تحقيقات

حرب السودان تتجاوز الحدود.. الخرطوم تتحرك للحوار مع جيرانها


فتح مدير جهاز المخابرات العامة السوداني أحمد إبراهيم مفضل الباب أمام الحوار مع تشاد وإثيوبيا وشرق ليبيا، في إشارة إلى إدراك الخرطوم أهمية معالجة علاقاتها مع أطراف إقليمية ترتبط بقوات الدعم السريع، فيما حذر من تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية تواجه البلاد. ويكشف هذا الموقف عن فجوة بين خطاب الحكومة والجيش المتمسك بالحسم العسكري ورفض الحوار وبين واقع الحرب، إذ يبدو أن الرهان على إنهاء الصراع بالقوة بات أقرب إلى خطاب موجه للداخل منه إلى خيار قابل للتحقق على أرض المعركة وسط جهود لقطع الدعم الاقليمي عن خصومه.
وخلال مشاركته في ملتقى الإعلاميين السودانيين بالخرطوم الاربعاء، شدد مفضل على ضرورة بناء تفاهمات مع دول الجوار، معتبرا أن الموقع الجغرافي للسودان يجعل التعايش مع هذه الدول أمرا لا يمكن تجاوزه. وأكد أن الخرطوم لا تستطيع تغيير موقعها، كما أن الدول المحيطة بها ستظل جارة لها، بما يجعل الحوار معها ضرورة سياسية وأمنية مهما بلغت الخلافات.
وتحمل هذه الدعوة دلالة لافتة، خصوصا أن تشاد وإثيوبيا وشرق ليبيا تمثل ساحات متصلة بالصراع السوداني، سواء بفعل الحدود المشتركة أو العلاقات مع أطراف الحرب. ويعني التركيز على الحوار أن الخرطوم باتت تتعامل مع البعد الإقليمي للنزاع باعتباره عاملا لا يمكن حسمه عسكريا، وأن استمرار الحرب يتطلب معالجة شبكة المصالح والتحالفات المحيطة بها، لا الاكتفاء بالمواجهة داخل الأراضي السودانية.
وفي المقابل، ظل خطاب الجيش والحكومة خلال مراحل الحرب قائما على استعادة السيطرة بالقوة وإنهاء وجود الدعم السريع ومعادة دول مجاورة، وهو خطاب يخدم بدرجة كبيرة الحاجة إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ورفع معنويات القوات والأنصار. غير أن امتداد الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام، وتعدد ساحاتها، وصعوبة إنهائها عسكريا، كلها عوامل تفرض على الخرطوم البحث عن مسارات سياسية وإقليمية موازية.
ووصف مفضل النزاع بأنه “حرب الدولة ضد اللادولة”، محملا العامل الخارجي جانبا كبيرا من مسؤولية إطالة أمد القتال. كما اعتبر الحرب الحالية الأسوأ في تاريخ السودان، مستشهدا بحجم الخسائر والمعاناة التي لحقت بالمدنيين في مناطق عدة، من الجنينة في دارفور إلى ود النورة في ولاية الجزيرة.
ويأتي ذلك بينما تواجه السلطات السودانية ثلاثة ملفات داخلية شديدة التعقيد حددها مدير المخابرات في الأمن والصراع المجتمعي والاقتصاد. ويعكس جمع هذه القضايا في مقدمة الأولويات حجم التداعيات التي خلفها القتال، بعدما تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة واسعة تضرب مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد في آن واحد.
واندلع القتال في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتسبب في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل أكثر من 200 ألف شخص وفقا لتقديرات عن منظمات إغاثية، إلى جانب نزوح ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها وانتشار المجاعة في مناطق متعددة.
ومع استمرار الصراع، تبدو قدرة أي من الطرفين على فرض تسوية عسكرية نهائية موضع اختبار متواصل، الأمر الذي يجعل الحديث عن الحوار مع دول الجوار أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي. فهو يعكس حاجة الخرطوم إلى كسر البيئة الإقليمية التي تساعد على استمرار الحرب، بالتوازي مع معالجة أزماتها الداخلية.
وتشير تصريحات مفضل في هذا السياق إلى أن المؤسسة السودانية نفسها باتت تضع حدودا واقعية للرهان على القوة، حتى وإن ظل خطاب الحسم حاضرا في المواقف السياسية والعسكرية. فكلما طال أمد الحرب وتعقدت خطوطها، ازدادت الحاجة إلى تسوية سياسية وإقليمية، بينما يصبح الحسم العسكري الكامل أكثر صعوبة وكلفة، ما يجعل الحوار أحد المسارات الضرورية للخروج من نزاع استنزف الدولة والمجتمع.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى