تسريبات

كيف أسهمت الحسابات الجيوسياسية السعودية في تجميد الحرب السودانية؟


لم تكن الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 مجرد انفجار موضعي لخصومة شخصية بين قادة عسكريين، بل كانت لحظة كاشفة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية في بلد يمثل حلقة الوصل بين القارة الإفريقية والعالم العربي. في قلب هذا المشهد المعقد، برزت المملكة العربية السعودية ليس كجارة جغرافية تفصلها مياه البحر الأحمر عن المأساة فحسب، بل كلاعب استراتيجي تصدر المشهد الدبلوماسي عبر رعايته لـ مفاوضات جدة. ومع ذلك، فإن القراءة المتفحصة لأبعاد التدخل السعودي تكشف عن مفارقة صارخة: فالمنصة الدبلوماسية التي أُسست لإنهاء الاقتتال أسهمت، من حيث احتساب توازنات القوى الإقليمية، في إطالة أمد الحرب وتحويلها إلى صراع صفري ممتد. إن مقاربة الرياض القائمة على إدارة الأزمة عوضاً عن تفكيك مسبباتها، وتفضيل الاستقرار العسكري الهش على الاستحقاق المدني الديمقراطي، خلقت بيئة سياسية معقدة يستحيل معها حسم المعركة سلماً أو حرباً.
إعادة تشكيل موازين القوى وإعادة رسم خريطة النفوذ الداخلي
لعبت السعودية دوراً محورياً في إعادة صياغة التوازنات العسكرية والسياسية داخل السودان عبر مسارين متوازيين: شرعنة الأطراف عسكرياً، وتقويض البديل المدني. عندما انطلق منبر جدة، كانت الخطوة الأولى هي الجلوس مع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع كطرفين متكافئين في القيمة القانونية والسياسية. هذا التكافؤ المبدئي منح الميليشيات شبه العسكرية (الدعم السريع) اعترافاً دبلوماسياً دولياً لم تكن تحلم به، وجعل منها شريكاً في رسم مستقبل البلاد، مما حفز قيادتها على الاستمرار في القتال لانتزاع مكاسب أكبر على الأرض.
ومع تطور الصراع وتبدل المعطيات الميدانية بحلول عامي 2025 و2026، بدأت الدبلوماسية السعودية في التزحزح نحو الانحياز الضمني والمعلن لصالح معسكر القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان. هذا الانحياز لم يكن مدفوعاً بحب المؤسسة العسكرية، بل بإستراتيجية سعودية ترى في الجيش السوداني “الضامن الوحيد” لمنع تفكك الدولة وحماية أمن البحر الأحمر، وهو ركن أساسي في رؤية المملكة 2030 الاقتصادية.
إلا أن هذا الدعم السعودي غير المباشر، اللوجستي والسياسي، أدى إلى نتائج عكسية بالغة التعقيد:
  1. تمكين عناصر النظام السابق: ساهم هذا التموضع في تقوية شوكة التيارات الإسلامية وعناصر نظام عمر البشير السابق (الفلول) المتغلغلين داخل بنية الجيش. هؤلاء يرون في أي اتفاق سلام حقيقي نهاية لطموحاتهم العائدة ومحاسبة تاريخية لهم، وبالتالي استغلوا المظلة السعودية للاستمرار في خيار الحرب.
  2. منبر جدة كـ “استراحة محارب”: تحولت جولات التفاوض في جدة إلى أداة تكتيكية تستخدمها الأطراف لالتقاط الأنفاس، وإعادة التزود بالعتاد، والمناورة الدبلوماسية كسباً للوقت، بدلاً من كونها منصة لإنهاء الصراع.
  3. تعميق انقسام البلاد: أدى الضغط الدبلوماسي السعودي مع الحلفاء لدعم البرهان إلى رد فعل عنيف من قوات الدعم السريع، التي سارعت إلى تأسيس سلطات موازية في دارفور وكردفان، مما قاد السودان خطوة تفصلية نحو التقسيم الفعلي.
ثانياً: انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي والدولي
إن المقاربة السعودية للأزمة السودانية لا تنفصل عن هواجسها الأمنية المباشرة، إلا أن الفشل في حسم الصراع فجّر أزمات عابرة للحدود ضربت استقرار القرن الإفريقي ومنظومة الأمن الدولي في مقتل.
  • أمن البحر الأحمر وشلل الممرات المائية: تمثل الشواطئ السودانية الممتدة على البحر الأحمر عمقاً إستراتيجياً للمملكة. إن إطالة أمد الصراع، وتحوله إلى حرب استنزاف، فتح الباب أمام تمدد النفوذ الدولي وشبكات التهريب ومجموعات الجريمة المنظمة. تسبب هذا الانفلات الأمن في تقويض مشاريع السياحة والخدمات اللوجستية الضخمة التي تبنيها الرياض على ساحلها الغربي، وحوّل البحر الأحمر من بحيرة تجارية واعدة إلى منطقة اضطراب أمني مستمر يتقاطع مع تهديدات جيوسياسية أخرى في مضيق باب المندب.
  • تدفقات اللجوء والضغط الديموغرافي: تسببت الحرب في خلق كبرى أزمات النزوح واللجوء في العالم المعاصر. عدم قدرة الدبلوماسية السعودية على فرض وقف إطلاق نار ملزم أدى إلى تدفق ملايين اللاجئين نحو مصر، وتشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا. هذا التدفق لم يسفر عن كارثة إنسانية فحسب، بل هدد استقرار الحكومات الهشة في القرن الإفريقي، مما جعل المنطقة حزاماً من الأزمات المتفجرة التي تستنزف الموارد اللوجستية والإغاثية الدولية.
  • اختلال التوازنات في القرن الإفريقي: أدى الفراغ الذي تركه غياب الدولة السودانية المركزية إلى صراع نفوذ بين القوى الإقليمية الفرعية. سعت إثيوبيا وإريتريا للاستثمار في التناقضات السودانية الداخلية، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد أثرت على ملفات بالغة الحساسية مثل ملف سد النهضة وأمن الحدود المشتركة، وهو ما جعل الصراع السوداني وقوداً لحروب إقليمية كامنة.
تحديات المسار السياسي الدولي وتناقض المصالح
تتجلى مساهمة السعودية في إطالة أمد الأزمة بشكل صارخ عند تفكيك “هندسة الوساطة” وتعدد المنابر الدولية التي تداخلت مصالحها وتناقضت أجنداتها، مما جعل الوصول إلى تسوية سياسية ضرباً من المستحيل.
أنشأت المملكة منبر جدة بالتعاون مع واشنطن، ولكنها حرصت في البداية على إبقاء الملف محصوراً في هذا المسار الثنائي لإبراز دورها كقوة دبلوماسية إقليمية رائدة. هذا الاستئثار واجه منافسة مكتومة صامتة وتارة معلنة مع دول خليجية وإقليمية أخرى، لا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة التي تبنت قراءة مختلفة للمشهد ودعمت بشكل أو بآخر أطرافاً مناوئة للجيش.
إن عدم التنسيق المبكر والحقيقي بين الرياض وأبوظبي والقاهرة خلّق ظاهرة “تعدد المنابر” (مسار إيغاد، ومبادرة دول الجوار، والاتحاد الإفريقي، والوساطة الأممية). استغلت الأطراف السودانية المتنازعة هذا التشظي الدبلوماسي لممارسة لعبة “التبضع بين المنابر”؛ فكلما ضغط منبر جدة على طرف لتقديم تنازلات، هرب ذلك الطرف إلى منبر إقليمي آخر يوفر له شروطاً أفضل أو وقتاً أطول للمناورة العسكرية على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، فإن محاولات السعودية الأخيرة لرفع مستوى التعامل مع الملف السوداني إلى مستوى الرئاسة الدولية والتنسيق مع الإدارة الأمريكية الجديدة، اصطدمت بتعقيدات مجلس الأمن الدولي والشركاء الدوليين مثل روسيا التي استخدمت حق الفيتو ضد قرارات تخص حماية المدنيين، مما يعكس تحول السودان إلى ورقة في حرب باردة عالمية جديدة.
إن المحصلة النهائية للسياسة السعودية في السودان حتى منتصف عام 2026 تظهر أن الرغبة الحذرة في إدارة الصراع وتجنب الحسم العسكري العنيف لحماية المصالح الخاصة، تحولت إلى عامل من عوامل تجميد الأزمة وإطالة أمدها. عندما تصبح الدبلوماسية عاجزة عن فرض أدوات ضغط حقيقية، وعندما يتحول الوسيط إلى حليف غير مباشر لأحد أطراف الحرب، تفقد المبادرات السياسية جوهرها وتتحول إلى غطاء إجرائي لحرب لا تنتهي، يدفع ثمنها الشعب السوداني من دمه واستقرار دولته المتآكلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى