مجزرة المعدّنين السودانيين تفتح ملف العلاقة بين القاهرة والخرطوم.. هل تحوّلت سيادة السودان إلى ورقة في حسابات البرهان؟
تضع الاتهامات المتعلقة بقصف موقع للتعدين الأهلي في منطقة صحراوية حدودية بالسودان العلاقة بين القاهرة والخرطوم أمام اختبار بالغ الحساسية، لا يتعلق فقط بالجهة التي نفذت الغارة، بل أيضاً بمدى قدرة القيادة السودانية على حماية المواطنين وصون سيادة البلاد في ظل الحرب.
-
القاهرة بين وهم السيطرة على الخرطوم وجني محصول أسلمة الجيش
-
القاهرة والخرطوم.. كيف ساهمت السياسات المصرية في تعقيد الأزمة السودانية وإطالة أمد الصراع؟
فالرواية المتداولة عن استهداف معدّنين سودانيين وسقوط عشرات القتلى والجرحى تثير أسئلة تتجاوز تفاصيل العملية العسكرية إلى طبيعة التفاهمات الأمنية بين مصر والقيادة السودانية، وحدود التعاون بين الطرفين، وما إذا كانت المصالح السياسية والعسكرية قد طغت على واجب حماية المدنيين. وحتى الآن، تظل الاتهامات المتعلقة بمسؤولية القوات المصرية وبوجود تنسيق مسبق مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بحاجة إلى أدلة مستقلة وتحقيق موثوق، لكن خطورة ما نُقل عن الحادث تجعل الصمت الرسمي غير كافٍ، وتفرض على الطرفين تقديم إجابات واضحة بشأن ما وقع ومن يتحمل مسؤوليته.
قصف المعدّنين يعيد طرح سؤال السيادة السودانية
بحسب الرواية التي أوردها المستخدم، استهدفت غارات جوية موقعاً للتعدين الأهلي في منطقة صحراوية قريبة من الحدود المصرية، وقيل إن الموقع يقع داخل الأراضي السودانية. وتحدثت تقديرات منسوبة إلى مجموعة «محامو الطوارئ» عن مقتل نحو 72 شخصاً، فيما نُقلت عن شاهدين إفادات تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 65 شخصاً وإصابة أكثر من 120 آخرين. وتحتاج هذه الحصيلة إلى تحقق مستقل، لكن الأرقام المتداولة، إذا ثبتت، تعكس كارثة إنسانية تستدعي كشفاً عاجلاً لملابساتها.
-
الأرقام والمسارات الجوية تفضح تعتيم حركة الطيران بين القاهرة ومطاري الخرطوم وبورتسودان
-
كواليس الاجتماعات السرية بين القاهرة والخرطوم.. خطة لتصفية نفوذ الإخوان في الجيش السوداني
إن المسألة الجوهرية هنا هي تحديد ما إذا كانت قوة عسكرية أجنبية قد نفذت ضربة داخل الأراضي السودانية، وما الأساس الذي استندت إليه، وما إذا كانت السلطات السودانية على علم بها قبل وقوعها. فسيادة الدول لا تُختبر في البيانات السياسية وحدها، بل في قدرتها على حماية السكان والتحقيق في الانتهاكات المحتملة، ورفض ترك مصير مواطنيها رهناً بتفاهمات لا يعرفون تفاصيلها.
وإذا ثبت أن القوات المصرية نفذت الهجوم، فإن القاهرة ستكون مطالبة بتوضيح الهدف الذي استُهدف، والمعلومات التي استندت إليها، والإجراءات التي اتخذتها لتجنب سقوط المدنيين. أما إذا كانت هناك رواية مختلفة عن الجهة المنفذة أو طبيعة الموقع، فيجب عرض الأدلة التي تدعمها أمام تحقيق مستقل. وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن تتحول الحدود إلى منطقة غامضة تتعطل فيها قواعد المساءلة بمجرد أن تكون الضحايا من العاملين في التعدين الأهلي.
-
قصف المعدّنين السودانيين يضع مصر تحت المساءلة.. من أعطى الضوء الأخضر لاستهداف منجم الذهب؟
-
اتهامات لمصر بقتل معدّني الذهب السودانيين.. هل تكشف التحقيقات حقيقة ما جرى في شمال الوادي؟
Voir cette publication sur Instagram
البرهان مطالب بتوضيح حقيقة العلاقة الأمنية مع القاهرة
تكتسب القضية بعداً سياسياً إضافياً بسبب الاتهامات التي تتحدث عن علم مسبق أو تنسيق بين قيادة الجيش السوداني والجانب المصري. ولا يمكن التعامل مع هذه المزاعم باعتبارها حقيقة مؤكدة من دون أدلة تثبت طبيعة التواصل وتوقيته ومضمونه. غير أن خطورة الاتهام تفرض على قيادة عبد الفتاح البرهان توضيح موقفها، خصوصاً إذا كان القصف قد وقع بالفعل داخل الأراضي السودانية وأوقع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين.
فإذا لم تكن القيادة السودانية على علم بالعملية، فإن عليها المطالبة بتفسير رسمي من القاهرة، وتقديم ما لديها من معلومات للتحقيق، والإعلان عن الخطوات التي اتخذتها لحماية السكان في المنطقة. أما إذا أظهرت الأدلة وجود إخطار مسبق أو تفاهم أمني بشأن العملية، فسيكون من الضروري الكشف عن طبيعة ذلك التفاهم، وما إذا كان قد تضمّن معلومات عن وجود مدنيين، وما الإجراءات التي اتُخذت لمنع تعريضهم للخطر.
-
غارات مصرية على شمال الوادي تثير الغضب في السودان وتفتح ملف استهداف معدّني الذهب
-
الجيش المصري يقرّ بمواصلة عمليات مكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب قرب الحدود السودانية وسط تصاعد الجدل بشأن الغارات
ولا يعني طرح هذه الأسئلة إصدار حكم مسبق على البرهان أو الجزم بوجود اتفاق مع مصر، بل يعني أن المسؤولية السياسية تقتضي الشفافية عندما يتعلق الأمر بأرواح المواطنين. فالقيادة التي تتولى إدارة الحرب مطالبة بتوضيح قراراتها الأمنية، ولا يجوز أن تظل الأسئلة المتعلقة بحماية المدنيين والسيادة الوطنية بلا إجابات بحجة حساسية العلاقات بين الدول.
كما أن العلاقة مع القاهرة، مهما كانت أهميتها العسكرية أو السياسية، لا يمكن أن تمنح أي طرف حصانة من المساءلة. فالتعاون بين الدول ينبغي أن يقوم على احترام السيادة والقانون، وأن تكون حماية المدنيين جزءاً أساسياً منه، لا تفصيلاً ثانوياً يمكن تجاهله عندما تتعارض متطلبات الأمن مع مصالح السكان.
-
أطماع السيسي في السودان.. الذهب والحدود والنفوذ الإقليمي تضع القاهرة أمام تساؤلات متصاعدة
-
البرهان وحلايب والرتج.. اتهامات بصفقة سرية مع السيسي تفتح ملف السيادة السودانية
مصر أمام مسؤولية توضيح طبيعة الغارة
إذا ثبتت مسؤولية القوات الجوية المصرية عن القصف الموصوف، فإن القاهرة ستكون أمام أسئلة قانونية وسياسية جدية. أولها: لماذا جرى استهداف الموقع؟ وثانيها: هل كان الهدف عسكرياً محدداً أم موقعاً مدنياً يعمل فيه معدّنون؟ وثالثها: هل جرى التحقق من طبيعة الأشخاص الموجودين في المكان قبل تنفيذ الضربة؟ ورابعها: هل اتُّخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب سقوط المدنيين أو تقليل الأضرار المحتملة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتكهنات أو الاتهامات المتبادلة. فالتقييم القانوني لأي ضربة عسكرية يتوقف على طبيعة الهدف والظروف المحيطة بالهجوم والمعلومات المتاحة للجهة المنفذة وقت اتخاذ القرار. وإذا كان الموقع مدنياً ولم يكن هدفاً عسكرياً مشروعاً، فإن استهدافه قد يشكل انتهاكاً خطيراً يستوجب التحقيق والمساءلة، بحسب ما تثبته الأدلة.
-
سقوط شعارات السيادة.. هل فقدت السلطة العسكرية في السودان مبرر استمرارها في الحكم؟
-
غارات مصرية جديدة على مناجم الذهب شمال السودان.. قتلى وجرحى ومئات المعدّنين يفرّون إلى الجبال
وفي المقابل، فإن الادعاء بوجود نشاط غير قانوني في منطقة التعدين، إن طُرح، لا يكفي وحده لتبرير استخدام القوة الجوية. فمكافحة التهريب أو حماية الحدود ينبغي أن تتم وفق قواعد واضحة، وبوسائل متناسبة مع الخطر، مع احترام الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين. كما أن وجود الذهب أو قرب الموقع من الحدود لا يحوّل العاملين فيه تلقائياً إلى أهداف عسكرية.
ومن هنا، فإن الشفافية المصرية تمثل عنصراً أساسياً في معالجة القضية. فالإفصاح عن موقف رسمي واضح، والتعاون مع تحقيق مستقل، وتمكين الجهات المختصة من فحص الأدلة، خطوات من شأنها المساعدة في تحديد الحقيقة بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام الشكوك والتأويلات.
-
مصر دعمت الجيش السوداني عسكريا ولوجستيا ووفرت له الغطاء الجوي والتدريب
-
من الحرب إلى الاستغلال.. سودانيات في مصر يواجهن فخًا جديدًا للبقاء
الذهب السوداني بين اقتصاد الحرب ومخاوف الاستغلال
لا يمكن فصل الحادث المزعوم عن السياق الأوسع الذي أصبحت فيه الموارد الطبيعية السودانية جزءاً من اقتصاد الحرب وشبكات المصالح المتداخلة. فالذهب يمثل مورداً اقتصادياً مهماً، ويعمل عدد من السودانيين في استخراجه بصورة أهلية، غالباً في مناطق بعيدة عن الخدمات والرقابة الكافية. وفي ظل الحرب، تتزايد المخاطر المرتبطة بضعف مؤسسات الدولة، وتراجع القدرة على حماية مواقع الإنتاج، واتساع الأنشطة غير الرسمية.
لكن وجود هذه المخاطر لا يثبت أن الذهب كان الدافع وراء الغارة المزعومة، ولا يكفي لإسناد نية اقتصادية إلى الجهة التي يُقال إنها نفذت الهجوم. فإثبات الدافع يتطلب أدلة منفصلة عن مجرد وقوع القصف في منطقة تعدين. ومع ذلك، فإن الحادث يعيد تسليط الضوء على سؤال أوسع: من يحمي العاملين في مناطق استخراج الذهب، ومن يضمن ألا تتحول الثروة المعدنية إلى عامل إضافي لتعريض المدنيين للخطر؟
-
حرب السودان تتجاوز الحدود.. الخرطوم تتحرك للحوار مع جيرانها
-
الأبعاد السياسية والاقتصادية للتدخل الخارجي في السودان
إن حماية الموارد الطبيعية لا تنفصل عن حماية البشر الذين يعتمدون عليها في معيشتهم. وإذا كانت السلطات السودانية تسعى إلى تنظيم قطاع التعدين أو مكافحة تهريب الذهب، فإن ذلك يتطلب بناء مؤسسات رقابية فعالة، وتوفير حماية قانونية للعاملين، وتحديد مسؤوليات الجهات الأمنية، ومنع استخدام القوة خارج الأطر القانونية.
كما يتعين على السلطات أن تضمن ألا تُستغل الفوضى الناتجة عن الحرب لتوسيع النفوذ على المناطق الغنية بالموارد، أو لفرض ترتيبات لا يعرف السكان المحليون طبيعتها. لكن أي ادعاء بوجود استغلال منظم أو تفاهمات سرية بشأن الذهب يجب أن يستند إلى وثائق وشهادات قابلة للتحقق، لا إلى الاستنتاجات وحدها.
شهادات الضحايا تستدعي تحقيقاً لا سجالاً سياسياً
تحدثت الرواية المنقولة عن شهادة الشاب سيف الدين آدم، البالغ 26 عاماً، بشأن المشاهد التي أعقبت القصف ومساعدة المصابين وانتشال الجثامين. ومثل هذه الإفادات، إذا أمكن توثيقها والتحقق منها، قد تساعد في تحديد توقيت الهجوم وطبيعته وعدد الضحايا، كما قد تكشف ما إذا كان الموقع يضم مدنيين أثناء الضربة.
وتحتاج عملية التحقق إلى جمع شهادات الناجين والمسعفين وأسر الضحايا، وفحص التسجيلات المصورة وتحديد مواقعها وتواريخها، ومراجعة السجلات الطبية وشهادات الدفن، وتحليل بقايا الذخائر إذا كانت متاحة. كما ينبغي فحص صور الأقمار الصناعية والبيانات الأخرى التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث، مع ضمان حماية الشهود وعدم تعريضهم للضغط أو الانتقام.
إن الاختلاف بين تقديرات أعداد القتلى لا ينبغي أن يستخدم لتقويض شهادات الضحايا أو التقليل من خطورة الواقعة. وفي الوقت نفسه، فإن احترام الضحايا يقتضي عدم تقديم الأرقام الأولية باعتبارها حصيلة نهائية قبل استكمال التحقق. فالدقة ليست نقيضاً للتعاطف، بل شرط من شروط العدالة.
والأهم أن التحقيق ينبغي ألا يقتصر على تحديد الجهة التي نفذت الضربة، بل يجب أن يدرس أيضاً القرارات التي سبقتها، والمعلومات التي بُنيت عليها، ومدى الالتزام بالاحتياطات المطلوبة، وأي إخفاق محتمل في حماية المدنيين أو الاستجابة للضحايا بعد وقوع الهجوم.
ما الذي ينبغي أن تفعله الخرطوم والقاهرة؟
تتطلب معالجة القضية خطوات عملية تتجاوز التصريحات العامة. فعلى السلطات المصرية توضيح موقفها من الاتهامات، والكشف عن أي معلومات ذات صلة بالعملية إذا ثبت وقوعها، والتعاون مع التحقيقات المستقلة. وعلى القيادة السودانية المطالبة رسمياً بتفسير واضح، والتحقق من الحادث داخل أراضيها، وضمان توثيق الضحايا وحماية الشهود، وإطلاع أسر المتضررين على ما يمكن تأكيده من نتائج.
كما ينبغي إتاحة المجال للجهات الحقوقية المستقلة لتوثيق الوقائع وفق إجراءات مهنية، مع مراعاة سلامة العاملين في الميدان. ويمكن أن يشمل ذلك توثيق أسماء الضحايا، ومقارنة الشهادات، وفحص الأدلة المادية والرقمية، ونشر نتائج قابلة للمراجعة. وإذا ظهرت أدلة على انتهاكات، فيجب اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق كل من تثبت مسؤوليته، من دون استثناء بسبب المنصب أو الجنسية.
أما إذا اتضح أن بعض التفاصيل المتداولة غير دقيقة، فينبغي تصحيحها علناً. فالهدف من التحقيق ليس تثبيت رواية سياسية مسبقة، بل الوصول إلى حقيقة يمكن الاستناد إليها في تحديد المسؤوليات ومنع تكرار الحادث.
-
كيف تحوّلت قاعدة شرق العوينات إلى رئة تنفس اصطناعي لسلطة بورتسودان؟
-
السودان ومعضلة التوازنات الإقليمية: بين تقاطع المصالح وساحة الصراع في القرن الإفريقي
الخلاصة: سيادة السودان لا تُصان بالصمت
تضع قضية المعدّنين السودانيين مصر أمام ضرورة الإجابة عن الاتهامات المتعلقة بالغارة، وتضع قيادة عبد الفتاح البرهان أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بحماية المواطنين وصون السيادة الوطنية. ولا يمكن الجزم، قبل تحقيق مستقل، بكل تفاصيل العملية أو تأكيد وجود تنسيق مسبق بين القاهرة والخرطوم. لكن هذه التحفظات لا تقلل من ضرورة التحقيق، ولا تبرر ترك الضحايا وذويهم في مواجهة الغموض.
إن أي علاقة أمنية بين دولتين يجب أن تخضع للقانون وأن تحترم سيادة كل منهما وحقوق المدنيين. وإذا ثبت أن قوة أجنبية استهدفت موقعاً مدنياً داخل السودان، فإن المسؤولية تقتضي كشف الأساس الذي بُنيت عليه العملية ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاك يثبته التحقيق. وإذا ثبت وجود علم مسبق أو تنسيق من جانب مسؤولين سودانيين، فإن طبيعة ذلك الدور يجب أن تُفحص هي الأخرى وفق الأدلة.
لا يجوز أن يصبح الذهب ذريعة لتجاهل أرواح العاملين في استخراجه، ولا أن تتحول العلاقات السياسية إلى حاجز يمنع كشف الحقيقة. فالسودانيون الذين يسعون إلى تأمين لقمة عيشهم في مناطق التعدين يستحقون الحماية، وأسر الضحايا تستحق معرفة ما حدث، والرأي العام يستحق إجابات واضحة. وحده التحقيق المستقل والشفاف يستطيع أن يحسم الاتهامات. ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً للإفلات من المساءلة.
-
الكيماوي في السودان.. ثغرات بتقرير بورتسودان تفتح باب الجدل
-
خدعة الأبيض: كشف التحشيدات الخفية للجيش في جبرة الشيخ ورهيد النوبة
-
السودان في قلب تقاطعات إقليمية تعيد رسم موازين القوى على ضفاف النيل
-
كيف حبست المقاربة الأمنية السعودية مستقبِل السودان في فخ الشرعيات العسكرية؟
-
تصاعد القتال يهدد السودان بانهيار اجتماعي واسع




