تحقيقات

تسريبات الكلور في السودان.. ماذا تكشف الرواية الأميركية عن برنامج الذخائر المزعوم؟


أعادت معلومات نشرتها صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» بشأن ملف استخباراتي مرتبط باتهامات استخدام أسلحة كيميائية في السودان طرح أسئلة حول طبيعة الأنشطة العسكرية التي يُشتبه في تنفيذها خلال عام 2024، ومصدر المواد المستخدمة في تصنيع الذخائر المزعومة، والأهداف التي كانت مخصصة لها.

وتشير المواد التي قالت الصحيفتان إنهما راجعتاها إلى برنامج سري لتطوير ذخائر تعتمد على غاز الكلور، في اتهامات تنفيها السلطات السودانية، بينما لم تُعرض الأدلة المتداولة حتى الآن في إطار تحقيق مستقل معلن يحسم جميع جوانب القضية.

ستة أشهر من النشاط المزعوم

بحسب الرواية الواردة في التقريرين، امتد النشاط المشتبه فيه نحو ستة أشهر خلال عام 2024، وشمل تصميم ذخائر يُقال إنها تجمع بين التأثير الانفجاري والقدرة على نشر غاز سام.

وتنسب المواد إلى العميد طارق حسين دوراً في اقتراح تصميم رأس حربي يحتوي على نحو 15 كيلوغراماً من غاز الكلور، كما تتحدث عن تجارب في منطقة صحراوية انطلقت من مطار مروي، وعن إنتاج قرابة 300 ذخيرة بحلول أكتوبر من العام نفسه.

وتتضمن الرواية كذلك إشارات إلى احتمال استخدام أكثر من مئة قنبلة، غير أن هذه الأرقام والتفاصيل تستند إلى مواد منسوبة إلى الملف المسرب، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها حصيلة مؤكدة قبل التحقق المستقل منها.

من الاستخدام المدني إلى الذخائر العسكرية

من أكثر الجوانب حساسية في التسريبات المزاعم المتعلقة بسحب أسطوانات كلور من محطة لمعالجة المياه في أم درمان، ثم إدخالها في مسار عسكري.

فالكلور مادة لها استخدامات مدنية مشروعة، من بينها معالجة مياه الشرب، لكن تحويلها إلى وسيلة لنشر مادة سامة في سياق عسكري يثير إشكالات قانونية وأمنية بالغة الخطورة.

وتتطلب مراجعة هذه المزاعم تحديد مصدر الأسطوانات، والجهات التي تسلمتها أو نقلتها، وطبيعة استخدامها الفعلي، إلى جانب فحص سجلات التخزين والشحنات والمراسلات المرتبطة بها.

كما أن إثبات وجود مادة كيميائية في موقع عسكري لا يكفي وحده لإثبات استخدامها سلاحاً، إذ يتعين تحديد الغرض من حيازتها وطبيعة الذخائر المرتبطة بها، وفحص الأدلة الميدانية المتاحة.

منشأة الجيلي في دائرة التساؤلات

تربط الرواية المنشورة بين الملف المزعوم وهجوم على منشأة الجيلي في سبتمبر 2024، بعدما تحدثت قوات الدعم السريع عن استخدام ذخائر سامة، فيما أشارت تقارير إلى ظهور أشخاص يرتدون أقنعة أكسجين في الموقع.

كما نقلت الصحيفتان عن خبراء أن سحباً صفراء مائلة إلى الخضرة ظهرت في مقاطع اختبار تتوافق، من حيث المظهر، مع احتمالات مرتبطة بغاز الكلور.

لكن المظهر البصري وحده لا يمثل دليلاً حاسماً على هوية المادة الكيميائية أو تركيزها أو طريقة استخدامها. ويتطلب التحقق العلمي إجراء تحاليل للعينات المتاحة، ومراجعة التسجيلات في سياقها الكامل، وفحص الشهادات والبيانات الطبية إن وجدت.

كذلك، فإن عدم وجود وفيات مؤكدة منسوبة مباشرة إلى الغاز، وفق ما أورده النص الأصلي، لا يحسم بمفرده ما إذا كان استخدام كيميائي قد وقع أم لا.

لماذا تزداد أهمية الملف؟

تنبع أهمية التسريبات من أنها، بحسب الصحيفتين، لا تقتصر على روايات ميدانية، بل تتضمن وثائق ومراسلات وصوراً ومقاطع فيديو يُقال إنها ترسم صورة متكاملة نسبياً عن برنامج لتطوير الذخائر.

غير أن قوة أي ملف من هذا النوع تتوقف على أصالة الوثائق، وسلامة سلسلة حيازتها، وإمكان التحقق من تواريخها ومصادرها، ومدى تطابقها مع الأدلة المادية المتاحة على الأرض.

وفي ظل استمرار النفي الرسمي، تبدو الحاجة ملحة إلى فحص مستقل لا يكتفي بمراجعة المواد المنشورة، بل يسعى أيضاً إلى الوصول إلى المواقع والسجلات والشهود.

وفي نهاية المطاف، لن يتوقف حسم القضية على حجم التسريبات أو خطورة التفاصيل التي تتضمنها، بل على قدرة التحقيق المختص على إثبات ما حدث فعلاً، وتحديد المسؤوليات بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى