من التخلص من الآثار إلى صراع النفوذ.. كيف يعيد ملف الأسلحة الكيميائية رسم العلاقة بين الجيش وحلفائه؟
أعاد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان طرح سؤال قديم بصورة أكثر إلحاحاً: من يملك القرار الحقيقي داخل المنظومة العسكرية والأمنية؟ فالحرب التي بدأت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد مواجهة على الأرض، بل تحولت إلى شبكة معقدة من الأجهزة والقوات والحركات المسلحة والداعمين الخارجيين.
وفي هذا السياق، جاءت الاتهامات الأميركية باستخدام الأسلحة الكيميائية لتضيف طبقة جديدة إلى الصراع. فالولايات المتحدة أعلنت رسمياً أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في مخالفة للقانون الدولي، قبل أن تفرض عقوبات إضافية في 2026.
وتزامن ذلك مع تقارير صحفية أميركية كشفت عن مجموعة كبيرة من الوثائق والرسائل والصور التي قيل إنها توثق برنامجاً عسكرياً لإنتاج واستخدام ذخائر قائمة على الكلور خلال 2024. وتقول هذه التقارير إن البرنامج كان سرياً، وإن عمليات الاختبار والإنتاج جرت في مواقع عسكرية، قبل أن تظهر مؤشرات على محاولة إخفاء آثار المشروع لاحقاً.
من السرية إلى محاولة احتواء الأزمة
إذا صحت المعلومات الواردة في هذه التقارير، فإن المرحلة التي تلت الكشف عن البرنامج لا تقل أهمية عن مرحلة تطويره. ففي قضايا الأسلحة المحظورة دولياً، لا تقتصر المسؤولية على عملية التصنيع أو الاستخدام، وإنما تشمل أيضاً واجب المحافظة على الأدلة والتعاون مع آليات التحقق الدولية.
وتشير التقارير إلى وجود رسائل تتحدث عن إفراغ مواقع عسكرية من آثار ومخلفات مرتبطة بالأسلحة الكيميائية. وهذه النقطة تحديداً تستحق تحقيقاً مستقلاً، لأنها يمكن أن تساعد على تحديد ما إذا كانت هناك عملية منظمة للتخلص من المواد والمعدات والوثائق.
لكن من المهم التأكيد أن هذه المزاعم لم تثبت قضائياً بصورة نهائية، وأن الحكومة السودانية نفت الاتهامات، وقالت إن مخزونات الكلور مخصصة للاستخدام المدني والصناعي، وإنها مستعدة لإخضاعها للتحقق.
وثائق الداخل تكشف هشاشة المنظومة الأمنية
أحد أبرز أبعاد القضية هو حجم المعلومات التي وصلت إلى جهات خارجية. فالصحافة الأميركية تحدثت عن مئات الوثائق والصور ومقاطع الفيديو ورسائل الهاتف المنسوبة إلى مسؤولين عسكريين. وإذا ثبتت صحة هذه المواد، فإنها تكشف أن واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل المؤسسة العسكرية السودانية كانت قابلة للاختراق.
هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن قوات الدعم السريع وحدها هي التي اخترقت المؤسسة الأمنية، كما لا يمكن الجزم بأن كل الوثائق المتداولة حصلت عليها من داخل الجيش. لكن تسرب هذا الكم من المعلومات يشير إلى ضعف واضح في حماية الاتصالات والوثائق والعمليات السرية.
وهو ما يفتح الباب أمام سؤال آخر: هل كان هناك صراع داخلي على المعلومات؟ وهل استُخدمت بعض الوثائق في تصفية الحسابات داخل المؤسسة؟ وهل قامت جهات مختلفة بتسريب مواد معينة بهدف التأثير على المواقف الأميركية والدولية؟
إيران في قلب المعادلة العسكرية
أما إيران، فتظهر في هذه الصورة باعتبارها أحد أبرز الداعمين العسكريين الخارجيين للجيش السوداني. وتشير تقارير أوروبية إلى أن طهران قدمت للجيش السوداني طائرات مسيرة ومساعدات عسكرية، وأن التعاون العسكري تعزز بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
غير أن وجود تعاون عسكري إيراني لا يثبت، في حد ذاته، تورط إيران في ملف الأسلحة الكيميائية. وهذه نقطة يجب الحفاظ عليها في أي مادة صحفية جادة.
فحتى الآن، الأدلة المنشورة علناً تدعم وجود تعاون عسكري في مجال الطائرات المسيرة وغيرها، لكنها لا تقدم دليلاً قاطعاً على أن الأسلحة الكيميائية السودانية وصلت إلى إيران تحت إشراف المخابرات السودانية.
ومن هنا، فإن السؤال المهني ليس “هل إيران متورطة؟” وإنما: ما طبيعة المعدات التي وصلت من إيران؟ وما قنوات النقل؟ ومن كان يشرف عليها؟ وهل شملت تلك القنوات مواد ذات استخدام مزدوج؟ وهل توجد سجلات أو وثائق يمكن أن تثبت انتقال مواد كيميائية محظورة؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيق دولي، وليس إلى استنتاج سياسي مسبق.
العقوبات الأميركية.. من المسؤولية الفردية إلى الدولة
العقوبات الأميركية على البرهان في يناير 2025 كانت رسالة سياسية واضحة. واشنطن قالت آنذاك إن قائد الجيش يتحمل مسؤولية عن استمرار الانتهاكات وعرقلة الانتقال المدني، كما فرضت عقوبات على جهات مرتبطة بالمشتريات العسكرية.
ثم جاء قرار 2025 المرتبط بالأسلحة الكيميائية ليضيف سبباً جديداً للعقوبات، قبل أن تتبعه إجراءات إضافية في 2026 بسبب عدم استيفاء السودان الشروط الأميركية المطلوبة.
وبذلك أصبح الجيش السوداني يواجه ضغوطاً متداخلة: عقوبات على القيادة، قيود مرتبطة بالأسلحة، ضغوط دبلوماسية، ومطالب دولية بالتحقيق في الانتهاكات.
وفي سبتمبر 2026، وصلت العلاقات بين واشنطن والقيادة السودانية إلى مرحلة أكثر توتراً، بعدما ربطت واشنطن حضور البرهان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقفه من مقترح وقف إطلاق النار. ثم عاد مبعوث أميركي والتقى البرهان في مصر خلال أكتوبر، ما يدل على أن الضغط والعقوبات لا يعنيان بالضرورة إغلاق باب التفاوض.
الحركات المسلحة.. تحالف الضرورة
في المقابل، تبدو العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة قائمة على ما يمكن تسميته “تحالف الضرورة”. فالقوة المشتركة التي تشكلت من حركات وقعت اتفاق جوبا أصبحت شريكاً مهماً للجيش في مواجهة الدعم السريع، وشاركت معه في عدد من العمليات.
لكن التحالف العسكري لم ينه الخلافات السياسية. فقد أظهرت تقارير أن الحركات المسلحة كانت حريصة على الحصول على ضمانات سياسية قبل إتمام عملية دمج قواتها في المؤسسات الأمنية، لأنها تخشى أن يؤدي الدمج إلى فقدان نفوذها السياسي والعسكري.
وهذه المخاوف تكشف جوهر المشكلة: الجيش يريد مؤسسة عسكرية أكثر مركزية، بينما تريد بعض الحركات الاحتفاظ بهامش من الاستقلال والنفوذ الذي حصلت عليه بموجب اتفاق جوبا.
ولهذا فإن الحديث عن مخططات الجيش لإضعاف القوة المشتركة أو التخلص منها يحتاج إلى أدلة مباشرة، لكنه يأتي في سياق توجد فيه بالفعل إجراءات لإعادة تنظيم وجود هذه القوات داخل المدن. ففي يوليو 2026، تحدثت تقارير عن مراجعة دور القوة المشتركة داخل بعض المناطق بعد حوادث أمنية في بورتسودان.
المال والسياسة والسلاح
ولا يمكن فصل الخلاف عن الجانب المالي. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة يعني أن الدولة مطالبة بتمويل وإمداد ورواتب وتجهيز أكثر من قوة. وفي ظل الانهيار الاقتصادي الناتج عن الحرب، تتحول مسألة التمويل إلى مصدر توتر سياسي.
لكن وصف الحركات المسلحة بأنها “عبء مالي ضخم” يحتاج إلى بيانات دقيقة حول حجم الإنفاق، وعدد القوات، والرواتب والتجهيزات. أما الثابت فهو أن عملية بناء جيش موحد ستحتاج إلى دمج القوات، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتحديد من يتلقى الأوامر ومن يخضع للرقابة المدنية.
وهنا تتقاطع قضية الحركات المسلحة مع قضية الأسلحة الكيميائية. فكلما تعددت مراكز القرار، أصبح من الصعب تحديد المسؤولية عن الأسلحة والمخازن والوثائق والمعدات.
السودان أمام اختبار أكبر من الحرب
في النهاية، تكشف قضية الأسلحة الكيميائية عن أزمة أعمق من مجرد اتهام باستخدام سلاح محظور. إنها أزمة إدارة للقطاع الأمني، وأزمة ثقة بين المؤسسة العسكرية وحلفائها، وأزمة علاقات خارجية، وأزمة شرعية سياسية.
فالجيش يحتاج إلى الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالاتهامات الكيميائية، والحركات المسلحة تحتاج إلى تحديد موقعها في الدولة المقبلة، والداعمون الخارجيون يحتاجون إلى توضيح طبيعة تدخلاتهم.
أما المجتمع الدولي، فمسؤوليته لا يجب أن تقتصر على العقوبات. المطلوب تحقيق مستقل، وآليات تحقق فنية، وضمان عدم تدمير الأدلة، بالتوازي مع الضغط من أجل وقف الحرب.
ذلك وحده يمكن أن ينقل الملف من حرب الاتهامات إلى مسار كشف الحقيقة.




