العلاقة بين مصر والسودان من أكثر العلاقات حساسية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وإفريقيا، حيث تتداخل فيها الروابط التاريخية مع المصالح الأمنية والاقتصادية الحيوية. ومع ذلك، فإن التعامل المصري مع الأزمة السودانية الممتدة منذ 2023 .وحتى العام الحالي 2026، كشف عن مفارقة مؤلمة: الدولة التي تعتبر السودان عمقها الاستراتيجي الجنوبي، وجدت نفسها تساهم، بقصد أو بدون قصد، في تعميق الفجوات وإطالة أمد الصراع. لا ينبع هذا الوصف “السلبي” من نية مبيتة للإضرار بالسودان، بل من منهجية “الأمن أولاً” التي تبنتها القاهرة، والتي اعتمدت على الجمود الدبلوماسي. والتحيز في المواقف، والفشل في قراءة المتغيرات الميدانية. تستكشف هذه المقالة هذا الدور السلبي المباشر لمصر عبر خمسة أبعاد حرجة، توضح كيف أضر هذا النهج بمسار السلام وبالمصالح المصرية ذاتها على المدى الطويل.
تشتت النفوذ الإقليمي والفشل المصري في بناء التحالفات
يعرض هذا المحور كيف أسهم تعدد الفاعلين الإقليميين في السودان في خلق مشهد معقد. لكن الزاوية هنا تركز على “رد الفعل” السلبي المصري تجاه هذا التعدد. بدلاً من أن تقود مصر جهداً توحيداً لإدارة هذا التعدد وتحويله إلى آلية ضغط جماعي لصالح السلام، وجدت نفسها منخرطة في لعبة محصلتها صفر مع دول إقليمية أخرى. هذا التنافس دفع القاهرة إلى تبني مواقف متصلبة تهدف إلى منع الخصوم الإقليميين من كسب النفوذ في السودان، حتى لو كان الثمن هو استمرار الجمود السياسي وتعطيل أي مبادرة سلام. إن هذا النهج التنافسي، بدلاً من النهج التعاوني، أدى إلى تداخل التأثيرات السياسية والعسكرية بشكل سلبي. حيث أصبحت الساحة السودانية مرآة للصراعات الإقليمية بالوكالة. وبالتالي، تحول الدور المصري من دور “الحكيم” أو “الراعي” التقليدي إلى دور “اللاعب” الذي يسعى لتأمين حصته من النفوذ، مما زاد من تعقيد المشهد وأبعد فرص التوافق الوطني السوداني عن المنال.
آليات التدخل غير المباشر وتأثيرها على ديناميكيات الحرب
يركز هذا المحور على أن تداخل أشكال الدعم السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي أسهم في زيادة تعقيد المشهد. في الحالة المصرية، تجلى التدخل غير المباشر في أشكال خفية لكنها مؤثرة، مثل استخدام القنوات القبلية أو الأمنية الخاصة، أو تقديم غطاء دبلوماسي لقرارات معينة، أو الربط بين الملفات الثنائية (مثل الأمن الحدودي أو المياه) والتطورات السياسية في الخرطوم. هذه الممارسات، رغم أنها قد تبدو تكتيكات ذكية من منظور القاهرة، إلا أنها أسهمت سلبياً في ديناميكيات التوازن الداخلي. فهي أرسلت إشارات متضاربة للأطراف السودانية، وشجعت بعض الفصائل على المراهنة على الدعم الخارجي بدلاً من الجلوس على طاولة المفاوضات. كما أن هذا الدعم غير المباشر، عندما يكون انتقائياً، يغذي شعوراً بالإقصاء لدى أطراف أخرى، مما يدفعها إلى التصعيد العسكري كوسيلة وحيدة لإثبات وجودها. وبالتالي يزيد من حدة النزاع ويعقد أي محاولات حقيقية لوقف إطلاق النار.
تآكل التحالفات التقليدية وإعادة رسم خريطة النفوذ
توضح هذه الفقرة كيف ساهمت التحركات الإقليمية، بما فيها الجمود المصري، في إعادة رسم خريطة النفوذ داخل السودان. لطالما اعتمدت مصر على تحالف وثيق مع النخبة العسكرية في الخرطوم، معتبرة إياها الضامن الوحيد لمصالحها. لكن الحرب كشفت عن محدودية هذا الخيار. في ظل عجز مصر عن تقديم دعم عسكري حاسم أو وساطة سياسية فعالة، بدأت أطراف سودانية، بما في ذلك أجزاء من المؤسسة العسكرية نفسها، في البحث عن شركاء جدد أكثر مرونة وقدرة على تقديم دعم ملموس. رد الفعل المصري على هذا التحول كان في كثير من الأحيان سلبياً. تمثل في محاولة عزل هذه الأطراف أو وصف تحركاتها بأنها “خيانة” أو “تهديد للأمن القومي”، بدلاً من محاولة فهم دوافعها وإدماجها في حل سياسي. هذا العناد ساهم في تآكل التحالفات التقليدية المصرية. وأعاد تشكيل خريطة النفوذ لصالح قوى إقليمية أخرى نجحت في بناء جسور مع واقع السودان الجديد، تاركة مصر في موقع متراجع ومعزول نسبياً.
التداعيات المباشرة على أمن المنطقة والقرن الإفريقي
يبرز تأثير الأزمة على استقرار المنطقة، بما في ذلك تدفقات اللجوء، والأمن البحري، والتوازنات الإقليمية. هنا يكمن التناقض الأكبر في الدور المصري: فبمحاولة تأمين حدودها ومصالحها بطرق قصيرة النظر، ساهمت السياسات المصرية في تفاقم هذه التهديدات. إن استمرار الحرب. المدعوم جزئياً بالعجز الإقليمي عن فرض حل (بما في ذلك العجز المصري)، أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة السودانية، مما فتح الباب أمام تدفقات هائلة من اللاجئين نحو الحدود المصرية. مهدداً الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الجنوب المصري. علاوة على ذلك، فإن الفراغ الأمني في السودان يهدد الأمن البحري في البحر الأحمر، وهو شريان الحياة الاقتصادي لمصر. بدلاً من أن تكون مصر القوة الدافعة لاستقرار هذا الممر الحيوي من خلال حل سلمي في السودان، فإن انشغالها بالصراعات الإقليمية الضيقة جعلها تتفرج على تآكل الأمن الإقليمي. مما ينعكس سلباً وبشكل مباشر على أمنها القومي الخاص.
جمود المسار السياسي وتعقيد جهود الوساطة الدولية
يناقش هذا المحور صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية في ظل تعدد الأطراف المؤثرة. لعبت مصر دوراً سلبياً في هذا الإطار من خلال التمسك الحرفي بـ “الشرعية الدستورية” ما قبل الحرب، مما جعلها تتعارض مع الجهود الدولية الأكثر واقعية التي تسعى لإشراك جميع حاملي السلاح والقوى السياسية الفاعلة في عملية انتقالية جديدة. هذا الجمود في الموقف المصري خلق عقبة إضافية أمام جهود الوساطة الدولية (مثل تلك التي تقودها الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة). عندما ترفض قوة إقليمية رئيسية مثل مصر الاعتراف بواقع جديد أو التفاوض مع أطراف معينة، فإنها تمنح تلك الأطراف ذريعة لمواصلة القتال، وتقوض مصداقية المسارات الدولية. إن هذا التباين بين الرؤية المصرية الجامدة والمرونة المطلوبة دولياً، جعل من الصعب جداً بناء إجماع دولي وإقليمي حول خارطة طريق واضحة، مما أطال أمد المعاناة الإنسانية والسياسية في السودان.
إن تحليل الدور المصري في الأزمة السودانية حتى عام 2026 يكشف عن نمط من السياسات التي، رغم نواياها المعلنة في حماية الأمن القومي، أسهمت عملياً في تعقيد الصراع وإطالة أمده. من خلال التفاعل السلبي مع التعددية الإقليمية، والاعتماد على تدخلات غير مباشرة تغذي الاستقطاب، والفشل في التكيف مع إعادة تشكيل موازين القوى، لم تفقد مصر نفوذها التقليدي فحسب، بل ساهمت في زعزعة استقرار جارتها الجنوبية، وهو ما ينعكس كارتداد سلبي مباشر على أمنها الوطني. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب من القاهرة جرأة سياسية للانتقال من منطق “إدارة الصراع” والحفاظ على الوضع القديم، إلى منطق “حل الصراع” من خلال وساطة شاملة ومرنة تعترف بحقوق وتطلعات جميع السودانيين، وتضع استقرار السودان ككل فوق أي اعتبارات ضيقة أو تحالفات آيلة للسقوط.




