تسريبات
اختراق المنظومة الأفريقية: كيف توظف سلطة بورتسودان الدبلوماسية السرية لفك العزلة الدولية؟
في ظل التعقيدات الجيوسياسية المستمرة التي يعيشها السودان، تحولت العاصمة المؤقتة بورتسودان إلى مركز لإدارة معركة دبلوماسية موازية للمعارك العسكرية على الأرض. تسعى السلطة القائمة هناك، المحسوبة على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بكل ثقلها لكسر العزلة الإقليمية والدولية المفروضة عليها منذ تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي. وفي هذا السياق، برزت مؤخراً تقارير وتسريبات صحفية تتحدث عن أدوار متزايدة لجهاز المخابرات السوداني في إدارة ملف العلاقات مع مفوضية الاتحاد الأفريقي، وهي أدوار تتأرجح بين العمل الدبلوماسي التقليدي والأنشطة السرية المثيرة للجدل.
تأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية، حيث تحاول سلطة بورتسودان إعادة رسم الخارطة السياسية للسودان عبر مسارين متوازيين: الأول هو انتزاع اعتراف إقليمي بشرعيتها كحكومة أمر واقع تمثل الدولة السودانية، والثاني هو التمهيد لإشراك القوى السياسية المؤيدة للجيش، ولا سيما التيارات المحسوبة على النظام السابق والحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين)، في أي عملية سياسية أو تفاوضية مستقبلية برعاية أفريقية.
اختراق المفوضية وبوابة الأموال
تتمحور التسريبات الأخيرة حول اتهامات مباشرة لوحدات تابعة للمخابرات السودانية بممارسة أنشطة استقطاب واسعة داخل أروقة مفوضية الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. وتزعم هذه التقارير، التي تداولتها منصات إعلامية معارضة، أن هناك مبالغ مالية ضخمة تُقدر بنحو مليون دولار أمريكي جرى رصدها وتوجيهها ك رشاوي ومحفزات مالية لبعض الموظفين والعاملين في الهياكل الإدارية والتنفيذية للمفوضية.
الهدف المباشر من وراء هذه الأنشطة المزعومة هو الضغط باتجاه اتخاذ قرار إداري وسياسي بإعادة فتح مكتب الاتصال التابع للاتحاد الأفريقي في العاصمة الخرطوم. بالنسبة لسلطة بورتسودان، لا يمثل هذا المكتب مجرد بعثة دبلوماسية اعتيادية، بل يعتبر خطوة استراتيجية محورية؛ إذ إن عودة علم الاتحاد الأفريقي للارتفاع في الخرطوم تعني رمزياً إقرار المنظمة القارية بوجود سلطة مركزية مستقرة تدير البلاد من العاصمة التاريخية، مما يضعف حُجج الأطراف المناوئة ويمنح الجيش أفضلية سياسية كبيرة في المحافل الدولية.
مجلس السلم والأمن والزيارة الرمزية
لم تتوقف الطموحات الدبلوماسية عند حدود الأجهزة الإدارية للمفوضية، بل امتدت لتشمل محاولات التأثير على مجلس السلم والأمن الأفريقي، وهو الجهة السياسية العليا المسؤولة عن اتخاذ القرارات المصيرية بشأن النزاعات في القارة. تشير القراءات التحليلية إلى أن المخابرات السودانية بذلت جهوداً مكثفة لإقناع المجلس بإجراء زيارة رسمية إلى الخرطوم، وهو ما تحقق بالفعل في وقت سابق برئاسة دورية جزائرية.
هذه الزيارة حملت في طياتها دلالات سياسية عميقة أثارت انقساماً حاداً في القراءات:
- رؤية السلطة في بورتسودان: اعتبرت الزيارة نجاحاً دبلوماسياً باهراً واختراقاً لجدار العزلة. فاللقاء الذي جمع وفد المجلس بالبرهان في القصر الرئاسي بالخرطوم عُدّ بمثابة اعتراف رسمي بالقيادة الحالية وتراجعاً ضمنياً عن المقاطعة الصارمة التي تلت إجراءات أكتوبر 2021.
- قراءة القوى المدنية والمعارضة: ترى هذه القوى أن الزيارة لا تعكس تغييراً جوهرياً في موقف الاتحاد الأفريقي، بل هي محاولة من المنظمة القارية لتبني مقاربة واقعية تهدف إلى التحدث مع كافة الأطراف على الأرض لوقف نزيف الدم. وتخشى المعارضة من أن تستغل السلطة هذه اللقاءات لتسويق رؤيتها الأحادية للحرب والحل السياسي.
إعادة هندسة المشهد السياسي وإدماج “الإخوان”
يرتبط هذا التحرك الدبلوماسي المكثف ارتباطاً وثيقاً بالداخل السوداني، حيث تسعى سلطة بورتسودان إلى فرض رؤية محددة لشكل وتكوين “العملية السياسية” المقبلة. يتجلى هذا التوجه في المحاولات المستمرة لإشراك القوى والكتل السياسية التي أعلنت دعمها المطلق للقوات المسلحة في حربها ضد قوات الدعم السريع.
المعضلة الأساسية هنا تكمن في أن الجزء الأكبر من هذه القوى الداعمة ينتمي إلى التيار الإسلامي وواجهاته السياسية المحسوبة على نظام الرئيس السابق عمر البشير (الإخوان المسلمين). تحاول السلطة الحالية، عبر الضغط في أروقة الاتحاد الأفريقي، انتزاع قبول إقليمي بصيغة حوار “سوداني-سوداني” يكون شاملاً لجميع القوى دون إقصاء، وهي كلمة حق تُراد بها تهيئة المناخ لعودة عناصر النظام السابق إلى الواجهة السياسية تحت غطاء “القوى الوطنية المساندة للشرعية والجيش”.
تثير هذه المساعي قلقاً بالغاً لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين الذين يصرون على أن أي حل مستدام في السودان يجب أن يتأسس على سلطة مدنية ديمقراطية تتجاوز معادلات النظام القديم، وتحقق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة، بعيداً عن صفقات الكواليس والترتيبات الأمنية الاستخباراتية.




