تسريبات

ملف الأسلحة الكيميائية في السودان: من إرث الإفلات من العقاب إلى تداعيات الحرب الحالية (2023-2026


مع اندلاع الثورة السودانية في 2018 وسقوط نظام عمر البشير في 2019، تعلقت آمال الضحايا والمجتمع الدولي بفتح صفحة جديدة من المساءلة والعدالة الانتقالية. إلا أن الانقلاب العسكري في 2021، ومن ثم اندلاع الحرب المدمرة في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، أعادا البلاد إلى مربع الصفر، بل ودخلا بها في نفق إنساني وقانوني أعمق. يهدف هذا المقال إلى تحليل “إرث” ملف الأسلحة الكيميائية والجرائم المماثلة في السياق السوداني المعاصر، وكيف يؤثر هذا الإرث على الموقف الدولي الحالي (حتى عام 2026)، وما هي التحديات والآفاق المستقبلية للمساءلة في ظل الحرب الراهنة.
سقوط البشير وضياع فرصة العدالة الانتقالية
كان من المفترض أن تشكل فترة ما بعد 2019 فرصة تاريخية للسودان للتوقيع على البروتوكولات الاختيارية لاتفاقيات حقوق الإنسان، والسماح بفرق تحقيق دولية لمراجعة ملفات الماضي، بما في ذلك ملف دارفور والأسلحة الكيميائية. إلا أن المكون العسكري في المجلس السيادي الانتقالي (والذي كان يقوده الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني) حال دون ذلك. تم التعتيم على ملفات جرائم الحرب، ولم يتم تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بل وتم الإفراج عن بعض القيادات المتورطة في مجازر دارفور. هذا “التحالف الصامت” بين المؤسسة العسكرية والفلول النظام البائد، أجهض أي محاولات جادة لمحاكمة مرتكبي جرائم الأسلحة الكيميائية، وأرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن “المساءلة” لن تكون على جدول الأعمال السوداني.
حرب 2023-2026: توحش جديد وتحديات قانونية معاصرة
مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تغيرت طبيعة النزاع. لم يعد الأمر يتعلق بتمرد في الأطراف (دارفور)، بل بحرب شوارع مدمرة في العاصمة الخرطوم، وحرب إبادة منهجية في إقليم دارفور (خاصة في الفاشر) يقودها تحالف بين الجيش والدعم السريع. في هذا السياق الراهن (حتى أواخر 2025 وبداية 2026)، لم تظهر تقارير موثوقة عن استخدام “أسلحة كيميائية” بالمعنى التقني الدقيق (مثل غاز الخردل) من قبل الجيش السوداني أو الدعم السريع. لكن ما تم توثيقه على نطاق واسع من قبل الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمات حقوقية، هو:
  1. القصف الجوي العشوائي والمكثف: استخدام الجيش السوداني لطائرات مسيرة (درونز) مقاتلة وطائرات حربية لقصف أسواق، ومستشفيات، ومخيمات نازحين، باستخدام ذخائر شديدة الانفجار تسببت في حرائق هائلة وانبعاثات سامة من المواد الصناعية والبنية التحتية المدمرة.
  2. الأسلحة المحرمة دولياً: توثيق استخدام الذخائر العنقوية، والألغام المضادة للأفراد، والأسلحة الحارقة في المناطق السكنية.
  3. التجويع كسلاح حرب: حصار المدن ومنع وصول المساعدات، مما أدى إلى مجاعات ترقى لجرائم ضد الإنسانية.
الموقف الدولي الراهن (2024-2026): بين العقوبات والمحاكم
تعامل المجتمع الدولي مع الحرب الحالية بوعي كامل بـ “السجل الأسود” للجيش السوداني. لم يعد الأمر يتعلق بـ “ادعاءات” بل بـ “أنماط سلوكية مثبتة”.
  1. المحكمة الجنائية الدولية (ICC): أعاد المدعي العام كريم خان تفعيل التحقيقات في دارفور. وفي 2024/2025، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق قيادات من “الدعم السريع” (مثل محمد حمدان دقلو “حميدتي” وعبد الرحيم حمداً “حمدي”) بتهمة جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وبالنسبة للجيش السوداني، تواجه المحكمة تحديات في إصدار أوامر بحق قيادته الحالية بسبب التعقيدات السياسية، لكن الملف مفتوح، وأي استخدام لأسلحة محظورة (بما في ذلك أي مواد سامة أو كيميائية محتملة) سيُضاف فوراً إلى لائحة الاتهامات.
  2. العقوبات الأممية والأوروبية: أعاد مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات شاملة على كيانات عسكرية سودانية (شركات تابعة للجيش مثل شركة السلاح والذخيرة، وشركات التعدين). المجتمع الدولي يتعامل مع “الجيش السوداني” ككيان يرتكب جرائم حرب منهجية، وليس مجرد طرف في نزاع مسلح.
  3. مؤتمرات المانحين والضغط السياسي: في مؤتمرات مثل جنيف وباريس (2024-2025)، ربطت الدول المانحة أي إعادة إعمار أو دعم اقتصادي بـ “وقف القصف الجوي العشوائي” و”السماح بوصول المساعدات”، وهو ضغط مباشر على القيادة العسكرية لتغيير سلوكها الحربي.
أهمية “الذاكرة التوثيقية” ومستقبل المساءلة
إن ملف الأسلحة الكيميائية في السودان (2016) لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان “بروفة” أو “إشارة إنذار” مبكرة توضح مدى استعداد المؤسسة العسكرية لاستخدام أي وسيلة، بغض النظر عن القوانين الدولية، لسحق المعارضة أو السيطرة على الأراضي. اليوم، تعمل منظمات سودانية ودولية على “أرشفة” كل الانتهاكات (بما في ذلك القصف الجوي، والتدمير الممنهج، واستخدام الطائرات المسيرة) باستخدام تقنيات البلوكتشين والذكاء الاصطناعي لضمان عدم ضياع الأدلة، كما حدث في ملف 2016. الهدف هو بناء “ملف رقمي وقانوني” ضخم سيكون جاهزاً لأي محكمة دولية أو وطنية مستقبلية.
يُثبت السياق الراهن (2023-2026) أن “الإفلات من العقاب” على جرائم الماضي (مثل ملف الأسلحة الكيميائية في دارفور) لم يؤدِ إلى سلام، بل مهد الطريق لـ “توحش أكبر” في الحاضر. المجتمع الدولي، ورغم تأخره وتناقضاته، بدأ يدرك أن التعامل مع “الجيش السوداني” ككيان تقليدي يحتاج إلى “تطويع” هو مقاربة فاشلة. المستقبل القانوني للسودان يتطلب مساءلة شاملة لا تعرف الحدود الزمنية، تبدأ من ضحايا غاز الخردل في جبل مرة 2016، وتمتد إلى ضحايا القصف الجوي والتجويع في 2026. إن الحفاظ على “المعايير الدولية” ضد الأسلحة الكيميائية والمحظورة ليس رفاهية قانونية، بل هو الضمان الوحيد لعدم تكرار مآسي السودان في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى