تسريبات

اختراق بالمليارات والذمم.. كيف تشتري مخابرات بورتسودان صمت ومواقف مفوضية الاتحاد الأفريقي؟


في غرف وصالونات الفنادق المغلقة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لم تعد المعارك السياسية والدبلوماسية تُدار بالبيانات أو الحجج القانونية، بل تحولت إلى ساحة موازية لـ “دبلوماسية الحقائب المالية” وشراء الولاءات. تحقيقنا هذا يكشف الستار عن أضخم عملية اختراق مالي وسياسي تقودها الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة لـ سلطة بورتسودان، مستهدفة تفكيك العزلة الدولية المفروضة عليها وتطويع الإرادة السياسية داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي.

تفاصيل الصفقة: مليون دولار لفتح مكتب الخرطوم

تكشف المعلومات والوثائق المسربة من كواليس الاتحاد الأفريقي أن جهاز المخابرات السوداني رصد ميزانية ضخمة تجاوزت المليون دولار أمريكي، جرى تمريرها عبر شبكات مالية معقدة ووساطة رجال أعمال ووسطاء إقليميين، بهدف دفع رشاوي مالية مباشرة وهدايا عينية لمسؤولين وناقلي تقارير وخبراء إداريين داخل المفوضية الأفريقية.
الهدف من هذه العملية لم يكن مجرد كسب وُد بعض الموظفين، بل كان منصباً على اقتناص قرار إداري وسياسي عاجل يقضي بـ إعادة فتح مكتب الاتصال التابع للاتحاد الأفريقي في الخرطوم. هذا المكتب، الذي أُغلق إثر تجميد عضوية السودان عقب إجراءات 2021، يمثل افتتاحه مجدداً ضربة سياسية قاضية لقوى الثورة والمدنيين؛ إذ يعني رفع العلم الأفريقي في الخرطوم إقراراً ضمنياً من المنظمة القارية بشرعية سلطة الأمر الواقع التي يقودها عبد الفتاح البرهان، وتحويل العاصمة السودانية مجدداً إلى منصة سياسية معترف بها.

شراء مواقف مجلس السلم والأمن الأفريقي

لم تتوقف الآلة المالية الاستخباراتية عند الهياكل الإدارية للمفوضية، بل امتدت لتطال صُناع القرار في مجلس السلم والأمن الأفريقي. التحقيقات تشير إلى أن المخابرات السودانية مارست ضغوطاً سياسية مصحوبة بإغراءات مالية ولوجستية لترتيب زيارة رسمية لوفد المجلس إلى الخرطوم.
تلك الزيارة، التي جرت برئاسة دورية جزائرية، صُممت بعناية لتكون بمثابة صك براءة سياسي يُمنح للبرهان في القصر الرئاسي التاريخي بالخرطوم. بدلاً من أن يمارس المجلس دوره كأداة للضغط من أجل وقف الانتهاكات وحماية المدنيين، تحولت الزيارة في نظر المراقبين إلى أداة تسويق سياسي استخدمتها بورتسودان للقول بأن المنظومة الأفريقية باتت تتعامل معها كحكومة شرعية ووحيدة للبلاد.

الغطاء الأفريقي لإعادة “الإخوان المسلمين” للمشهد

خلف الستار المالي والدبلوماسي، تكمن الطبخة السياسية الحقيقية التي تسعى سلطة بورتسودان لفرضها؛ حيث ترتبط هذه التحركات بمساعٍ حثيثة لـ شرعنة وإدماج التيارات السياسية والكتل المحسوبة على الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين/الكيزان) والمؤيدة للبرهان في العملية السياسية المقبلة.
تحت لافتة “الحوار السوداني الشامل دون إقصاء”، تحاول المخابرات عبر هذا الاختراق المالي تمرير صيغة سياسية تضمن بقاء العسكريين في السلطة، وإعادة منح الغطاء لعناصر النظام البائد الذين يقاتلون حالياً في صفوف الجيش ويتحكمون في مفاصل قرار بورتسودان. من خلال شراء صمت مفوضية الاتحاد الأفريقي وتأمين موافقتها، تسعى السلطة إلى قطع الطريق أمام أي مبادرات دولية أو مدنية تطالب بـ سلطة مدنية ديمقراطية بالكامل، مستبدلةً إياها بنظام أمني مغلف باعتراف إقليمي مشبوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى