تسريبات

السعودية في حرب السودان.. من الوساطة إلى الانحياز للجيش؟


منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، حاولت المملكة العربية السعودية تقديم نفسها بوصفها أحد أبرز الوسطاء القادرين على فتح نافذة للحوار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. واستضافت جدة، إلى جانب الولايات المتحدة، جولات تفاوضية انتهت إلى إعلان جدة لحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

لكن مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب يطرح سؤالاً مختلفاً: هل ما زالت الرياض تتحرك باعتبارها وسيطاً يقف على مسافة واحدة من طرفي الصراع، أم أن سياستها بدأت تميل بصورة متزايدة نحو دعم الجيش السوداني وقيادته السياسية والعسكرية؟

هذا السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بالمواقف الدبلوماسية المعلنة، وإنما بما رافقها من تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية، وبالتقارب المتزايد بين القيادة السعودية وقيادة الجيش في بورتسودان.

في أبريل 2026، التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان في جدة. وأعلنت الرياض أن اللقاء تناول تطورات الوضع السوداني والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة، مع التأكيد على أمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه.

لكن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في مضمون البيان الرسمي، بل في السياق الذي جاء فيه. فالجيش السوداني كان قد عزز سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد، فيما أصبحت سلطة بورتسودان هي الطرف الرسمي الذي تتعامل معه معظم العواصم والمؤسسات الدولية في عدد من الملفات.

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية: عندما تتعامل دولة إقليمية مؤثرة مع سلطة عسكرية خلال حرب أهلية طويلة، فإن مجرد استمرار العلاقة السياسية لا يعني بالضرورة دعماً عسكرياً مباشراً، لكنه يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة سياسية ودبلوماسية واقتصادية للطرف الذي تحظى قيادته بهذا الاعتراف.

الوساطة التي تغيرت وظيفتها

الوساطة، في أصلها، تحتاج إلى قدر من المسافة عن الأطراف المتحاربة. لكن الوسيط يمكن في الوقت نفسه أن تكون له مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية في الدولة التي تشهد الحرب.

السعودية لها مصالح مباشرة في السودان بحكم الموقع الجغرافي للبلد على الضفة المقابلة للبحر الأحمر. ولذلك فإن مستقبل الموانئ السودانية، وأمن الملاحة، والاستقرار على الساحل، والعلاقات الاقتصادية والاستثمارية، كلها ملفات تجعل السودان جزءاً من الحسابات الاستراتيجية السعودية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم لماذا تحاول الرياض الحفاظ على قنوات اتصال قوية مع الجيش، باعتباره المؤسسة التي تملك القدرة العسكرية الأكبر على فرض ترتيبات أمنية في المناطق الساحلية ومحيط الموانئ.لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح أولوية الاستقرار الأمني متقدمة على أولوية التسوية السياسية.

فإذا كان المطلوب من الوساطة إنهاء الحرب، فإن دعم طرف عسكري ليتمكن من تحسين موقعه التفاوضي قد يؤدي، بحسب طبيعة الدعم وحجمه، إلى نتيجة مختلفة: إطالة الحرب إلى أن يعتقد أحد الطرفين أنه يستطيع تحقيق حسم عسكري.

ولا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية تثبت أن السعودية تتبنى رسمياً سياسة إطالة الحرب. بل إن الخطاب السعودي المعلن يؤكد العكس. ففي يونيو 2026، أكدت الرياض أمام مجلس الأمن دعم وقف إطلاق النار والحل السياسي السوداني والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة الأراضي، ودعت إلى استئناف الحوار على أساس إعلان جدة.لكن السياسة الخارجية لا تُقاس بالبيانات فقط.

الدعم السياسي له أثر عسكري

من أهم أشكال التأثير التي يمكن أن تمارسها دولة إقليمية في حرب أهلية الدعم السياسي والدبلوماسي. وهذا الدعم قد لا يأخذ شكل السلاح أو التمويل المباشر، لكنه يمكن أن يمنح أحد الأطراف مساحة أكبر للتحرك خارجياً.

وفي حالة السودان، فإن استمرار التواصل الرفيع المستوى بين الرياض وبورتسودان يمنح قيادة الجيش قناة إقليمية بالغة الأهمية، خصوصاً في وقت تخوض فيه معركة على الاعتراف السياسي وعلى تمثيل الدولة السودانية في المحافل الدولية.وهنا يجب التفريق بين أمرين: الاعتراف الدبلوماسي الكامل بشرعية السلطة، وهو مسألة قانونية وسياسية معقدة، وبين التعامل معها باعتبارها الجهة القائمة على مؤسسات الدولة.

هذا التفريق مهم لأن السلطات الانتقالية السودانية لا تستند إلى تفويض انتخابي جديد. وفي الوقت نفسه، لا يعني غياب الانتخابات أن كل تعامل دولي معها يصبح غير قانوني تلقائياً.

المسألة إذن ليست أبيض وأسود.لكن كلما توسعت العلاقة الثنائية من الاتصالات السياسية إلى الملفات الأمنية والاستثمارية والاستراتيجية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول طبيعة هذه العلاقة وحدودها.

من الوساطة إلى إعادة تشكيل موازين القوة

تشير تقارير دولية إلى أن السعودية أصبحت، خلال الحرب، أقرب إلى معسكر القوات المسلحة السودانية، في حين تواصل في الوقت نفسه تقديم نفسها كطرف في جهود الوساطة. وتذكر مذكرة بريطانية حديثة، نقلاً عن ACLED، أن السعودية اصطفّت مع القوات المسلحة السودانية، مع استمرار مشاركتها في جهود الوساطة.

هذه المعادلة هي التي تجعل الدور السعودي محل نقاش.فإذا كان الهدف هو وقف الحرب، فإن السؤال يصبح: هل تؤدي العلاقات مع الجيش إلى دفعه نحو التفاوض، أم إلى تعزيز اعتقاده بأنه قادر على تحقيق مكاسب ميدانية أكبر قبل قبول أي تسوية؟والفارق بين الحالتين كبير.

في الحروب الأهلية، لا تطيل المعارك نفسها الصراع فقط؛ بل تطيل الحرب أيضاً حسابات الأطراف بشأن كلفة التسوية. كلما حصل طرف على موارد إضافية أو دعم سياسي أو عسكري، يمكن أن تتغير حساباته بشأن قبول وقف إطلاق النار.ولهذا فإن أي دعم خارجي لطرف من أطراف الحرب يجب أن يخضع للتدقيق، سواء كان دعماً مباشراً أو غير مباشر.

البحر الأحمر في قلب الحسابات

لا يمكن فصل الدور السعودي في السودان عن البحر الأحمر.السودان يملك ساحلاً طويلاً وموانئ استراتيجية، ويجاور واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم. بالنسبة للسعودية، فإن استقرار الساحل السوداني ليس قضية سودانية داخلية فقط، بل قضية أمن إقليمي واقتصادي.

ولهذا فإن الرياض تحتاج إلى وجود شريك سوداني قادر على ضمان أمن الساحل ومنع تحوله إلى ساحة نفوذ لقوى منافسة.لكن هنا تحديداً يظهر الخطر السياسي.فإذا أصبح الحفاظ على النفوذ في البحر الأحمر أولوية تفوق الحاجة إلى تسوية سودانية شاملة، فقد تتحول الحرب من مأساة داخلية إلى ورقة في صراع أوسع على النفوذ.

وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال فقط: من يربح الحرب؟بل: من يملك الموانئ؟ ومن يحدد ترتيبات الأمن الساحلي؟ ومن يفاوض على الاستثمارات؟ ومن يحدد مستقبل الحدود والموارد البحرية؟

الرياض أمام اختبار مختلف

السعودية تقول إنها تريد سوداناً موحداً ومستقراً. وهذه مواقف رسمية واضحة. كما أنها استضافت مسار جدة وساهمت في جهود إنسانية ودبلوماسية لإنهاء الحرب.لكن استمرار الحرب يضع الرياض أمام اختبار مختلف: هل تستطيع الحفاظ على نفوذها ومصالحها في البحر الأحمر من دون أن تتحول علاقتها مع قيادة الجيش إلى عامل يعزز أحد طرفي الحرب؟

المسألة لا تتعلق بإدانة السعودية أو تبرئتها، بل بمدى اتساق الأدوات المستخدمة مع الهدف المعلن.فإذا كان الهدف هو السلام، فإن أي علاقة مع طرف عسكري يجب أن تُستخدم لدفعه نحو التسوية، لا لمنحه حافزاً للاعتقاد بأن الحسم ممكن.

وفي السودان، حيث دفعت الحرب ملايين المدنيين إلى النزوح وعمقت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فإن الزمن ليس محايداً.كل شهر إضافي من الحرب يعني مزيداً من النزوح والجوع وانهيار المؤسسات.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الدور السعودي ليس ما إذا كانت الرياض تملك مصالح في السودان؛ فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. السؤال هو ما إذا كانت هذه المصالح ستُدار عبر تسوية سياسية سودانية شاملة، أم عبر بناء علاقة طويلة المدى مع طرف عسكري يملك القوة على الأرض.الفرق بين الخيارين قد يحدد شكل السودان بعد الحرب، وليس فقط شكل العلاقات بين الرياض وبورتسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى