الرشاوى والزيارة الأفريقية.. كيف تتحرك سلطة بورتسودان داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي؟
تتحرك سلطة بورتسودان في اتجاه الاتحاد الأفريقي ضمن استراتيجية سياسية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت موقع الخرطوم في المشهد الإقليمي بعد سنوات الحرب. ومع عودة مؤسسات السلطة إلى العاصمة، أصبحت إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي والتحرك داخل مفوضية الاتحاد ومجلس السلم والأمن جزءاً من نشاط دبلوماسي مكثف يستهدف إعادة بناء العلاقة مع المؤسسة القارية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة لأن الاتحاد الأفريقي يظل واحداً من أبرز المؤسسات التي تتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها قضية سلام وأمن وانتقال سياسي، وليس مجرد نزاع عسكري بين طرفين.
وفي يونيو 2026، أكد الاتحاد الأفريقي أنه يعمل على تقييم الظروف لإعادة فتح مكتب الاتصال في الخرطوم، وأن وجوده داخل العاصمة يمكن أن يعزز التواصل مع أصحاب المصلحة السودانيين ويدعم عملية سياسية شاملة.
لكن وراء هذا التحرك الدبلوماسي يبرز ملف أكثر حساسية يتعلق بما يجري داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي.
فالمعلومات المتداولة عن نشاط المخابرات السودانية تتحدث عن عمليات للتأثير في موظفين داخل المفوضية من خلال دفع أموال، مع تحديد مبلغ يقارب مليون دولار، بهدف ضمان إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم.
ويأخذ هذا الملف أهميته من طبيعة الهدف الذي تسعى إليه سلطة بورتسودان. فالمكتب الأفريقي يمثل نافذة مباشرة على الواقع السوداني، وعودته إلى الخرطوم تمنح الاتحاد قدرة أكبر على متابعة الأحداث والتواصل مع مختلف القوى.
وبالنسبة إلى السلطة، فإن عودة المكتب تحمل مكاسب سياسية واضحة. فهي تعزز صورة الخرطوم باعتبارها عاصمة الدولة التي عادت إليها المؤسسات الحكومية، وتسمح للسلطة بإظهار أن المنظمات الإقليمية والدولية بدأت تستعيد وجودها فيها.
ولهذا أصبح المكتب جزءاً من معركة الرمزية السياسية.
لكن القضية لا تتعلق فقط بمكان المكتب. إنها تتعلق أيضاً بمن يملك التأثير على نشاطه.
فإذا كان المكتب يعمل بصورة مستقلة، فإنه يستطيع لقاء السلطة والقوى المدنية والسياسية والمجتمعية المختلفة، كما يمكنه نقل صورة متعددة الأبعاد إلى قيادة الاتحاد الأفريقي.
أما إذا تحول إلى قناة تعمل تحت ضغط طرف سياسي واحد، فإن وظيفته ستتغير بصورة جوهرية.
ومن هنا تأتي حساسية المعلومات المتعلقة بدفع الأموال.
فإذا ثبت أن جهازاً أمنياً تابعاً للسلطة السودانية دفع بالفعل مبالغ لمسؤولين أو موظفين داخل مؤسسة أفريقية بهدف التأثير في قرار مؤسسي، فإن ذلك سيعني انتقال المعركة السودانية إلى داخل مؤسسة يفترض أن تكون قراراتها مستقلة عن التأثيرات المالية والسياسية المباشرة.
ولا تتوقف التحركات عند المفوضية.
فمجلس السلم والأمن الأفريقي يمثل محوراً آخر في النشاط السوداني.
وفي فبراير 2026، شدد المجلس على ضرورة إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي، كما أكد قراره بإجراء زيارة ميدانية إلى السودان والتواصل مع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة.
وهنا تظهر معلومات أخرى تتحدث عن تحرك المخابرات السودانية لدفع رشاوى بهدف إقناع أعضاء المجلس بإجراء زيارة إلى الخرطوم.
والزيارة بالنسبة إلى سلطة بورتسودان ليست مجرد حدث دبلوماسي. إنها فرصة لتقديم روايتها مباشرة أمام مؤسسة أفريقية قادرة على التأثير في مواقف الدول الأعضاء والقرارات المتعلقة بالحرب.
فالسلطة تستطيع من خلال اللقاءات الرسمية عرض رؤيتها للأزمة، والتأكيد على موقع مؤسسات الدولة، وربط مستقبل العملية السياسية بالمؤسسات الموجودة في الخرطوم.
لكن المجلس لا يتحرك في فراغ.
فقراراته السابقة تؤكد أنه يريد التواصل مع مختلف أصحاب المصلحة، وليس مع السلطة وحدها. وهذا يعني أن أي وفد أفريقي يصل إلى الخرطوم ستكون أمامه روايات متعددة.
ومن هنا فإن قيمة الزيارة السياسية لا تكمن في وصول الوفد فقط، وإنما في أجندة اللقاءات.
هل يلتقي الوفد بالمسؤولين؟
هل يلتقي القوى المدنية؟
هل يستمع إلى النساء والشباب؟
هل يلتقي القوى المعارضة؟
هل يزور المناطق المتضررة من الحرب؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد قيمة الزيارة.
والاتحاد الأفريقي نفسه أكد في أكثر من مناسبة أن العملية السياسية يجب أن تكون شاملة.
ففي أغسطس، أعلنت مفوضية الاتحاد ترحيبها بمبادرة الحوار السوداني-السوداني، لكنها دعت إلى مشاركة جميع الأطراف المدنية والسياسية والمجتمعية، مؤكدة أن العملية يجب أن تكون سودانية القيادة والملكية.
وفي سبتمبر، ذهب رئيس المفوضية أبعد من ذلك عندما دعا إلى زيادة شمول الحوار السوداني، وأكد ضرورة وقف الحرب والانتقال إلى عملية سياسية تقود إلى استعادة النظام الدستوري.
وهذا الموقف يصطدم عملياً مع أي تصور يحاول اختزال العملية السياسية في القوى الموجودة داخل دائرة السلطة.
فالحديث عن إشراك القوى المؤيدة للبرهان، بما فيها القوى التي تُصنف ضمن التيار الإسلامي أو القوى المحسوبة على النظام السابق، يمثل أحد أكثر الملفات حساسية.
سلطة بورتسودان تريد توسيع قاعدة المشاركين في العملية السياسية بطريقة تسمح لها بالاستناد إلى قوى سياسية مؤيدة لها، بينما تخشى قوى مدنية معارضة أن يتحول هذا التوسيع إلى وسيلة لإعادة القوى المرتبطة بالبرهان أو بالنظام السابق إلى الواجهة.
والاتحاد الأفريقي أمام اختبار معقد هنا.
فهو يدعو إلى الشمول، لكنه في الوقت نفسه يربط العملية السياسية باستعادة مؤسسات مدنية شرعية.
وهذا يعني أن الشمول لا يمكن أن يكون مجرد إدخال أكبر عدد ممكن من القوى إلى الطاولة، بل يجب أن تكون هناك قواعد واضحة للعملية السياسية.
وفي سبتمبر، عكست زيارة الخماسية إلى الخرطوم هذا الاتجاه. فقد التقت البعثة قيادة السلطة، كما التقت قوى سياسية ومدنية، ثم اجتمعت بمجموعات من النساء والشباب. وأكدت في ختام مهمتها أن المسار السياسي يجب أن يكون شاملاً، سوداني القيادة والملكية، ويقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية.
وهذا يوضح أن الحضور الأفريقي في الخرطوم لن يكون بالضرورة مكسباً صافياً للسلطة.
فالسلطة تريد عودة الاتحاد الأفريقي، لكن الاتحاد يريد في المقابل أن يوسع دائرة التواصل داخل السودان.
السلطة تريد زيارة مجلس السلم والأمن، لكن المجلس يريد الاستماع إلى أصحاب مصلحة مختلفين.
السلطة تريد حواراً سودانياً، لكن الاتحاد يصر على شمول المدنيين والسياسيين والمجتمع.
وبالتالي، فإن الهدف الحقيقي للتحركات داخل المؤسسات الأفريقية هو التأثير في قواعد العملية السياسية المقبلة.
وتأتي الرشاوى، وفق المعلومات المتداولة حول نشاط المخابرات السودانية، في هذا السياق باعتبارها وسيلة للتأثير في مسار قرارات المؤسسة القارية.
لكن الملف يحتاج إلى التعامل معه باعتباره قضية فساد سياسي وأمني عابر للحدود، وليس مجرد خبر عابر.
فالمبلغ المتداول، مليون دولار، ليس رقماً بسيطاً. وإذا ثبت دفعه بالفعل، فإن السؤال لن يكون فقط من دفعه، بل من تلقاه، وكيف تم تحويله، ومن كان المستفيد منه، وما القرار الذي تم التأثير عليه.
وهذه الأسئلة هي التي يمكن أن تكشف طبيعة النشاط داخل المؤسسة الأفريقية.
لكن بعيداً عن الجانب المالي، فإن النشاط السياسي للسلطة داخل الاتحاد الأفريقي واضح من خلال كثافة الاتصالات واللقاءات.
ففي أغسطس، استقبل رئيس مفوضية الاتحاد المندوب الدائم للسودان، وناقش معه التطورات السياسية والأمنية وجهود استعادة الاستقرار، كما أكد رغبته في زيارة الخرطوم.
وهذا يعني أن قناة الاتصال بين الجانبين مفتوحة.
لكن استمرار هذه القناة لا يعني أن الاتحاد الأفريقي تبنى موقف سلطة بورتسودان.
فالبيانات الرسمية للاتحاد تؤكد باستمرار على الحوار الشامل، والحل السياسي، والقيادة السودانية للعملية، ورفض الحل العسكري.
وهذا ما أكده رئيس المفوضية في سبتمبر عندما دعا إلى هدنة إنسانية ووقف الأعمال العدائية، وقال بوضوح إنه لا يوجد حل عسكري للصراع السوداني.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لسلطة بورتسودان هو قدرتها على تحويل الحضور الأفريقي في الخرطوم إلى دعم سياسي لرؤيتها.
أما الاتحاد الأفريقي، فيبدو أنه يريد استثمار هذا الحضور لإعادة بناء اتصالاته بالسودانيين وتوسيع مساحة الحوار.
وهكذا تحولت مفوضية الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن إلى ساحات جديدة للصراع السياسي السوداني، بعدما كان الصراع محصوراً بصورة أكبر في ساحات القتال.
المعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يسيطر على الأرض، بل حول من ينجح في التأثير على المؤسسات التي ستشارك في تحديد شكل السلام والانتقال السياسي.
وهنا تصبح كل زيارة، وكل اجتماع، وكل قرار بشأن مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم جزءاً من معركة أكبر على مستقبل السودان.




