تسريبات

تكلفة الإطالة والدمار: انعكاسات التدخل السلبي


بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تعد السودان تواجه مجرد أزمة سياسية أو عسكرية عابرة، بل تواجه خطراً وجودياً يهدد كيان الدولة ذاتها. إن التدخلات الخارجية السلبية، والتي تقودها المحاور التركية-المصرية والقطرية-السعودية، لم تكن مجرد عوامل مساعدة على استمرار القتال، بل كانت المحرك الرئيسي الذي حول الصراع إلى كارثة إنسانية وديموغرافية واقتصادية غير مسبوقة. إن تكلفة هذه الإطالة لا تُقاس فقط بالخسائر المادية، بل بالتمزق الاجتماعي، وتدمير مؤسسات الدولة، وفتح أبواب الجحيم على مصراعيها أمام الكوارث التي حلت بالشعب السوداني.
تدمير الدولة والبنية التحتية
أول وأبرز انعكاسات التدخل السلبي هو الاستمرار في تدمير مقومات الدولة. عندما يضمن الدعم الخارجي (سواء كان عسكرياً من أنقرة، أو غطاءً دبلوماسياً من العواصم الخليجية) استمرار الحرب، فإن ذلك يعني أن المدن السودانية ستستمر في القصف، وأن البنية التحتية من جسور، وطرق، ومصانع، ومستشفيات، ستُحول إلى ركام. إن الاقتصاد السوداني، الذي كان يعاني أصلاً من هشاشة قبل الحرب، انهار تماماً بسبب استمرار النزيف المالي لتمويل الحرب. البنوك أُغلقت، والعملة الوطنية فقدت قيمتها، والزراعة التي كانت تُعول عليها البلاد توقفت بسبب نزوح المزارعين وتلوث الأراضي بالألغام. إن التدخلات الخارجية، من خلال ضمانها لاستمرار تدفق الأموال والسلاح، منعت أي فرصة لبدء مرحلة الإنقاذ الاقتصادي، وأغرقت البلاد في هاوية الفقر المدقع.
الكارثة الإنسانية والتشريد القسري
ربما يكون الوجه الأكثر مأساوية لإطالة أمد الحرب هو الكارثة الإنسانية. إن استمرار القتال، المدعوم خارجياً، أدى إلى خلق واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. ملايين السودانيين تحولوا إلى لاجئين داخل بلادهم (نازحين) أو خارجها في دول الجوار التشافي، ومصر، وجنوب السودان، وغيرها. إن استمرار الحرب يعني استمرار المجاعات، وانهيار النظام الصحي، وانتشار الأوبئة. المنظمات الإنسانية الدولية تجد نفسها عاجزة، ليس فقط بسبب نقص التمويل، بل بسبب أن الأطراف المتحاربة، المدعومة من حلفائها الخارجيين، تستخدم “الوصول الإنساني” كورقة مساومة سياسية. إن التدخلات الخارجية، التي فشلت في الضغط على وكلائها لفتح ممرات آمنة، تتحمل مسؤولية مباشرة عن موت مئات الآلاف جوعاً ومرضاً وقصفاً.
التمزق الاجتماعي وخطر التقسيم
من أخطر انعكاسات إطالة أمد الحرب هو تفجير التناقضات الاجتماعية والعرقية والجهوية. إن استمرار القتال لسنوات، وبدون أفق للحل، أعطى مساحة للجماعات الانفصالية أو المطالبة بالحكم الذاتي، وللمليشيات القبلية، لتفرض سيطرتها على مناطق شاسعة. في دارفور، مثلاً، أدى استمرار الحرب إلى تصفية عرقية ودموية، حيث استغل طرف النزاع الانقسامات القبلية لتنفيذ أجنداته، مدعوماً بتغاضٍ أو دعم خارجي يهدف لإضعاف الخصم. هذا المشهد يهدد بنسف الوحدة الوطنية السودانية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات “البلقان” أو التقسيم الفعلي للبلاد، حيث تتحول الخرطوم ومدن أخرى إلى دويلات أو كانتونات تسيطر عليها مليشيات موالية لهذا المركز الإقليمي أو ذاك.
وهم “الحل العسكري” ودائرة العنف المفرغة
إن أكبر خدمة قدمتها التدخلات الخارجية السلبية هي ترسيخ وهم “الحل العسكري” لدى الأطراف المتحاربة. فمن خلال إمداد كل طرف بما يكفي من سلاح لاستمرار القتال، ولكن ليس بما يكفي لتحقيق نصر حاسم وسريع، تضمن الدول الخارجية بقاء الحالة على ما هي عليه: حرب استنزاف. هذا الوهم يُقنع القادة العسكريين بأن “النصر على بعد شحنة أسلحة واحدة”، مما يجعلهم يرفضون أي تسويات سياسية حقيقية. إن هذه الدائرة المفرغة من العنف لن تكسر إلا بضغط خارجي حقيقي وموحد، وهو ما غاب بسبب التناقضات التركية-المصرية والقطرية-السعودية.
نحو مسار سوداني خالص
في الختام، إن انعكاسات التدخل السلبي على السودان كانت مدمرة وشاملة، طالت الإنسان والحجر والمؤسسة. لقد أثبتت السنوات الماضية أن أي حل يُفرض من الخارج، أو أي وساطة تخفي وراءها أجندات إقليمية متناقضة، هي مجرد وصفة لمزيد من الدماء والدمار. إن الطريق الوحيد لإنهاء هذه المأساة يتطلب وقفة جادة من المجتمع الدولي لإجبار الدول المتداخلة على الكف عن تغذية الحرب، والانتقال فوراً إلى مسار سوداني خالص، تقوده قوى مدنية وطنية، وتُحترم فيه إرادة الشعب السوداني في تقرير مصيره دون وصاية من أنقرة، أو القاهرة، أو الدوحة، أو الرياض. فقط حينها يمكن للسودان أن يبدأ رحلة الشفاء الطويلة من جراحه التي لم تكن يوماً جراحه وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى