ملف الأسلحة الكيميائية.. الجيش السوداني يواجه اتهامات بجرائم حرب
دخلت الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية مرحلة أكثر حساسية، بعدما أعادت تقارير صحفية أميركية نشر تفاصيل منسوبة إلى ملف استخباراتي يتحدث عن تطوير ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال عام 2024، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية بشأن مسؤولية القيادات العسكرية واحتمالات المساءلة الدولية.
وتكتسب القضية أهميتها من طبيعة الاتهامات نفسها، إذ لا تتعلق فقط باستخدام أسلحة محظورة، بل تمتد، وفق ما أوردته التقارير، إلى شبهات بشأن تصنيع ذخائر كيميائية وتخزينها وتحويل مواد مخصصة للاستخدام المدني إلى مكونات عسكرية.
من الاتهامات السياسية إلى المساءلة القانونية
أعادت تقارير نشرتها صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في سبتمبر 2026 تسليط الضوء على القضية، مستندة إلى مواد قالت إنها تتضمن صوراً ومقاطع فيديو ومراسلات ومخططات مرتبطة ببرنامج عسكري سري.
وبحسب ما نقلته الصحيفتان، فإن المواد تشير إلى نشاط استمر عدة أشهر خلال عام 2024، وتضمن تجارب على ذخائر تعتمد على غاز الكلور، إلى جانب مزاعم بشأن إنتاج كميات من هذه الذخائر وتخزينها في منشآت عسكرية.
غير أن هذه التفاصيل، على خطورتها، تظل بحاجة إلى تحقق مستقل، خصوصاً في ظل عدم نشر جميع الأدلة بصورة تتيح فحصها علناً، وعدم صدور حكم قضائي يثبت المسؤولية الجنائية للأشخاص أو الجهات الواردة أسماؤهم في التقارير.
ماذا يقول القانون الدولي؟
يشكل استخدام الأسلحة الكيميائية انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، كما تحظر اتفاقية الأسلحة الكيميائية تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، وفقاً لأحكامها.
ويمكن أن يشكل الاستخدام المتعمد لهذه الأسلحة في النزاعات المسلحة جريمة حرب، إذا توافرت العناصر القانونية اللازمة لإثباتها. أما توصيف الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية، فيتطلب إثبات شروط إضافية، من بينها ارتباطها بهجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، مع توافر بقية عناصر الجريمة.
وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في تحديد المسؤولية الفردية، إذ لا يكفي إثبات وقوع مخالفة محتملة وحده لإدانة قيادة عسكرية بعينها، بل ينبغي تحديد دور كل شخص ومدى علمه بالأفعال أو مشاركته فيها، وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
اتفاقية الأسلحة الكيميائية تحت الاختبار
السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، وهو ما يضع السلطات أمام التزامات تتعلق بعدم تطوير هذه الأسلحة أو إنتاجها أو حيازتها أو استخدامها، فضلاً عن التعاون مع الآليات الدولية المختصة وفقاً لأحكام الاتفاقية.
وفي مايو 2025، شكلت السلطات لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات، وقدمت، بحسب المقالات والتقارير المشار إليها، تقريراً مرحلياً أفاد بعدم العثور على أدلة تثبت وجود أسلحة كيميائية أو تلوث إشعاعي.
في المقابل، أعادت التسريبات الصحفية طرح أسئلة بشأن استقلالية التحقيق ومدى قدرته على الوصول إلى المواقع العسكرية والسجلات والمواد التي وردت في الملف الاستخباراتي.
نفي رسمي وأسئلة بلا إجابات نهائية
رفض رئيس الوزراء كامل إدريس الاتهامات، واصفاً إياها في أكتوبر 2026 بأنها ادعاءات كاذبة. ويؤكد هذا الموقف وجود خلاف واضح بين الرواية الرسمية والمعلومات التي نشرتها الصحف الأميركية.
لكن حسم هذا الخلاف لا يمكن أن يعتمد على التصريحات وحدها، سواء كانت بالنفي أو الاتهام. فالمطلوب هو فحص الأدلة المادية، والتحقق من مصادر المواد الكيميائية، ومراجعة سجلات النقل والتخزين، والاستماع إلى الشهود، وتحديد طبيعة الذخائر التي ظهرت في المقاطع المصورة.
وفي حال ثبوت مخالفات، تبرز الحاجة إلى تحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم وفق الأطر القانونية المختصة. أما إذا لم تثبت الاتهامات، فإن تحقيقاً مستقلاً وشفافاً يمكن أن يساعد في تبديد الشكوك.
وبين النفي الرسمي والتقارير الاستخباراتية المسربة، يبقى السؤال الأساسي: هل تفتح السلطات السودانية الباب أمام تحقيق فني مستقل ينهي الجدل، أم يستمر الملف مصدراً للضغط السياسي والقانوني على قيادة الجيش؟




