تسريبات

غارات مصرية على شمال الوادي تثير الغضب في السودان وتفتح ملف استهداف معدّني الذهب


تضع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية العلاقات بين القاهرة والخرطوم أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أشد أزماته منذ عقود. فالتقارير التي تحدثت عن سقوط قتلى وجرحى بين المعدّنين السودانيين، والاتهامات التي وجهتها جهات حقوقية إلى القوات المصرية، أعادت إلى الواجهة أسئلة بشأن السيادة الوطنية، وطبيعة التنسيق بين البلدين، وحدود التعامل العسكري مع الأنشطة غير النظامية في المناطق الحدودية. وبينما أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، لا تزال القضية بحاجة إلى إجابات واضحة بشأن هوية الجهة المنفذة، وحصيلة الضحايا، والظروف التي سبقت الهجوم، والإجراءات التي ستتخذ لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وتتجاوز أهمية الحادثة حدود موقع التعدين الذي تعرض للقصف، لأنها تمس العلاقة بين دولتين ترتبطان بمصالح جغرافية واقتصادية وأمنية متشابكة. فمصر تنظر إلى استقرار السودان باعتباره مسألة ذات صلة مباشرة بأمنها القومي، بينما تحتاج السلطات السودانية إلى علاقات مستقرة مع جيرانها في ظل الحرب وتراجع مؤسسات الدولة واتساع الاحتياجات الإنسانية. غير أن هذه المصالح لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل المطالب المشروعة بكشف الحقيقة، كما لا يجوز أن تصبح العلاقات السياسية حاجزاً أمام التحقيق في سقوط ضحايا مدنيين. فاستقرار العلاقات بين الدول لا يتحقق بإغلاق الملفات الحساسة، وإنما بمعالجتها على أساس الوقائع والشفافية واحترام القانون.

السيادة السودانية في مواجهة الأسئلة الحدودية

تثير الاتهامات المتعلقة بالضربات الجوية سؤالاً أساسياً بشأن احترام السيادة السودانية، ولا سيما أن جهات حقوقية سودانية قالت إن الهجوم وقع داخل الأراضي السودانية. وفي المقابل، تشير خلفية المنطقة إلى وجود خلافات وتداخلات بشأن بعض المساحات الحدودية، إلى جانب نشاط تعدين تقليدي وشبكات تهريب تسعى السلطات إلى مكافحتها. ولذلك، فإن تحديد الموقع الدقيق للضربات يمثل خطوة أساسية في فهم الحادثة، ولا يمكن حسم المسألة الجغرافية اعتماداً على الروايات المتداولة وحدها.

وقد أفادت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته في أكتوبر 2026، بأن الهجوم وقع في منطقة حدودية متنازع عليها بين السودان ومصر وليبيا، ونقلت عن شبكة أطباء السودان مقتل 13 معدّناً على الأقل وإصابة 28 آخرين. وفي المقابل، أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» حصيلة أولية أعلى بلغت 72 قتيلاً، واتهمت القوات المصرية بتنفيذ الضربات. ويؤكد هذا التفاوت ضرورة إجراء تحقيق ميداني مستقل يحدد مواقع القصف بدقة، ويقارن شهادات الناجين والسجلات الطبية، ويكشف ما إذا كانت الأرقام المنشورة تتعلق بالموقع نفسه أو بمواقع متعددة.

ولا تقتصر أهمية تحديد الموقع على إثبات المسؤولية الجغرافية، بل تمتد إلى تقييم طبيعة العملية العسكرية والجهة التي كان الموقع خاضعاً لسيطرتها الفعلية. فإذا أثبتت الأدلة أن الضربات وقعت داخل الأراضي السودانية، فسيكون من الضروري توضيح الأساس الذي استندت إليه الجهة المنفذة في استخدام القوة، وما إذا كان هناك تنسيق رسمي مع السلطات السودانية. أما إذا أظهرت التحقيقات أن المواقع تقع ضمن نطاق مختلف عما ورد في بعض الروايات، فإن هذه النتيجة يجب أن تُعلن أيضاً، لأن تحديد الحقائق الجغرافية شرط أساسي لتجنب تصعيد سياسي قائم على معلومات غير دقيقة.

ومهما كانت نتيجة التحقيق بشأن الحدود، فإن وجود نشاط تعدين غير قانوني، إذا ثبت، لا يلغي حقوق الأشخاص الذين كانوا في الموقع. فالتعامل مع المخالفات يجب أن يستند إلى القانون، مع مراعاة التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية المشروعة. كما أن الخلافات الحدودية لا تمنح أي طرف حق استخدام القوة بلا قيود، ولا تعفيه من الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين.

مصر بين الاعتبارات الأمنية ومطالب التوضيح

تواجه السلطات المصرية أسئلة بشأن الاتهامات التي ربطت قواتها بالهجوم، في ظل تاريخ من العمليات الأمنية التي استهدفت أنشطة التعدين غير القانوني والتهريب في المناطق الحدودية. وكانت السلطات المصرية قد أعلنت في يونيو 2026 تنفيذ عملية أمنية قالت إنها استهدفت أنشطة غير قانونية مرتبطة بالتنقيب عن الذهب وتهريب السلاح، وأشارت إلى توقيف أشخاص من جنسيات مختلفة. لكن هذه الخلفية لا تثبت وحدها مسؤولية القوات المصرية عن الضربات التي أُبلغ عن وقوعها في أكتوبر، ولا توضح ما إذا كانت العملية الأخيرة مرتبطة بتلك الحملة السابقة.

ويقتضي التعامل مع الاتهامات بجدية أن تقدم السلطات المصرية معلومات واضحة بشأن ما إذا كانت قواتها قد نفذت عمليات جوية في المنطقة خلال الفترة المعنية، وأن توضح طبيعة الأهداف التي جرى التعامل معها إن ثبت وقوع عملية من هذا النوع. وإذا كانت القاهرة تنفي مسؤوليتها، فإن تقديم أدلة قابلة للتحقق يمكن أن يساعد على تبديد الشكوك. أما إذا أكدت التحقيقات مشاركة قواتها، فسيكون من الضروري الكشف عن الظروف التي أحاطت بالعملية، والأساس القانوني الذي استندت إليه، والإجراءات المتخذة لتجنب إصابة المدنيين.

ولا يعني طلب التوضيح افتراض الإدانة المسبقة، بل يعكس أهمية المساءلة عندما تتعلق الاتهامات بخسائر بشرية. فالدول التي تسعى إلى حماية أمنها القومي تحتاج أيضاً إلى الحفاظ على الثقة مع المجتمعات التي تتأثر بعملياتها الأمنية. وفي المناطق الحدودية، يمكن لغياب المعلومات أن يؤدي إلى تصاعد الخوف والعداء، بينما تساعد الشفافية على الحد من الشائعات ومنع تحول حادثة واحدة إلى أزمة دبلوماسية طويلة الأمد.

كما ينبغي ألا تختزل القضية في خلاف سياسي بين القاهرة والخرطوم، لأن الضحايا وأسرهم يحتاجون إلى معرفة ما حدث بصرف النظر عن الحسابات الاستراتيجية. فالمساءلة عن أي انتهاكات محتملة ليست تهديداً للعلاقات الثنائية، بل يمكن أن تكون وسيلة لتعزيزها إذا أظهرت الأطراف استعداداً لاحترام القانون وتقديم الحقيقة.

البرهان أمام مسؤولية حماية المواطنين

يمثل موقف عبد الفتاح البرهان أحد المحاور الرئيسية في القضية، باعتباره رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية. وقد أعلن مجلس السيادة في 12 أكتوبر تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الهجوم، تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة. وأشار البيان الرسمي إلى أن اللجنة ستعمل على التحقيق في الملابسات والوقوف على الوقائع المرتبطة بالحادثة، في وقت كانت فيه الاتهامات الموجهة إلى القوات المصرية قد أثارت مطالبات واسعة بكشف الحقيقة.

ويمثل تشكيل اللجنة خطوة أولية، لكنه لا يكفي لإثبات أن التحقيق سيكون مستقلاً أو أنه سيصل إلى نتيجة حاسمة. فالمعيار الحقيقي هو قدرة اللجنة على جمع الأدلة دون تدخل سياسي، والوصول إلى الشهود والناجين، ومراجعة المعلومات المتعلقة بحركة الطيران والاتصالات ذات الصلة، ثم نشر النتائج للرأي العام. كما أن عدم تحديد مهلة معلنة لنشر التقرير يثير الحاجة إلى وضع إطار زمني واضح، حتى لا تبقى القضية مفتوحة في ظل تضارب الروايات وتزايد المخاوف بين أسر الضحايا.

وتزداد أهمية هذه المسألة لأن تقارير صحفية أشارت إلى أن البرهان كان قد أعلن في يونيو عزمه التحقيق في حادثة سابقة تتعلق بمعدّنين قرب الحدود، دون أن تظهر نتائج ذلك التحقيق بصورة علنية واضحة في التغطية المتاحة حتى منتصف أكتوبر. وإذا تأكد استمرار غياب النتائج، فإن ذلك سيضعف ثقة المواطنين في قدرة السلطات على التعامل مع الحوادث المتكررة، ويزيد المطالبات بإشراك جهات مستقلة في التحقيق الحالي.

أما الادعاءات التي تتحدث عن علم مسبق للبرهان بالضربات أو تنسيق السلطات السودانية مع الجهة المنفذة، فلا ينبغي تقديمها بوصفها حقائق مثبتة من دون أدلة مستقلة. ومع ذلك، فإن خطورتها تستوجب ألا يستبعد التحقيق مراجعة أي اتصالات أو تحذيرات أو ترتيبات رسمية سبقت الهجوم، إذا ظهرت معلومات موثوقة تشير إلى صلتها بالحادثة. فالمساءلة لا تعني افتراض الذنب، وإنما ضمان أن يخضع كل ادعاء جدي للفحص وفق معايير واحدة، سواء تعلق بجهة سودانية أو مصرية أو بأي طرف آخر.

الذهب والحرب.. اقتصاد هش يزيد مخاطر المدنيين

لا يمكن فهم خلفيات الحادثة من دون النظر إلى الدور الذي يلعبه الذهب في الاقتصاد السوداني، خصوصاً بعد أن أدت الحرب إلى تراجع النشاط الاقتصادي واتساع دائرة الفقر والنزوح. فقد أصبح التعدين الأهلي مصدر دخل أساسياً لعدد من المجتمعات التي فقدت فرص العمل في قطاعات أخرى، بينما تسببت صعوبة الرقابة على المناطق النائية في ظهور أنشطة غير منظمة، بعضها يرتبط بشبكات تهريب واستغلال للموارد خارج الأطر الرسمية.

ويجعل هذا الواقع مواقع التعدين عرضة لتداخل المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصاً عندما تقع بالقرب من الحدود أو في مناطق تشهد تنافساً على الموارد. لكن هذا التداخل لا يعني أن المعدّنين جميعاً يمثلون تهديداً أمنياً، ولا يبرر التعامل معهم بوصفهم كتلة واحدة. فهناك فارق بين العامل الذي يسعى إلى توفير دخل لأسرته، وبين الشخص الذي يثبت تورطه في تهريب السلاح أو دعم نشاط مسلح. ومن الضروري أن تستند الإجراءات الأمنية إلى أدلة محددة، لا إلى افتراضات عامة بشأن طبيعة النشاط الاقتصادي أو موقعه.

كما أن استمرار الفوضى في قطاع التعدين يضر بالسودان نفسه، لأنه يقلل من قدرة الدولة على تنظيم الموارد والاستفادة من عائداتها، ويزيد فرص استغلال الذهب في تمويل أنشطة غير مشروعة. ولذلك، فإن معالجة المشكلة تحتاج إلى سياسة أوسع من الحملات الأمنية وحدها، تشمل تنظيم مواقع التعدين، وتسجيل العاملين، وتطوير آليات قانونية لشراء الذهب وتصديره، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتوفير الحماية الأساسية للعاملين.

ويمكن للتنسيق بين السودان ومصر أن يسهم في معالجة هذه الملفات إذا قام على قواعد واضحة تحترم السيادة وتضمن حماية المدنيين. أما إذا استمرت المنطقة في العمل ضمن ترتيبات غامضة، فقد تتكرر الحوادث وتزداد المخاطر على السكان الذين يعيشون من التعدين، بينما تظل المسؤولية عن الانتهاكات المحتملة محل خلاف سياسي.

التحقيق المستقل ضرورة لحماية الحقيقة

يتطلب كشف ملابسات هجوم شمال الوادي إنشاء مسار تحقيق يستند إلى الأدلة الفنية والشهادات المتقاطعة، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية. وينبغي أن يشمل هذا المسار تحديد مواقع الضربات بإحداثيات دقيقة، وتوثيق أسماء القتلى والمصابين، ومراجعة سجلات المستشفيات، والاستماع إلى الناجين والعاملين في مواقع التعدين. كما ينبغي حفظ النسخ الأصلية من الصور والمقاطع المصورة، وتحليلها للتحقق من زمانها ومكانها، ومقارنتها بالصور الفضائية وبقايا الذخائر المتاحة.

ويمكن أن يؤدي التعاون بين الجهات السودانية والمصرية إلى توفير معلومات مهمة بشأن حركة الطيران والعمليات العسكرية في المنطقة، لكن التحقيق يجب ألا يعتمد حصراً على المعلومات التي تقدمها الأطراف التي قد تكون موضع اتهام. ولهذا، تبرز أهمية إتاحة المجال أمام خبراء مستقلين ومنظمات حقوقية متخصصة لفحص الأدلة، مع ضمان حماية الشهود وعدم تعريضهم للضغط أو الانتقام.

ومن الضروري كذلك أن يتضمن التحقيق تقييماً للخطوات التي اتخذت لحماية المدنيين قبل الهجوم وأثناءه وبعده. فإذا ثبت وجود تحذيرات موثوقة بشأن خطر وشيك، فينبغي تحديد الجهات التي تلقتها والإجراءات التي اتخذتها. وإذا تبين أن السلطات لم تكن على علم بالعملية، فيجب توضيح ذلك استناداً إلى الأدلة المتاحة. وفي جميع الأحوال، لا يجوز استخلاص نتائج بشأن المسؤولية السياسية أو الجنائية قبل استكمال الفحص الضروري للوقائع.

ولا تكتمل العدالة بمجرد معرفة نوع الطائرة أو الذخيرة المستخدمة، بل تتطلب تحديد سلسلة المسؤولية، والتحقق من مدى الالتزام بالقواعد القانونية، واتخاذ إجراءات مناسبة إذا ثبت وقوع انتهاكات. كما ينبغي أن تحصل الأسر على معلومات بشأن مصير أبنائها، وأن تتاح لها سبل المطالبة بالتعويض وجبر الضرر وفق القانون.

العلاقات المصرية السودانية بعد الحادثة

إن الطريقة التي ستتعامل بها القاهرة والخرطوم مع هذه القضية ستؤثر في مستوى الثقة بين البلدين، خصوصاً في ظل الحرب السودانية والحاجة إلى التعاون بشأن الحدود والتجارة والأمن الإقليمي. فإذا تمكنت التحقيقات من كشف الوقائع ونشر نتائجها بصورة شفافة، فسيكون من الممكن احتواء التوتر ومعالجة أي خلافات من خلال القنوات الدبلوماسية والقانونية. أما إذا بقيت القضية محاطة بالغموض، فإن الاتهامات قد تستمر في التصاعد، وقد تتأثر بها المجتمعات الحدودية التي تحتاج إلى الاستقرار والعمل والخدمات الأساسية.

ولا ينبغي أن يكون الحفاظ على العلاقات الثنائية مرادفاً لتجنب المحاسبة، كما لا ينبغي أن تتحول الاتهامات إلى أحكام نهائية قبل إثباتها. فالموقف المهني والقانوني يتطلب من مصر تقديم التوضيحات اللازمة بشأن الاتهامات الموجهة إليها، ومن السلطات السودانية ضمان استقلال التحقيق ونشر نتائجه، ومن الجهات الحقوقية والإعلامية مواصلة التوثيق وفق معايير دقيقة. وبهذا فقط يمكن تقليل مساحة الشائعات، وحماية حقوق الضحايا، ومنع استخدام القضية لتأجيج التوتر دون الوصول إلى الحقيقة.

وفي نهاية المطاف، فإن هجوم شمال الوادي، كما ورد في التقارير المتاحة، يفرض على السلطات المعنية مسؤولية أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها. فحياة المعدّنين السودانيين ليست مسألة هامشية في حسابات الأمن والسياسة، وأسر الضحايا لا ينبغي أن تظل رهينة تضارب الروايات أو غياب المعلومات. وإذا أثبت التحقيق مسؤولية أي جهة عن انتهاكات، فيجب أن تخضع للمحاسبة وفق القانون، بصرف النظر عن موقعها السياسي أو العسكري. أما إذا لم تثبت بعض الاتهامات، فإن نشر الأدلة التي توضح ذلك سيكون ضرورياً أيضاً. فالحقيقة وحدها هي التي يمكن أن تضع حداً للجدل، وتمنح الضحايا حقهم في الإنصاف، وتوفر أساساً أكثر استقراراً للعلاقات بين مصر والسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى