاستمرار في الحرب.

ولم يقتصر هذا الدعم على المواقف السياسية والتصريحات الرسمية، بل تحدثت تقارير دولية عن أشكال متعددة من المساندة، شملت التدريب والذخائر والطائرات والمعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، إضافة إلى تعاون عسكري طويل الأمد بين جيشي البلدين.

وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن الجيش السوداني حافظ منذ بداية الحرب على علاقات وثيقة مع مصر، وأن تقارير وشهادات اتهمت القاهرة بتقديم دعم جوي وطائرات مقاتلة وذخائر وتدريب، فضلاً عن معلومات استخباراتية. وفي الوقت نفسه، نفت الحكومة المصرية تقديم دعم عسكري مباشر للجيش السوداني.

مناورات عسكرية سبقت الحرب

لفهم طبيعة الدور المصري خلال الحرب، لا بد من العودة إلى ما قبل اندلاع القتال. فقد كانت العلاقات العسكرية بين القاهرة والخرطوم قائمة منذ سنوات، وشهدت تدريبات ومناورات مشتركة بين القوات المسلحة في البلدين، كما جرى تبادل للخبرات العسكرية والتنسيق في مجالات متعددة.

هذه العلاقة جعلت الجيش السوداني، عند اندلاع الحرب، يمتلك قناة اتصال عسكرية مفتوحة مع المؤسسة العسكرية المصرية. وكان لذلك أثر مهم في قدرة الطرفين على التواصل والتنسيق، خصوصاً أن الحدود المشتركة بين البلدين تمتد لمسافة طويلة، بينما يمثل السودان بالنسبة لمصر عمقاً أمنياً وجغرافياً بالغ الحساسية.

ومع بداية الحرب، أصبحت هذه العلاقات أكثر أهمية. فالجيش السوداني واجه منذ الأيام الأولى تحدياً كبيراً يتمثل في انتشار قوات الدعم السريع داخل العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة من البلاد، إضافة إلى سيطرتها على مواقع استراتيجية. ومع استمرار القتال، احتاج الجيش إلى إعادة بناء قدرته الجوية وتعويض ما خسره من معدات ومنشآت.

وهنا برز الدور الخارجي في إعادة تعزيز قدراته.

التدريب والدعم الجوي

من أبرز الاتهامات التي طالت مصر خلال الحرب تقديم دعم جوي للجيش السوداني. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، اتهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، مصر بالمشاركة في ضربات جوية ضد قواته وتقديم دعم عسكري للجيش السوداني، بما في ذلك الطائرات المسيّرة. القاهرة نفت آنذاك مشاركتها في العمليات القتالية داخل السودان.

لكن مجرد نفي المشاركة المباشرة لا يلغي حقيقة وجود تعاون عسكري وثيق بين البلدين. فالمؤسسات الدولية التي درست الصراع وثقت وجود اتهامات متكررة بشأن تقديم مصر دعماً عسكرياً للجيش، فيما أكدت القاهرة في المقابل أنها تدعم الدولة السودانية ومؤسساتها وترفض انهيارها.

ووفق تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي للجوء، تضمنت الاتهامات الموجهة إلى مصر توفير طائرات مقاتلة من طراز K-8، وذخائر، وتدريب، إلى جانب دعم جوي ومعلومات استخباراتية.

وتكتسب مسألة التدريب أهمية خاصة لأن الحرب في السودان أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القوة الجوية والطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي. فالسيطرة على السماء تمنح الجيش قدرة على ضرب مواقع الخصم وإيقاف تحركاته، خصوصاً في المناطق المفتوحة وخارج المدن.

الطائرات المسيّرة تغير ميزان المعركة

مع طول أمد الحرب، أصبحت الطائرات المسيّرة من أهم أسلحة الصراع. فقد ساهم استخدامها في الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات في تغيير طبيعة المعارك.

وتشير تقارير بحثية إلى أن الجيش السوداني عزز قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، في وقت كان فيه يعاني من ضغوط عسكرية كبيرة على الأرض. كما تحدثت مصادر عن دور مصري في تسهيل أو دعم عمليات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والتدريب عليها.

وفي فبراير/شباط 2026، كشفت رويترز، استناداً إلى صور أقمار صناعية وتحليل خبراء، عن نشر مصر طائرات مسيّرة تركية متقدمة من طراز «أقنجي» في قاعدة العوينات الشرقية بالقرب من الحدود السودانية. واعتبر خبراء تحدثوا للوكالة أن الخطوة تمثل تحولاً نحو موقف عسكري مصري أكثر مباشرة في الحرب، مع ترجيحات باستخدام هذه الطائرات لتنفيذ ضربات داخل السودان.

وهذا التطور مهم لأنه يكشف أن الحسابات المصرية تجاه الحرب لم تعد مرتبطة فقط بالموقف الدبلوماسي، وإنما باتت تتأثر بصورة أكبر بالتطورات الميدانية بالقرب من الحدود.

الحدود المصرية تتحول إلى عنصر عسكري في الحرب

يمثل شمال السودان منطقة استراتيجية بالنسبة للقاهرة. فكلما اقتربت المعارك من الحدود المصرية، زادت المخاطر المرتبطة بانتقال السلاح والمقاتلين والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.

ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير تشدد مصر في دعم الجيش السوداني باعتباره محاولة لمنع قيام واقع أمني جديد على حدودها الجنوبية.

فالجيش السوداني بالنسبة للقاهرة يمثل مؤسسة دولة نظامية يمكن التعامل معها، بينما ينظر صانع القرار المصري إلى انهيار الدولة السودانية أو تفكك مؤسساتها باعتباره سيناريو شديد الخطورة.

ولهذا لم يكن الدعم المصري للجيش مجرد موقف سياسي من طرف في الحرب، بل ارتبط بحسابات تتعلق بالحدود والأمن القومي ومياه النيل ومستقبل الدولة السودانية.

المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري

من الوسائل التي يمكن أن تكون أكثر أهمية من الأسلحة نفسها المعلومات الاستخباراتية. وتتهم مصادر وتقارير مصر بتقديم معلومات استخباراتية للجيش السوداني، وهي اتهامات وردت أيضاً في تقارير دولية.

وفي حرب تعتمد على الطائرات المسيّرة والضربات الجوية وتحديد المواقع، تصبح المعلومات عاملاً حاسماً. معرفة أماكن انتشار القوات، وخطوط الإمداد، ومراكز القيادة، وتحركات الآليات يمكن أن تغير نتيجة معركة كاملة.

ولهذا فإن التعاون الاستخباراتي، إذا ثبت نطاقه الكامل، قد يكون من أهم أشكال الدعم التي حصل عليها الجيش السوداني من الخارج.

المساندة اللوجستية لا تقل أهمية عن السلاح

الحروب الطويلة لا تُحسم بالسلاح فقط. فالجيش يحتاج إلى الوقود والذخائر وقطع الغيار والصيانة ووسائل النقل والاتصالات.

ومن هنا تأتي أهمية الحدود المصرية بالنسبة للجيش السوداني. فالقرب الجغرافي يسمح بوجود مسارات يمكن استخدامها لنقل المعدات والإمدادات، كما يوفر إمكانية الوصول إلى منشآت وخدمات عسكرية ولوجستية متقدمة.

وتشير تقارير بحثية إلى أن مصر لعبت دوراً مهماً في الحفاظ على القدرة التشغيلية للجيش السوداني من خلال الدعم اللوجستي وتسهيل وصول بعض المعدات والإمدادات، في حين تظل بعض التفاصيل المتعلقة بحجم هذا الدعم وطبيعته محل جدل، بسبب غياب معلومات رسمية كاملة حول العمليات العسكرية السرية.

لكن المؤكد أن استمرار الجيش السوداني في القتال لأكثر من ثلاث سنوات، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها، لم يكن ممكناً من دون شبكة واسعة من الإمدادات والدعم الخارجي.

لماذا اختارت مصر الجيش؟

الإجابة ترتبط أولاً بطبيعة المؤسسة العسكرية المصرية نفسها. القاهرة تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره المؤسسة النظامية التي تمثل الدولة السودانية، وتعلن باستمرار دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة مؤسساته.

كما أن انهيار الجيش أو تفكك السودان إلى مناطق نفوذ مسلحة سيكون له انعكاسات مباشرة على الأمن المصري.

ولهذا، فإن الدعم المصري للجيش السوداني يمكن قراءته باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لمنع تحول السودان إلى دولة منهارة أو ساحة مفتوحة للجماعات المسلحة والقوى الخارجية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان استمرار دعم مصر للسودان على مختلف المستويات.

الدعم المصري أطال قدرة الجيش على الاستمرار

سواء تعلق الأمر بالتدريب أو الطائرات أو المعلومات أو الدعم اللوجستي أو التنسيق العسكري، فإن مجمل هذه الأدوات ساعدت على تعزيز قدرة الجيش السوداني على مواصلة الحرب.

وهذا لا يعني أن مصر هي العامل الوحيد الذي يفسر تطورات المعارك، فالجيش السوداني تلقى دعماً من مصادر متعددة، كما أن قوات الدعم السريع تمتلك بدورها شبكات إمداد وعلاقات خارجية.

لكن الدور المصري يظل مختلفاً بسبب عاملين: الجغرافيا، والعلاقة التاريخية بين المؤسستين العسكريتين.

وبذلك، تحولت مصر من مجرد دولة مجاورة تراقب الحرب إلى طرف إقليمي مؤثر في مسارها، حتى مع إصرار القاهرة على تقديم دورها باعتباره دفاعاً عن الدولة السودانية وسعيًا إلى إنهاء الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى