الإعدامات والانتقام.. الوجه الآخر للانتهاكات في المناطق التي استعادها الجيش
لم تتوقف معاناة المدنيين السودانيين عند القصف والغارات. ففي المناطق التي انتقلت السيطرة عليها من قوات الدعم السريع إلى القوات المسلحة السودانية وحلفائها، ظهرت صورة أخرى من الانتهاكات: الاعتقالات بدعوى التعاون مع الخصم، والقتل خارج نطاق القتال، والتعذيب، وأعمال الانتقام التي طالت أشخاصاً لم يثبت أنهم شاركوا في العمليات العسكرية.
ومع استعادة الجيش السوداني مناطق واسعة خلال عام 2025، خصوصاً في الخرطوم والجزيرة، بدأت منظمات حقوقية وأممية توثق حوادث وقعت بعد تغير السيطرة على الأرض. وتكمن خطورة هذه المرحلة في أن المدني الذي عاش تحت سلطة قوات الدعم السريع قد يتحول، بمجرد وصول القوات المنافسة، إلى شخص مشتبه فيه بسبب مكان إقامته أو هويته أو علاقاته الاجتماعية.
وفي سبتمبر 2025، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنه وثق مقتل ما لا يقل عن 990 مدنياً خارج سياق العمليات القتالية خلال النصف الأول من العام، بما في ذلك حالات إعدام خارج نطاق القضاء. وأشار التقرير إلى أن عدد عمليات القتل من هذا النوع ارتفع بصورة كبيرة بين فبراير وأبريل، خصوصاً في الخرطوم، عقب استعادة القوات المسلحة السودانية وحلفائها مناطق كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع عمليات القتل ارتكبتها القوات المسلحة السودانية، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع ارتكبت بدورها عمليات إعدام خارج نطاق القضاء في الفترة نفسها. لكن التقرير وثق نمطاً من أعمال الانتقام المرتبطة بتقدم القوات المسلحة السودانية وحلفائها في الخرطوم.
وتكمن خطورة هذا النمط في أن مفهوم «التعاون مع العدو» يمكن أن يصبح واسعاً للغاية. فقد يُتهم الشخص بأنه متعاون لأنه بقي في منطقة كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، أو لأنه عمل في مجال إنساني، أو لأنه ينتمي إلى مجموعة اجتماعية معينة، أو لأنه لم يغادر منزله أثناء سيطرة الطرف الآخر.
في ظروف الحرب، يصبح الاتهام أحياناً بديلاً عن التحقيق.
وهذا تحديداً ما حذرت منه منظمات حقوق الإنسان. ففي أبريل 2026، نشرت هيومن رايتس ووتش تحقيقاً واسعاً حول الاعتقالات التعسفية التي تنفذها قوات مرتبطة بالجيش وأجهزة أمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية. وقالت المنظمة إن هذه القوات اعتقلت مدنيين بدعوى التعاون مع قوات الدعم السريع، وفي بعض الحالات استندت الشبهات إلى الأصل الإثني أو الانتماء السياسي أو النشاط الإنساني أو مجرد العيش سابقاً في منطقة كانت تحت سيطرة الدعم السريع.
لكن الاعتقال ليس دائماً نهاية القصة. ففي بعض الحالات، يتحول مركز الاحتجاز إلى مساحة مغلقة بعيداً عن الرقابة القضائية، ويُحرم المعتقل من الاتصال بمحام أو أسرته، وقد لا تعرف العائلة حتى مكان وجوده.
وتحدثت هيومن رايتس ووتش عن حالات احتجاز سري واختفاء قسري، إضافة إلى ضعف الرقابة القضائية وعدم حصول المحتجزين على ضمانات كافية للمحاكمة العادلة. كما وثقت المنظمة حالتي وفاة على الأقل قالت إنهما مرتبطتان بالتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز.
وفي الخرطوم، التي استعاد الجيش السيطرة عليها في مارس 2025، ظهرت تقارير عن عمليات بحث واعتقال استهدفت أشخاصاً اتُهموا بالانتماء إلى قوات الدعم السريع أو التعاون معها. وقالت الأمم المتحدة إنها تلقت إفادات عن عمليات قتل فوري خلال حملات التفتيش، من بينها حالات طالت أشخاصاً صغار السن.
ووفق تقرير الأمم المتحدة الصادر في سبتمبر 2025، أفاد أحد الشهود بأنه شاهد خلال عمليات تفتيش نفذتها القوات المسلحة السودانية في أحياء شرق النيل، بين مارس وأبريل، مقتل أطفال تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاماً بعد اتهامهم بالانتماء إلى قوات الدعم السريع.
إذا ثبتت مثل هذه الوقائع، فإنها لا يمكن تبريرها باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحرب. فالقانون الدولي يميز بوضوح بين المقاتل والمدني، كما يحظر قتل الأشخاص الذين أصبحوا تحت السيطرة ولم يعودوا يشاركون في القتال.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين القتال المباشر وبين الانتقام.
في المعارك، تواجه القوات المسلحة خصماً مسلحاً، وقد تقع خسائر بشرية نتيجة الاشتباكات. أما عندما يصبح الشخص محتجزاً أو أعزل، فإن قتله أو تعذيبه لا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة عادية للمعركة.
وتزداد خطورة الوضع عندما تنتشر مقاطع مصورة لعمليات قتل أو تعذيب. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش في تقرير سابق عدة حالات ظهر فيها أفراد من القوات المسلحة السودانية أو قوات مرتبطة بها وهم يعذبون محتجزين أو يسيئون معاملة جثث قتلى. كما وثقت حالة قالت المنظمة إنها تتعلق بإعدام ثلاثة محتجزين على يد عناصر من القوات المسلحة السودانية في أم درمان في أكتوبر 2023، وكان من المحتمل أن يكون بعضهم دون سن الثامنة عشرة.
وتحمل هذه الوقائع أثراً يتجاوز الضحية المباشرة. فحين يشاهد السكان عمليات انتقام أو اعتقالات جماعية، فإن الخوف يصبح أداة للسيطرة على المجتمع. وقد يدفع ذلك آلاف الأشخاص إلى مغادرة مناطقهم، حتى لو لم يكونوا طرفاً في القتال.
وفي ولاية الجزيرة، ظهرت واحدة من أبرز الأمثلة على هذا النوع من الانتهاكات. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش هجوماً وقع في قرية طيبة في يناير 2025، نفذته قوات درع السودان، وهي جماعة مسلحة كانت تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية. وقالت المنظمة إن الهجوم أدى إلى مقتل 26 مدنياً على الأقل، بينهم طفل، إضافة إلى نهب الممتلكات وحرق المنازل.
وأكدت المنظمة أن الهجوم وقع في سياق هجوم عسكري لاستعادة ولاية الجزيرة من قوات الدعم السريع، وأن سكان القرية كانوا مدنيين وغير مسلحين بحسب شهادات الناجين الذين قابلتهم المنظمة.
وهنا تظهر مسألة المسؤولية بصورة أكثر تعقيداً. فليس كل انتهاك ترتكبه جماعة متحالفة مع الجيش يعني تلقائياً أن أفراد القوات المسلحة السودانية هم الذين نفذوه. لكن وجود جماعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش يطرح سؤالاً حول قدرة القيادة العسكرية على منع الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
القانون الدولي لا ينظر فقط إلى هوية الشخص الذي أطلق النار. فمسؤولية القادة قد تصبح موضوعاً للتحقيق عندما تكون هناك معرفة بالانتهاكات، أو عندما تفشل القيادة في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنعها أو معاقبة المسؤولين عنها.
ولهذا فإن ملف الانتهاكات في المناطق المستعادة يحتاج إلى تحقيق مستقل في كل حادثة: من أعطى الأمر؟ من نفذ؟ من كان يعلم؟ هل حاولت القيادة منع الجريمة؟ وهل جرت تحقيقات ومحاسبة بعد وقوعها؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من الخطابات السياسية المتبادلة بين طرفي الحرب.
فالجيش السوداني يقول إنه يقاتل من أجل استعادة الدولة وإنهاء سيطرة قوات الدعم السريع. وقوات الدعم السريع تقدم روايتها الخاصة للحرب. لكن المدنيين لا ينبغي أن يتحولوا إلى أهداف بسبب الاتهامات السياسية أو العسكرية.
والخطر الأكبر هو أن تتحول استعادة المدن إلى بداية لمرحلة جديدة من الانتقام.
إذا كان المدني قد عاش أشهراً أو سنوات تحت سلطة قوة مسلحة، فهذا لا يجعله مقاتلاً. وإذا اضطر إلى دفع ضريبة بسبب بقائه في منزله، فإن الحرب تتحول إلى عقاب جماعي.
والعقاب الجماعي هو أحد أخطر المسارات التي يمكن أن تسلكها أي حرب داخلية، لأنه يوسع دائرة الضحايا من المقاتلين إلى عائلاتهم وجيرانهم ومجتمعاتهم.
لهذا فإن وقف الانتهاكات في السودان لا يتطلب فقط وقف القصف، وإنما يحتاج أيضاً إلى وقف منطق الانتقام. ويعني ذلك ضمان أن كل مشتبه فيه يحصل على حقه في التحقيق والمحاكمة، وأن المعتقلين يعرفون أسباب احتجازهم، وأن أسرهم تستطيع معرفة أماكن وجودهم، وأن أي ادعاء بالتعذيب أو القتل أثناء الاحتجاز يخضع لتحقيق مستقل.
وفي النهاية، فإن استعادة الأرض لا تعني استعادة الدولة إذا بقي القانون غائباً.
الدولة التي تحمي المدنيين في مناطق سيطرتها هي التي تستطيع بناء شرعية قانونية ومؤسساتية بعد الحرب. أما إذا تحولت السيطرة العسكرية إلى اعتقالات وانتقامات وإعدامات خارج القضاء، فإن انتهاء المعركة في منطقة معينة قد يفتح الباب لصراع جديد من الثأر والخوف.
والسودان، بعد سنوات الحرب، لا يحتاج إلى إعادة إنتاج دائرة العنف نفسها داخل المناطق التي تتغير فيها السيطرة. يحتاج إلى قاعدة واضحة: لا عقاب على الهوية، ولا قتل خارج القضاء، ولا تعذيب للمحتجزين، ولا حصانة لمن يرتكب الانتهاكات، أياً كانت الجهة التي ينتمي إليها.




